"مملكة ايمار": إطلالة على تاريخ الحضارة في حلب

تم نشره في الأحد 18 أيلول / سبتمبر 2005. 10:00 صباحاً
  • "مملكة ايمار": إطلالة على تاريخ الحضارة في حلب

    دمشق- تجيء أهمية هذا البحث الذي قدمه الدكتور بسام جاموس في كتابه "مملكة إيمار" في أنه يكشف عن القوة السياسية والاقتصادية التي كانت لمملكة حلب في الألف الثالث ومطلع الألف الثاني قبل الميلاد، حيث تسجل المصادر التاريخية الأهمية العالمية لمدينة حلب في المشرق، إذ سيطرت في الألف الثاني ق.م ثلاث ممالك لها على أعالي حوض الفرات والمناطق الشمالية في بلاد الشام هي كما يوردها الكتاب.

1ـ مملكة ماري الواقعة على الضفة اليمنى لنهر الفرات الأوسط.

2ـ مملكة إيبلا في قلب بادية الشام الشمالية.

3ـ مملكة إيمار التي تم اكتشافها عام 1972 من قبل بعثة المعهد الفرنسي للدراسات العربية في دمشق ضمن حملة الإنقاذ الدولية لحوض الفرات والتي تعرف اليوم باسم مدينة -مسكنة- شرق حلب 100كم.

   إذ أظهرت الاكتشافات الأثرية وجود مدينة إيمار منذ بداية النصف الثاني من الألف الثالثة ق.م، ذلك منذ اكتشاف وثائق إيبلا 1975.

ويعمل الدكتور جاموس الآن مديراً للآثار والمتاحف في سورية. وكان قد نال عن بحثه هذا "مملكة إيمار في عصر البرونز الحديث 1600 ـ 1200ق.م" درجة الدكتوراه من جامعة دمشق.

    وأورد البحث في تاريخ "ايمار" أسماء أربعة ملوك هم: أنزيدمو، أبدمو، أشجيدمو، ناندمو، ضمن تلك الوثائق. وذكرت أن الملك أنزيدمو، كان معاصراً لملك إيبلا -يركب دمو- إضافة إلى ذكر الملكة ريتشالم، عشرات المرات في وثائق ايبلا والتي قد تكون من أصل إيبلاوي. مما يدل على وجود علاقات بين ايبلا وإيمار، كون هذه الوثائق قد أشارت إلى بعض المبادلات التجارية المرسلة من إيبلا إلى ملوك ايمار.

    واتصفت التنقيبات الأثرية في إيمار بأنها تنقيبات إنقاذية سريعة، حيث كشفت البعثة الأثرية الفرنسية خلال 1972 ـ 1976 عن أكثر من ألف وخمسمائة رقيم دونت عليها نصوص بالكتابة المسمارية وبعدة لغات: السومرية، الأكادية، الحورية، الحثية. وهي تعود إلى الفترة الواقعة بين أواخر عهد الملك الحثي مورشيلي الثاني 1320 ـ 1306ق.م، ودمار المدينة عام 1187ق.م، ويعود تاريخ غالبية هذه الرقم إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، كون المدينة كانت قد خضعت للاحتلال الحثي في بعض الفترات. وهي تعاصر بذلك المكتشفات الكتابية المسمارية في أوغاريت. وقد جرى تهريب العديد من لوحات إيمار من قبل تجار الآثار من دون إذن شرعي، وهي محفوظة في مجموعات خاصة خارج سورية، وقد تم التعرف على قسم منها أثناء ما نشرته بعض الدوريات والمجلات العلمية المخصصة، قسم منها في اليابان وأميركا وألمانيا وأسبانيا وفلسطين.

   وتدور موضوعات اللوحات والنصوص المسمارية المكتشفة في إيمار حول:

1 ـ المحفوظات الإدارية والاقتصادية.

2 ـ المحفوظات الدينية.

3 ـ المحفوظات المعجمية.

4 ـ المحفوظات السياسية.

5 ـ المحفوظات الأدبية.

6ـ محفوظات نصوص التعويذات.

7 ـ محفوظات الرسائل والوصايا.

    بالنسبة إلى المحفوظات الدينية فإن النصوص التي تم اكتشافها والتي تضم أكثر من أربعمئة لوحة أكادية، فإنها تشكل حدثاً مهماً في تقديم المعلومات الكثيرة عن المعتقدات الدينية في سورية، خلال النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد، وتشكل أرشيفاً متكاملاً أضيف على أرشيف مملكة أوغاريت.

