الدروس الخصوصية في مصر سوق سوداء للتعليم

تم نشره في الأحد 2 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 09:00 صباحاً
  • الدروس الخصوصية في مصر سوق سوداء للتعليم

 تستنزف 3.3 مليار دولار من دخل الأسر

 

القاهرة –  كشفت دراسة أعدها مركز المعلومات في مجلس الوزراء المصري أن ما بين 61- 77 في المائة من طلاب المدارس في السنوات الدراسية المختلفة يحصلون على دروس خصوصية، فيما أشارت إحصاءات رسمية إلى أن هذه الدروس الخصوصية التي تجرمها وتحاربها وزارة التعليم تكلف الأسر المصرية قرابة 15 مليار جنية سنويا (3.3 مليار دولار).

وقالت الدراسة، التي أوردت مجلة "المصور" الحكومية في عددها الصادر في 30 أيلول/سبتمبر 2005 خبر عنها، والتي شملت ألف أسرة مصرية، أن متوسط إنفاق الأسرة على الدروس الخصوصية يعادل حوالي 90 دولارا شهريا (500 جنيه) في حين أن هذا الرقم يمثل الدخل الشهري للعديد من الأسر، وأن الدروس تكثر في المرحلة الثانوية في حين تبلغ 50 في المائة من الطلاب في المرحلة الابتدائية.

    وأشارت الدراسة إلى أن نسبة من يأخذون دروسا خصوصية تزيد أو تقل، وفقا لمستوى دخل الأسرة، ففي حين تقل النسبة إلى حوالي 61 في المائة في الأسر صاحبة الدخل الاقتصادي المنخفض تزيد إلى 77 في المائة في الأسر ذات الدخل المرتفع، وأن النسبة الكلية تقارب 69 في المائة من الطلاب، كما أن الإقبال على الدروس لم يعد معبراً عن ضعف مستوى الطالب ولكن لضمان المزيد من الشرح والحصول على مجموع أفضل.

وكان طلاب مصريون فازوا بالمراكز الأولى في امتحان الشهادة الثانوية في 17 تموز/يوليو 2005 اعترفوا أن سرّ تفوقهم يرجع إلى الدروس الخصوصية التي تلقونها في العديد من مواد الدراسة، بعدما أصبحت هذه الدروس لا غنى عنها للطالب وللمدرسين الذين يعتمدون عليها في تحسين مصادر الدخل.

   وكشفت أسر العديد من الطلبة والطالبات الذين كرمهم وزير التعليم المصري لحصولهم على المراكز العشرة الأوائل على مستوى البلاد، أن الدروس الخصوصية سواء المنزلية أو في "مجموعات التقوية" داخل المدارس ومراكز التعليم المختلفة لعبت دورا حاسما في التفوق، حيث أخذ غالبيتهم دروسا خصوصية في نصف المواد الدراسية تقريبا بسبب الشكوى من ضعف التحصيل الدراسي في المدارس أو لتحسين المستوى.

وتمثل الدروس الخصوصية إحدى القنوات الحديثة لاستنزاف دخل الأسرة المصرية، حيث يتراوح إنفاق الأسرة الواحدة على التلميذ الواحد في السنة الدراسية حوالي خمسة دروس في خمس مواد دراسية ما بين 500 إلى 900 جنيه، تشكو دراسات رسمية من أنها أثرت حتى على خطط التنمية الرسمية، هي والعديد من مظاهر الإنفاق الأسري المستحدثة مثل الإنفاق على الهواتف الجوالة والوجبات السريعة الجاهزة، وكان لها دور في إضعاف دخول العديد من الأسر.

   وقد ظهرت أشكال غريبة وعديدة لهذه الدروس الخصوصية وتوسعت المراكز الخاصة المخصصة لهذا الغرض رغم مطاردة أجهزة الدولة المصرية لها، حتى أن العديد من المدرسين الذين يشكلون مجموعات طلابية للدروس الخصوصية في منازل الطلاب أو المراكز التعليمية الخاصة يصبحون كاملي العدد قبل بدء العام الدراسي بشهر أو شهرين أحيانا، إضافة إلى سعي البعض الآخر للإعلان عن نفسه كمدرس خصوصي في ملصقات يجري توزيعها في الشوارع ولصقها على محطات المواصلات العامة!

   وكان الجدل الحاد حول استفحال هذه الظاهرة وأسبابها، وفشل وزارة التربية والتعليم في القضاء عليها، قد حدا بلجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس الشعب برئاسة الدكتور حسام بدراوي لإعداد تقرير في وقت سابق حول هذه الظاهرة أكد أن الدروس الخصوصية تكبد الأسر المصرية 12 مليار جنيه، وطالبت اللجنة في تقريرها بتقنين هذه الظاهرة وتنظيمها بقانون لأنها أصبحت أمرا واقعا ولا سبيل لمواجهته.

ولكن أعضاء مجلس الشعب رفضوا هذه الفكرة ورفضوا تقنينها عند مناقشة التقرير في المجلس وظل الوضع قائما على ما هو عليه.

وقد قامت لجنة الشؤون المالية والاقتصادية بمجلس الشورى برئاسة الدكتور أحمد رشاد موسى بإعداد تقرير آخر حول توزيعات الدخل والإنفاق لدى الأسر المصرية نشرته مجلة "الأهرام الاقتصادي" في عددها الصادر في 22 أيلول/سبتمبر 2003، كشف أن الإنفاق العائلي على الدروس الخصوصية يقدر بنحو 15 مليار جنيه، وأن الدروس الخصوصية ساهمت في تخفيض معدل النمو المتوقع وانكماش الدخل المتاح للتصرف لدى المواطنين واضطرارهم إلى تخفيض الكميات المطلوبة من السلع والخدمات، وهي عناصر ساهمت في تخفيض معدل النمو المتوقع خلال العام المالي 2002/2003 إلى 2.5 في المائة، بالمقارنة بمعدل النمو الذي قدرته الخطة الخمسية الثانية بنحو 6.2 في المائة كمتوسط سنوي.

