"المقهى الثقافي" تحول إلى مكان للثرثرة الفارغة

تم نشره في الأحد 2 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 09:00 صباحاً
  • "المقهى الثقافي" تحول إلى مكان للثرثرة الفارغة

بعد أن هجره رواده

 

    القاهرة - المقهى عالم مصغر قد ترى فيه انسجاماً وقد تجد مجموعات غير متناغمة من البشر، ففي ركن يمكن أن تلمح زبوناً يجلس منفرداً يتابع كركرات الشيشة، سارحاً يتابع الدخان المتصاعد منها، وكأنه يبحث داخله عن حل لمشكلة، وعلى موائد أخرى هناك من يلتقي من أجل التسلية ولعب الطاولة أو الدومينو، وهناك من التف ليتابع حواراً سياسياً من أحد الفاهمين أو لينصت في شغف واهتمام لحكي شخص ما - خبير بأمور الدنيا - لعله يخرج بفائدة أو حكمة ما .. وهناك من لجأ إلى المقهى هروباً من البيت أو مشاكل العمل. في الماضي كانت تتجمع كل هذه التفاصيل وغيرها بالمقهى لتخلق لوحة متناغمة جميلة مانحة إياها دوراً كبيراً وفعالاً في الحياة الثقافية والسياسية منذ عشرينيات هذا القرن حتى أواخر الستينيات.

    ففي الحلمية بالقاهرة كانت هناك قهوة أنيقة يرتادها أمير الشعراء أحمد شوقي وحافظ إبراهيم شاعر النيل، وزكي مبارك و د.حسين الهراوي، ومحجوب ثابت، وكانت ندواتهم حافلة بالنقد والفكاهة.

    ولا ننسى مقهى "ريش" ودوره في تاريخ التجمعات الثقافية، وقد شهد عصر الأدباء الصعاليك وفي مقدمتهم الشاعر نجيب سرور الذي كان ينفق راتبه الشهري في يومين، ويظل بقية الشهر دون مليم واحد، وكان يوسف إدريس أحد رواد هذا المقهى مع القاص يحيى الطاهر عبدالله والشاعر أمل دنقل، وكثير من الشعراء والأدباء الشبان الذين طالما رافقوا أمل دنقل وجالسوه.

    هذا الدور الثقافي للمقهى غاب أو كاد، فهو الآن في انحسار مستمر، ولم يعد المقهى إلا مكاناً للثرثرة ومجالس النميمة، وقد هجره المثقفون الحقيقيون وفضلوا الجلوس في بيوتهم بعيداً عن هذا الجو الملوث.

    بحثا عن السبب يقول التشكيلي وصاحب مقهى "الحرافيش" د. فخري يوسف: إن الانفصال عن التراث لا بد وأن يؤدي إلى المشاكل .. وهذا ما يعانيه شباب هذا الزمان، فلا يمكن أن توجد زرعة بلا جذور، ويؤكد أنه لا يوجد تعارض بين الحفاظ على التراث والتطور.

    ويؤكد د. فخري أن للمقهى دوراً مهماً في نهضة الحركة الأدبية والفنية، وأيضاً السياسية، فقهوة "ماتينيا" شاهدت إرهاصات الثورة العرابية على يد عبدالله النديم .. إلا أنه ومثل أشياء كثيرة ، فقد المقهى دوره في فترة السبعينات وظهر المقهى سيئ السمعة ولكن في السنوات الأخيرة الماضية ظهرت الحاجة إلى العودة للجذور فعاد المقهى الشرقي مرة أخرى.

    والمقهى من وجهة نظره ليس مضيعة للوقت .. فهو بديل بريء للخمارات والانحرافات، خاصة وأن النوادي مكلِّفة، والمقهى في مصر هو المرادف للديوانية في الخليج .. إلا أن البيوت المصرية لا يوجد فيها مكان يسمح بتجمع الأصدقاء للتسامر فيقوم المقهى بهذا الدور.

