عمايرة: ليس العيب في اللغة وانما فيمن يخدمها

تم نشره في الأحد 18 أيلول / سبتمبر 2005. 10:00 صباحاً

اكاديمي يحاضر حول العربية في زمن العولمة

 

محمد جميل خضر

   عمان- تحتاج العربية الى من يسهر على معياريتها التي تحمي استمرارها وانتشارها، والى من يؤمن بها لغة صالحة للحياة في جميع مستوياتها الاجتماعية والاقتصادية والفلسفية، هذا ما خلص اليه استاذ اللغة العربية وآدابها في الجامعة الاردنية د. اسماعيل عمايرة في محاضرته "العولمة ومستقبل العربية" التي ألقاها امس في رابطة الادب الاسلامي, وشبه عمايرة عضو مجمع اللغة العربية الاردنية لغة القرآن بنهر ممتد "من قديم الزمان، تسقي الرقاع والاصقاع، وتصل اهلها بزمانهم وتصلهم بحكمة الماضي" واضاف انها نهر يمشي الهويني بوقار، فإن جاء الغيث والغوث زادت قوة وخصبا، وان اجدبت فهي ليست بسيل يجف، وانما نهر يعتمد على منبعه المخبأ في مكنون قوله تعالى: "انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون".

ورأى صاحب كتاب "بحوث في الاستشراق واللغة" ان عولمة الانجليزية "مرهونة بالدرجة الاولى بالقوى المادية للناطقين بها على وجه الخصوص، وهذه هي العولمة في حين ان عالمية العربية مرهون بعقيدة تتجاوز المادة الى ما ورائها" مؤكدا في سياق متواصل ان "النص القرآني هو الحبل المتين الرابط بين اهلها، فلا ينبغي ان يحمل احد قهرا على هذه اللغةلأنه سوف يتخلى عنها بزوال القوة القاهرة".

   وذكر عمايرة في محاضرته التي حضرها زهاء 50 شخصا وقدمه فيها وادار الحوار خلالها د. عودة ابو عودة ان العربية تعايشت بسببت من نزعتها العالمية القائمة على ثوابت العقيدة، مع الثقافات الاخرى المحيطة فيها على مر العصور "حتى ذابت فيها هذه الثقافات، وتعايشت مع اللغات, فتلاشى بعضها برضى من اهلها انفسهم" في حين ظل بعض تلك الفئات كما اشار المحاضر على علاقة جوار وحوار واخذ وعطاء.

وحول موضوع سهولة اللغة الانجليزية وصعوبة اللغة العربية في سياق الترويج للاولى من قبل اصحابها والدائرين في فلكهم من غير هدى من ابناء العربية, وفي سياق كذلك النيل من"العربية" رأى صاحب كتاب "نحو آفاق افضل للعربية "تتردد على ألسنة العوام" وغير المتخصصين، او على السنة نفر من الدهاة يكررونها ليصدقها الناس، مؤكدا في سياق متواصل ان علم اللغة يضع اللغات في تكافؤ فيما يتعلق بسهولتها او صعوبتها وقال: في المعتاد يستسهل كل قوم لغتهم، وهم يرونها كذلك، لأنهم عاشوا فيها، فألفوها كما يألفون امهاتهم واباءهم وعاداتهم، وهم حين يتعلمون لغة جديدة يشعرون ازاءها بصعوبة، وتكون اشد صعوبة مثلا اذا كانت لا تمت الى لغتهم بصلة قرابة, ولا بصلة تأثر وتأثير, وهي اقل صعوبة اذا لم كذلك، وذكر عمايرة ان علم اللغة التقابلي والمقارن ومنهج تحليل الاخطاء تجمع ان الصعوبة والسهولة في اللغات نسبية ، فالعربية مثلا قريبة اصلا من السيريانية، ولذا كان من سهل نسبيا على من يعرف ايا من هاتين اللغتين ان يتعلم اللغة الاخرى، ولكنه يحتاج الى جهد اكبر حين يتعلم الفارسية مثل الا انها من خارج اسرة العربية.

وخلص حول هذه القضية ان وسائل تعليم لغة ما تؤثر على مستوى تلقيها فمتعلم "المعيارية العربية الفصحى في هذه الايام لم يوفق في اساليب تلقيها، وكانت اساليب تلقيه للانجليزية متطورة ومبنية على الاسس والاساليب التي تكفل بنجاح العملية التعليمية، وعندئذ يكون الحكم على اللغة قد اختلط بالحكم على اساليب تدريسها" ما دفع عمايرة لأن يقول ان "العيب ليس في اللغة، وانما فيمن يخدم هذه اللغة او تلك.