    وقد تمحورت موضوعاتها حول الهبات، والنذور، والأضاحي، والشعائر الدينية، والأعياد، وساعدت في معرفة أسماء الآلهة المعبودة ونعوتهم، وعن دور الكهنة في المجتمع ومراتبهم وعلاقاتهم مع الأسرة الحاكمة وعامة الشعب.

    أما حكومة إيمار، فحسب الوثائق، فإن السلطة لم تكن بيد الملك، بل إن السلطة كانت محدودة ومقيدة ومرتبطة بقرارات يصدرها مجلس الأعيان والشيوخ، وثمة سلطة أكثر قوة في إيمار، هي سلطة المعبد ورجال الدين، الذين كانوا يسيطرون على أوقاف واسعة، ويشرفون على فعاليات اقتصادية مهمة، ويتبع لهم عدد كبير من الموظفين والإداريين.

    أما السلطة الفعلية والقرارات المهمة فكانت بيد ملوك كركميش، الذين يرجع إليهم حكام إيمار في كل أمر مهم، وخاصة ما يتعلق بالسياسة الخارجية.

ومن أهم ملوكها:

1-ياصي داجان الذي انحدرت منه السلالة الملكية.

2 ـ بعل كبر.

3 ـ ذوعشتا روتي.

4 ـ بيلسوداجان.

 5 ـ إيللي.

    ومن الآثار التي اكتشفت في مملكة إيمار منحوتات فنية تمثل طيوراً ونساء وأشكالاً هندسية بيّنت أهمية التصوير -النحتي- السوري الحثي إلى جانب تماثيل برونزية داخل معبد إله العاصفة، وتتصف بأنها دون أذرع، فمنها تماثيل إنسانية ومنها حيوانية كالثور، وكذلك عثر على صناديق من الفخار، وعلى مجموعة من المجسمات المصنوعة من الطين وهي على شكل أبراج أثارت اهتمام الباحثين، كونها تمثل نموذجاً فنياً ومعمارياً، كما عثر على بيوت وتماثيل طينية، حيث وجد في موقع هذه المملكة ـ إيمار ـ على حوالي خمسمائة تمثال من التراب المشوي، لكن معظمها كان محطماً، وهذه التماثيل كانت تصور دائماً نساء عاريات، وغالباِ ما كانت أذرعها مطوية إلى الصدر، ويداها ترفعان نهودها. وقد بدت الرموز الجنسية واضحة في معظم التماثيل.

    إلى جانب التماثيل عثر أيضاً على كسر فخارية متنوعة دلت على وجود أوانٍ وصحون وأطباق وجرار وأوعية مثل الأقداح والمطرات.

    كيف نستطيع إدراك غياب السويات الحضارية الأثرية التي تعود إلى فترة ما قبل عصر البرونز الحديث 1200 ـ 1600 قبل الميلاد، إنه سؤال مهم طرحه الباحث الفرنسي مارغرون، لكن الإجابة عنه كانت بأن نصوص محفوظات إيبلا في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد ونصوص ماري في القرن السابع عشر ق.م، أكدت لنا: أن مدينة إيمار في هاتين الفترتين كان لها شأن كبير، وفي فترة البرونز الحديث قام الملك الحثي شوبيلوما 1340 ـ 1380 ق.م، أثناء سيطرته على شمال سورية ومن بعده ابنه مورشيلي الثاني 1306 ـ 1339 ق.م، بإعادة بناء المدينة المخربة أو المهدمة على حافة ضفة نهر الفرات، وذلك في القرن الرابع عشر قبل الميلاد.

    وإن كان هناك احتمال آخر بأنها غرقت تحت مياه البحيرة. الأمر الذي دفع سكان المملكة لتشييد مدينة إيمار الجديدة على الضفة الجنوبية المنحدرة باتجاه الوادي فوق هضبة تحيط بها الوديان، مما أكسبها موقعاً جغرافياً استراتيجياً مهماً. إلا أنها لم تصمد واختفت إيمار، كما اختفت غيرها من المدن وذلك عام 1187ق.م، نتيجة هجوم وغزوات شعوب البحر.

    وقد دامت تلك المدينة حوالي قرن ونصف القرن، فكانت مثالاً على قوة الخلق الحضاري التي ازدهرت في عصر البرونز الحديث، وأظهرت أهمية هذه المنطقة من سورية بالنسبة للعلاقات الدولية.

التعليق