    ويقول الشاعر سمير عبدالباقي: أتذكر أنه كان في فترة الستينيات "مقهى" في مدينة دمنهور يتجمع عليه الأدباء والشعراء، والفنانون التشكيليون، وتدار عليه المناقشات الأدبية والفنية، وكان صاحب هذا المقهى يسمى المسيري، وكان من المهتمين بالأدب والثقافة ومن هنا كان يسود المقهى هدوء تام، لكي يوفر الجو المناسب لإقامة الندوة التي كان يعدها بنفسه، فلا تجد دومينو ولا طاولة .. وكانت كل مقاهي القاهرة في هذه الفترة تتسم بالهدوء فكانت توجد رموز حقيقية عندها القدرة على أن تجمع الأدباء والمثقفين وعندها أيضاً الاستعداد للعطاء، ولكن غابت هذه الرموز، وغاب الهدوء، فهجر الأدباء المقهى، وجلسوا في بيوتهم وأصبح المقهى عبارة عن مكان للانتظار، ثم الانطلاق إلى أماكن أخرى، وأصبح مقهى "البستان" بالقاهرة البديل لمقهى "ريش" مكاناً للنميمة والثرثرة، كما أصبح مقهى "الفيشاوي" مقهىً سياحياً لا يصلح لأن يكون مكاناً للأدباء.

    القاص يوسف أبورية: في رأيه أن دور المقهى لم يغب نهائياً، فما زال له دور ولكنه أصبح دوراً مختلفاً ففي تجربتي الشخصية تعرفت فيه على معظم الكتاب والشعراء السابقين من جيل الستينيات، وكان مدخلي وبوابتي للعاصمة، وعاصرت إلى حد ما نبض مقهى "ريش"، وتعرفت على الشاعر أمل دنقل، ونجيب سرور، ويحيى الطاهر عبدالله ولكني لم التحق بحلقة نجيب محفوظ، ثم انتقلت فيما بعد إلى مقهى "البستان" وكنا نطلق عليه - للمداعبة - خط الدفاع الثاني بعد مقهى "ريش". وعلى هذا المقهى تعرفت على كل أدباء جيلي فكنا نسهر حتى الصباح على مقهى "علي بابا" بميدان التحرير، ونتصل بكل أبناء جيلنا من الممثلين والمطربين حينها أصدر الفنان محمود بقشيش "آفاق" عام 79 التي قدمت على مقهى "علي بابا" - أصواتاً أدبية جديدة كما ساهمت بتقديم البديل، وعلى مقاهي السبعينيات نشأت ظاهرة ثقافية مهمة في تلك الحقبة وهي دوريات الماستر التي كنا نسميها "كراسات الفقراء" مثل "خطوة"، "مصرية"، "الثقافة الوطنية"، و"موقف"، وغيرها الكثير، وهي التي احتضنت أدب السبعينيات، وظهر العديد من دور النشر التي يمكن أن تستوعب الأدب البديل فساهم هذا في تهميش دور المقهى في الحياة الأدبية، وظل مجرد بورصة يلتقي فيها الأدباء يتبادلون الأعمال الجديدة، ويعدون نصوصهم للنشر، واحتبس الكبار لشيخوخة مبكرة لحقت بهم واحتفظوا بطاقاتهم الابداعية داخل غرفهم، فلم يعد لديهم حاجة للمقهى، من هنا صار المقهى مجرد مكان للقاء غير حميم .