   وقد دفع الإقبال الشديد من جانب الأسر على الدروس الخصوصية لضمان تفوق أبنائهم، بعض المدرسين والشركات لطرح خدمة الدروس الخصوصية على شبكة الإنترنت عن طريق اتصالهم المباشر مع المدرسين، وتوفر بعض المواقع للطلبة المشتركين برنامجا خاصا مصمم لتلقي الدروس الخصوصية على الشبكة حيث تتوافر بهذا البرنامج عدة عناصر أهمها إمكانية المحادثة الصوتية ما بين المعلم والتلميذ، بالإضافة إلى استخدام هذا البرنامج كلوحة يقوم المدرس بشرح المعلومات المختلفة عليها ليشاهدها التلميذ على جهازه الخاص مباشرة.

كما يقوم التلميذ أيضا بحل الأسئلة التي يطرحها عليه المدرس، والبرنامج مصمم بصورة تؤمن انسياب المعلومات بصورة سهلة وكأن المعلم والتلميذ يجلسان مع بعضهما بعضا، ويستفيد من خدمات هذه المواقع الطلاب من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الثانوية، كما يمكن للطالب المفاضلة بين عدة أساتذة يختارهم بنفسه، وأشهر هذه المواقع هو موقع "أستاذ أون لاين" الذي يوفر الدروس بثلاث لغات عربية وإنجليزية وفرنسية.

ويعادل حجم الإنفاق على التعليم الأساسي في مصر، وفق ما أعلن وزير التعليم المصري الأسبق حسين كامل بهاء الدين 196 دولارا للطالب سنويا مقابل 3500 دولار في إسرائيل وما بين 4000 و5000 دولار في أوروبا و7000 في اليابان.

   وكانت محاولات الحكومة المصرية لمحاربة من أسمتهم "مافيا الدروس الخصوصية" وصلت حدّ محاكمة بعض المدرسين وغلق العديد من المراكز الخاصة للدروس، ولكن دون جدوى، أشهرها حكم سابق للمحكمة التأديبية العليا بمجلس الدولة في آذار/مارس 2004 بمجازاة 24 مدرساً، وخصم شهر من مرتب كل مدرس وتوجيه اللوم لمديرين بإدارة "أبو كبير" التعليمية بمحافظة الشرقية (شرق القاهرة) بعدما تبين قيامهم بمزاولة الدروس الخصوصية بالمخالفة لقرار وزير التربية والتعليم.

وقد أكدت المحكمة في حيثيات حكمها أن الدروس الخصوصية للطلاب مقابل أجر خارج المؤسسة التعليمية وبعيد عن إشراف الدولة أصبحت أخطر الظواهر على المجتمع وتعوق خطط الدولة ومتطلبات المجتمع في التحديث والتطوير المستمر للتعليم، وأن الدروس الخصوصية تعمق معاناة الأسرة المصرية وتحملها أعباء إضافية لا طاقة لها بها في سبيل توفير فرص متكافئة لأبنائهم في التعليم للحصول على أرفع الشهادات العلمية.

   وقد أعد المستشار عدلي حسين محافظ القليوبية (شمال القاهرة) دراسة حول هذه الظاهرة أكد فيها أنه تم إغلاق 37 مركزاً للدروس الخصوصية عام 2004، ولكنه دعا لوقفة مع هذه الظاهرة، حيث يجب معرفة أسبابها والعمل على القضاء عليها، خاصة أنها بدأت من الكتاب الخارجي الذي يكلف الأسر المصرية أكثر من 1.5 مليار جنيه.

وقال إن الدروس الخصوصية تعد أهم المشكلات التي تواجه العملية التعليمية في مصر والتي يطلق عليها البعض التعليم في السوق الموازية أو "التعليم في السوق السوداء".

وقال في الدراسة التي أعدها عن هذه الظاهرة وطرحها للمناقشة في اجتماع مجلس المحافظين أن ظاهرة الدروس الخصوصية استشرت بين ملايين الطلاب من الروضة وحتى الجامعة.

   وأوضح المستشار حسين أن هناك عوامل عديدة أدت إلى انتشار الدروس الخصوصية، منها النظام التعليمي القائم على أساس المفاضلة بالدرجات بين الطلاب، ورغبة عامة الناس في وصول أبنائهم إلى كليات القمة، وضعف المستوى العلمي للمدرسين، وانعدام دخل المدرس المادي القائم على راتب لا يكفيه هو وأولاده، وانتشار الغش في مراحل التعليم الأساسي، حيث أصبحت هناك عدة أنواع من الغش، منها الغش الإجباري، والغش الجغرافي، والغش الطلابي، والغش التطوعي، والغش الوزاري، والغش المأجور، موضحا أن من بين العوامل عدم إظهار النتائج الحقيقية للمدارس، كما أن نظم الامتحانات الحالية تشجع على اللجوء إلى الدروس الخصوصية، كما أن كتاب الوزارة ساعد على انتشار الكتب الخارجية.

وشدد في الدراسة على أن الدروس الخصوصية لها أثار سلبية على التلميذ والمدرس، كما أن لها أثرا سلبيا على المجتمع والأسرة، حيث تؤدي إلى استنزاف الموارد وعدم الاستقرار داخل الأسرة والمجتمع.

التعليق