وتساءل صاحب كتاب المستشرقون ونظرياتهم في نشأة الدراسات اللغوية في سياق الحديث عن قوة لغة ما وضعف اخرى "أليس العمل على نشر اللغة مظهرا من مظاهر الدخول في مرحلة القوة".

   ورأى عمايرة ان لكل لغة ثوابتها ولها في ذات الوقت متغيراتها، مشيرا الى ان المعياريين سعوا في كل اللغات المعقدة الى الحفاظ على الثوابت اللغوية، وميزوا بين الثابت النسبي (قواعد النحو والصرف) والمتغير السريع (معاني كثير من المفردات, ومعايير الجمال والبلاغة كالتشبيه والمجاز والاستعارة) وذكر ان السؤال القديم المتجدد لمعياريي اللغة العربية هو كيف يحافظون على ثوابتها مع ايجاد توازن دقيق وحساس بين متطلبات الثبوت والديمومة من جانب وعوامل التغير والتطور الذي يسمح باستيعاب المستقبل المتجدد من جانب آخر

   وبين صاحب كتاب "معجم الادوات والضمائر" ان العربية تيسر لها دون سواها عامل حفاظ اكيد على معياريتها وهويتها متمثل بانطلاق هذه الثوابت من "النمط القرآني" وان العرب ما يزالون يحتكمون في معيار الصواب والخطأ الى النص القرآني, وما قاربه مما يحتج به من لغة العرب "وفي هذا ما يفسر الطمأنينة لدى العربي الا ان العربية محفوظة في ثوابتها القرآنية, وهو على حق في ان يطمئن الى ان الثبوت في معيارية الفصحى يتجاوز النسبي (الذي عليه ثوابت اللغات الاخرى, فضلا عن متغيراتها) الى المطلق الذي تنفرد به ثوابت العربية دون سواها, بمعنى ان حفظ العربية الفصيحة اي العربية المعيارية مرهون بديمومة حفظ الله سبحانه وتعالى للقرآن الكريم, ومرتبط به ارتباط النتيجة بالسبب.

   ورأى صاحب كتاب "نحو معجم واحد لألفا الحياة" ان ارتباط المعيارية العربية بحاجز كبير مقدس هو ما يفسر هجرة العلماء والباحثين وطلبة العلم من غير العرب من لغاتهم الاصلية كالفارسية والسريانية والتركية الى العربية, وهي الهجرة التي وصفها عمايرة بأنها جاءت طوعية وعن قناعة "ومن غير شعور بالاثم والخيانة للغاتهم الاصلية" وأكد ان تلك الهجرة تجاوزت خاصة الناس الى عامتهم الذين "اعتنقوا كتابها عقيدة, ودبوا ألسنتهم على قواعد نحوها وصرفها وصوتها, فكان القرآن الكريم المرجع الذي يعودون اليه لغة, منذ ذلك الزمان الى يومنا هذا" وخلص عمايرة في سياق متواصل ان معيارية العقيدة ارتبطت بمعيارية اللغة, فلا اكراه في كليهما لأن اهل العربية يؤمنون "بتعايش الثقافات والحضارات واللغات, فالناس خلقوا شعوبا وقبائل ليتعارفوا وليتنافسوا في اعمار الارض, وتعددت لغاتهم وألوانهم" وهم اي اهل العربية لا يحتاجون بحسب عمايرة الى التخفي خلف اهداف تختبئ وراءها روح عدوانية للثقافات واللغات الاخرى في سياق تعليقه ونقده للفكرة القائلة بضرورة توحيد لغة العالم, وقال في هذا الاطار "باسم توحيد الاقتصاد يقل اليوم للناس, انكم بحاجة الى لغة واحدة وحيدة والى اقتصاد واحد وسياسة واحدة تدير الكون" وكشف ان الانجليزية هي اللغة العالمية المقترحة, يمارسون ألوان الاغراء بها والحمل على تعلمها لأن عدم فعل ذلك باعتقادهم اضاعة للوقت, وختم عمايرة محاضرته بتأكيد ان عالمية العربية اكثر امكانية من غيرها لما تحمله من عناصر الثبات والاستقرار "وقد اثبتت التجربة لها وحدها انها هي المعمرة على مدى العصور, وان غيرها متحرك لا يلبث ان ينقسم وقد يتلاشى".

التعليق