تيارات جديدة

   الشاعر والناقد أمجد ريان له رأي مختلف فيقول: لعلك ستندهش مني لأنني سأطرح عكس المعنى الذي ورد في سؤالك فأنا أتصور أن دور المقهى في حياة المثقفين قد اتسع الآن بصورة شديدة، فعندما حضرنا في أواخر الستينيات إلى القاهرة تعرفنا على عدد من المقاهي التي تجمع المثقفين ليتحدثوا أحاديث عامة في جلسات عادية، من ضمن هذه المقاهي مقهى "إنديانا" في الدقي، والذي تحول الآن إلى ما يشبه المطعم، ومقهى "ريش" ومقهى "ازافيتش" بميدان التحرير وقد تحول الآن إلى مكتب طيران، كانت المقاهي الثقافية تمثل مراكز لجمع الأدباء من خلال كافة تياراتهم وتوجهاتهم الثقافية، كانت مقاهي قليلة مشهورة ولم يكن يحتاج أحد إلى المزيد من هذه المقاهي لأن هناك عدداً من الندوات المنتظمة وقتها مثل "ندوة دار الأدباء"، و"ندوة كتاب الغد"، و"ندوة الأتيليه"، و"ندوة دار خريجي الجامعات"، وغيرها، بالإضافة إلى وجود عدد من دور النشر والمجلات والصفحات الثقافية في الصحف تقوم جميعها بنشر أعمال الأدباء. أما الآن فالحال يختلف اختلافاً تاماً فقد تفجرت تيارات ثقافية جديدة وعديدة، وصعدت إلى الساحة أعداد كبيرة من كتاب يرفضون منظومات الفكر والثقافة السابقة، واصدروا كتاباتهم المعبرة عنهم ولما صارت الندوات الرسمية والمجلات الرسمية جميعاً غير قادرة اليوم على تفهم هذه الكتابات أو التعامل معها فقد حدثت قطيعة شاملة، ومن هنا فإن المقهى اليوم هو المكان الذي يكون أقدر على استيعاب مناقشات المثقفين الجدد، وتستطيع أن تحصر في حي واحد في وسط البلد المقاهي التالية: الحرية - البستان - التكعيبة - شامبليون - البن البرازيلي وغيرها، علاوة على عشرات المقاهي المنتشرة في أحياء أخرى. إذن فدور المقهى الآن أصبح أكثر اتساعاً حتى يتمكن المثقفون الجدد والكتاب الجدد من إنشاء مجلات جديدة وندوات جديدة ومنابر تعبر عنهم بشكل أكثر دقة.

دور مهم

    التشكيلي صلاح يبصار يقول: رغم تنوع المقاهي في الشارع المصري وازدهارها، وانتقالها بشكل آخر إلى بعض الفنادق، أصبح كل فندق يجعل ركناً أقرب إلى المقهى يحتسي فيه الشاي العربي والشيشة وغير ذلك من المشروبات، ورغم أن هناك مقاهي ذات طابع خاص، فهناك مقاهٍ للخرس في التوفيقية، ومقاه للنوبيين، ومقهى "البستان"، ومقهى "الندوة الثقافية"، و"ليالي الحلمية"، إلا أن المقهى الثقافي انحسر دوره بشكل ملحوظ، بما يؤكد أن المقهى بمثابة مرآة تعكس حركة الثقافة من معارك أدبية وقضايا.

    ولقد كان للمقهى دور كبير في حركة الثقافة في مصر خاصة في الستينات ربما تعادل حركة الثقافة في المقهى في العشرينيات والثلاثينيات وما بعدها، كان مقهى "ريش" يعد بمثابة نافذة ثقافية تعكس كل الاتجاهات والتيارات، وكان النافذة التي انطلق منها ديوان نجيب سرور إبان رفضه للواقع الثقافي، وتمرده عليه، وفي كتاب "رأيت رام الله" يقول الشاعر مريد البرغوثي إنه كان في الإذاعة عندما أبلغه شفيع شافعي بأن غسان كنفاني قد اغتيل وعن طريق البث التليفزيوني انطلق الخبر إلى "ريش" وكان اتفاق المثقفين في ذلك الوقت أن تنطلق مسيرة صامتة تتزامن مع الجنازة تنطلق من "ريش" إلى نقابة الصحافيين تكون بمثابة احتجاج ورفض، وقد كان من بين المشاركين كل من يوسف إدريس، ويحيى الطاهر عبدالله، وسعيد الكفراوي، وسليمان فياض .

    هذا على ما يذكر الشاعر في كتابه ، وليس أدل على أن قيمة المقهى قد انحسرت الآن. إن المتتبع لحركة الثقافة يشهد ذلك ببساطة شديدة فما يحدث الآن على ما يسمى بالمقاهي الثقافية لا يتفق مع قيمة الثقافة المصرية عموماً تاريخاً وحاضراً، بمعنى أنها مجرد شراذم فكرية لا تعكس تياراً يعمق الثقافة أو يدفعها.

التعليق