حياة المتقاعدين: مرحلة محكومة بالأمل إن خططنا لها

تم نشره في الأربعاء 14 أيلول / سبتمبر 2005. 09:00 صباحاً
  • حياة المتقاعدين: مرحلة محكومة بالأمل إن خططنا لها

مريم نصر

   عمان - يصور كثير من الناس مرحلة ما بعد التقاعد على أنها الأكثر كآبة والمليئة بالألم والمرارة من دون أن يروا فيها ولو بصيصا صغيرا من الضوء والأمل.

   وينجرف كثيرون خلال تلك المرحلة نحو حلقة متصلة من الأزمات الصحية والنفسية يرجع سببها المباشر والرئيس، كما يرى اختصاصيون، الى سوء الاستعداد والتخطيط لهذه المرحلة.

    ولم يكن الموظف السابق في احدى الشركات التجارية عبد الله مقدادي يتصور أن يعيش حالة ملل شديدة بعد أن يترك عمله: "أصبحت شديد العصبية ومتكدر المزاج وأميل الى العزلة".

    ونظرا لهذه التغيرات التي اختبرها مقدادي في مرحلة التقاعد فقد أصيب بالسكري والضغط، كما أن عاداته تغيرت كثيرا: " أصبحت أتدخل في شؤون المنزل أكثر من اللازم"، ويضيف "أشعر بغربة كبيرة ولم أتصور أن العلاقات التي تربطني بأصدقائي هي من أجل المصلحة".

    ويبدأ مقدادي يومه بشرب فنجان من القهوة ومطالعة الصحف اليومية ثم يتجول في حديقته المنزلية ويعتني بالمزروعات وينتظر عودة أولاده من العمل: "لا أجد ما أفعله خلال اليوم فالملل تعشش داخلي ولكن هذه هي مسيرة الحياة وما يشعرني بالسعادة هو رؤية أولادي يشقون حياتهم وينجحون في المجالات التي اختاروها".

    أما بالنسبة للمدرسة السابقة آمنة قمحاوي فقد استطاعت تجاوز هذه المرحلة بمساعدة زوجها وأولادها بسرعة، وهي لا تخفي شعورها بالكآبة الشديدة في بداية مرحلة تركها العمل "شعرت أنني أصبحت عديمة الفائدة وكدت اصاب بانهيار عصبي"،  وتضيف: "اصبحت عصبية ولا أطاق".

     غير أن آمنة وجدت من يقف إلى جانبها "زوجي الذي كان قد تقاعد قبلي بسنوات ساعدني على تخطي الازمة وشجعني على أن ابدأ بممارسة الاعمال اليدوية المسلية كالتطريز والذهاب في جولات سياحية داخلية وأصبحنا نقضي اوقاتا طويلة معا".

     ويرى استاذ علم الاجتماع د. مجد الدين خمش أن المتقاعد هو شخص قدم وخدم وأدى دوره في خدمة المجتمع من خلال خدمته في الوظيفة التي كان يشغلها، وفي نفس الوقت هو يعطي مجالا لشخص آخر في مقتبل العمر أن يحصل على فرصته في الحياة، وهو بذلك يقدم خدمة أخرى للمجتمع.

     ويقول خمش إن المتقاعد يكون قد دخل مرحلة عمرية جديدة تتطلب منه بعض التكيف فيما يتعلق باستثمار الوقت والمحافظة على النشاط الجسدي والاجتماعي.

     ويبين أن هناك نوعين من المتقاعدين "اولئك الذين يتقاعدون في سن مبكرة ويستطيعون العمل في مجالات مختلفة، والمتقاعدون الذين دخلوا مرحلة الكهولة ويقضون أوقاتهم في البيت وبين الزيارات المنزلية أو الاهتمام بشؤون المنزل".

     ويقترح  خمش انشاء ناد نهاري للمسنين لحل مشكلة وقت الفراغ والممل الذي يعاني منه المسنون بحيث يستطيع المتقاعد أن يشترك في هذا النادي ويمارس نشاطات مختلفة ويقضي وقت فراغه بين افراد لهم نفس عمره.

     ويعلل فقدان بعض المتقاعدين مكانتهم الاجتماعية في أن "المجتمع يربط المكانة بالوظيفة"، فطالما يملك الإنسان وظيفته فهو بالنسبة للمجتمع إنسان ذو مكانة اجتماعية، "نقصد بالمكانة أن يظهر له من حوله احتراما ويتحدث إليه ويبادله الزيارات".

     وقد توصل أستاذ الطب النفسي بمركز دراسات الأسرة بجامعة روك بأميركا الدكتور اردمان بالمور إلى أن الفرد عندما يتوقف عن العمل، فإن كميات الطاقة الكبيرة التي كان يبذلها يومياً تتعطل ولا تجد مخرجاً لها وهي في الوقت نفسه لا تندثر أو تتوارى، فإذا عجز الإنسان عن استثمار هذه الطاقة المعطلة فإن ذلك سيؤدي إلى الاضطرابات العصبية والنفسية والعاطفية وأيضاً الخلافات الاجتماعية، وتبدو الحياة مملة ويشعر الزوجان بالإحباط والكآبة ويصبح كل ما يفعلانه هو الجلوس والتحدث بلا معالم في موضوعات مكررة ومملة.

   ويقول دكتور بالمور ان هؤلاء الذين يتقاعدون أو يقضون فترة معاشهم جالسين على مقاعدهم دون عمل سيجدون أجسادهم قد بدأت بالضمور وأن صحتهم قد بدأت بالتدهور الامر الذي قد يحدث بعض الاضطرابات العاطفية بين بعض الناس بعد تقاعدهم بسبب الإحساس بعدم الفائدة أو القيمة أو لأنهم انتقلوا من مرتبة أعلى إلى أقل بعد أن كانت لهم السلطة والكلمة في عملهم.

    وتنتشر هذه الحالة بحسب بالمور بين أولئك الذين لا يسعون إلى تطوير وتنمية اهتمامهم خارج ميدان العمل. ولكي تعيش حياة سعيدة بعد سن التقاعد وتخفف من الآثار المترتبة على التقاعد  تنصح عالمة الاجتماع مانو موباي أن يبدأ الانسان منذ مرحلة تسبق التقاعد في إعداد قائمة بالأشياء التي يحب أن يقوم بها المرء إذا سمح له الوقت، فقد تكون هذه القائمة مصدراً للتخطيط.

     وتقول موباي إن على المرء أن  يهيئ نفسه قبل سن التقاعد بأن يزيد متانة علاقاته مع اصدقائه الذين هم في سنه وأن يخفف من الأعمال المكتبية المرتبطة بالعمل، كما عليهم أن يدخروا من رواتبهم في سن مبكرة حتى لا يشعروا بالحاجة الى أحد وأن يتعلموا حرفا بسيطة ليشغلوا انفسهم فيها.

      كما لابد من ممارسة التمرينات البدنية والهوايات الفردية والجماعية حتى يمكن مواصلتها بعد التقاعد. ويجب على المرء القيام بتجربة حياة التقاعد، من خلال الاجازة السنوية والتفكير في كيفية استثمار الوقت وتنمية اهتمامات جديدة تخرج عن الروتين.

التعليق