كتاب نقدي يطرح قضية التناص والتشابه بين الشاعرين

تم نشره في الخميس 8 أيلول / سبتمبر 2005. 10:00 صباحاً
  • كتاب نقدي يطرح قضية التناص والتشابه بين الشاعرين

الشاعران: فهد العسكر وعرار

 

زياد العناني

تتساءل د. نورية صالح الرومي في كتابها "الشاعران العسكر وعرار قضايا تناصية" الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في تناولها لشعر الشاعرين المتشابهين "فهد العسكر" و"مصطفى وهبي التل" لماذا فهد وعرار? مشيرة الى انهما تغذيا من ارض واحدة هي الوطن العربي واشتما هواء واحدا هو هواء هذه الارض وعاشا اجيالها تاريخا وواكبا جيلهما رافضين كأنما كانا على موعد مع اختلاف سنوات العمر.

وتلفت الرومي الى ان الكثير من الشعراء قد تصعلكوا وتناولوا المرأة والخمر في اشعارهم وكانوا - مع هذا - مرتبطين ارتباطا وثيقا بما خلفه الاقدمون فلم ينسوا الحمية ولا الذود عن الذمار وهكذا فعل "فهد" و"عرار" لان الوطن المحلي كان في قلبيهما ووجدانيهما كما كان الوطن القومي والارض المشتركة.

وتؤكد الرومي على ان الشاعرين كانا وجهين لعملية ابداعية متشابهة او انهما كانا وجهين لعملة واحدة مضيفة بانه اذا كان امرؤ القيس يمسك بطرف الخيط ويمتد به الى ابي نواس وابي العتاهية فان فهدا وعرارا قد امسكا بطرف الخيط من الجانب الاخر مبينة ان العفوية مطلوبة في الاداء الشعري الى جانب الوعي ولافتة الى ان ذلك يختلف عن القصدية والافتعال مؤكدة على تحلي الشاعرين بهذه العفوية وتمكنهما من اخفاء الاطار التقعيدي لمجموعة جامدة من الاسس والاصول واستطاعة كل من الشاعرين ان يعبرا عن قلق جيلهما نظرا للتناقض المرير بين الواقع والامل من غير ان يتركا نفسيهما للضياع مشيرة الى انهما ثارا ورفضا وتمردا ولكنهما ظلا على ولاء للوطن وولاء للمواطن يعركان عواره بالنقد اللاذع لعله يصحو او يفيق.

وترى الرومي بانها وفي هذا المجال قد حاولت ان تجعل من الربط التناصي قاسما مشتركا بمراحله الثلاث: التوازي والتلاصق والتطابق لعلها بهذا تصل الى لب النص رابطة بين وجدان الشاعرين في كثير من الاشياء مجلية صفحة من تاريخهما الفني.

وتتبع الرومي مرجعيات البيئة الثقافية والاجتماعية خالصة الى ان الشعراء الرواد بطاقاتهم الشعرية العظيمة قد استطاعوا تغطية جوانب الحياة والكون واستطاعوا بذلك ايضا ان ينتجوا شعرا مقنعا عظيما اتصلوا في بعضه بواقع الحس وبالاشياء الجميلة والخالدة فيه معتمدين على الخيال حينا والتعبير المباشر حينا اخر معتبرة ان الشعر بمفاهيمه المختلفة تعبير عن شخصية الشاعر ومشيرة الى ان بعض الاتجاهات الادبية كانت ترى ذات الشاعر سلطة يستمد منها كيان ابداعه الشعري وقوته لافتة الى اسماء بعض الرواد الغربيين الذين كان لهم الجهد البارز في اثراء مفهوم الشعر من امثال: "بليك" و"وردزورث" و"كوليردج" و"شيللي" و"كيتس" ومقابلهم من الشعراء العرب امثال: السياب وصلاح عبدالصبور وغيرهم من الذين طوروا في الشعر ومفهومه مع تمسكهم بثقافتهم الخاصة التي لم يستطيعوا الفكاك منها.

وتعود الرومي الى البيئة الثقافية والاجتماعية المشتركة على خريطة عالمنا العربي مبينة انه كانت هناك مشابه او التصاقات او توازيات بين الشعراء تدخل ضمن القضايا النصية كما هو الحال في شعر عرار في الاردن وفهد العسكر في الكويت اللذين كانا نمطين جديدين غير مألوفين في تمردهما وفي ادراك مشكلات مجتمعهما ولغتهما السهلة البسيطة القريبة من معجم الناس الذين تحدثا عنهم واليهم اذ ان تجاربهما كانت محلية وانسانية معا؛ تجارب عميقة فيها قدر غير قليل من حدة الاحساس منقولة بألفاظ مشحونة بحس الشاعر الحق الذي هو انسان يتمتع بحاسة غير عادية تدفعه الى التعاطف مع احداث الحياة الانسانية بدرجة عالية اذ يقول عرار:

"يا اردنيات ان اوديت مغتربا

فانسجنها - بأبي أنتن - اكفاني

وقلن للصحب واروا بعض اعظمه

في تل اربد او في سفح شيحان"

مشيرة الى ان كتابات عرار مثلت الفطرة والطبيعة للانسان في الاردن المرتبط محليا بالارض والطبيعة وخارجيا بأحداث الامة العربية لانه يتحرك على اسس نقية من الانتماء القومي واستشراف التخوم التاريخية السابقة والامتداد بها الى المستقبل المأمول.

اما فهد العسكر فهو ابن البيئة العربية التي تتشابه اجزاؤها المحلية لذا جاءت الاماني واحدة خروجا من رحم البيئة الاجتماعية المتشابهة ليقول:

"فلم التخاذل والعروبة امنا

ولم الشقاق ونحن من عدنان

ولم التعصب بالمذاهب يا بني

الاوطان وهو اساس كل هوان

فتعاضدوا وتكاتفوا وتآلفوا

وتساندوا كتساند البنيان"

لافتة الى ان الحديث عن البيئة الثقافية والاجتماعية لدى الشاعرين والتي نتج عنها بناؤها الاجتماعي والفكري تبدو المشابه المشتركة لانهما يكادان يكونان ابني بيئة واحدة وحّد بينهما التناص الاجتماعي المتوازي ومن ثم التناص الشعري بأنواعه: المتوازي والمتلاصق والمتطابق.

التعليق