العيادة النفسية: المكان المحظور في المجتمع العربي

تم نشره في الأحد 4 أيلول / سبتمبر 2005. 10:00 صباحاً
  • العيادة النفسية: المكان المحظور في المجتمع العربي

 اسلام الشوملي

   عمان - تبقى العيادات النفسية على هامش أولويات الكثيرين عندما يعانون مشكلة ما، واضعين تلك العيادة في تصنيف الأماكن المحظور زيارتها، والتي لا يلجأون إليها إلا بعد فشل وسائل ومحاولات شعبية وتقليدية وبدائية متبعة في حل المشكلات النفسية.

    وفي حين يلجأ بعضهم إلى وسائل علاج مبنية على الشعوذة والخزعبلات، يقفل آخرون الباب على مشكلاتهم النفسية، ساعين إلى كبتها ومتخوفين من الحديث عنها حتى تتفاقم ويصبحوا أسرى لأمراضهم تلك.

    ويرجع التخوف والخجل من الافصاح عن الأمراض النفسية ومحاولة إخفائها أو اللجوء لطرق علاج غير حضارية، إلى أسباب عديدة، وتلعب عوامل الثقافة المجتمعية ودرجة الوعي عند الافراد دوراً كبيراً في ذلك.

ويلاحظ أن متطلبات العصر الكثيرة وضغوط العمل التي يعيشها الأفراد في عصر السرعة إلى جانب تكاليف الحياة ومتطلباتها كلها عوامل أفرزتها الحياة العصرية التي تجعل الانسان أكثر عرضة للضغوطات التي تتفاوت إمكانية التغلب عليها من شخص لآخر، ما يؤدي في حال عدم التكيف مع تلك الضغوطات إلى الاصابة بالامراض النفسية، تعتبر في كثير من الحالات مسبباً لإمراض عضوية أخرى.

    وتؤكد رولا (35 عاما) بأن اللجوء إلى الطبيب النفسي أمر طبيعي في حال وجود مشكلة من أي نوع، سواء كان بهدف الاستشارة أو العلاج، ولكنها ترجع محاولة الناس إخفاء ترددهم على العيادات النفسية إلى الافكار المغلوطة التي يعيشها المجتمع حول طبيعة المرض النفسي، وفي الوقت نفسه تجد ان اللجوء إلى الطبيب في هذه الحالات أفضل من السكوت على المشكلة الأمر الذي قد يؤدي إلى تفاقمها.

     ويتحدث علي (27 عاماً) عن مشكلة عاطفية واجهته في فترة الجامعة وأثرت على حياته بشكل واضح، وبمساعدة عائلته له راجع الطبيب النفسي، وخضع لفترة علاج عاد من بعدها إلى حالته الطبيعية، مؤكدا بأنه وفي فترة خضوعه للعلاج كان يخجل من الافصاح عن تردده إلى العيادة النفسية، إلا أنه وفي هذه المرحلة وبعد أن مرّ بالتجربة، ينتقد بنفسه طريقة تفكيره الخاطئة في تلك الفترة.

    ويجد كثيرون صعوبة في إقناع أحد افراد عائلتهم بالتوجه إلى الطبيب النفسي، خصوصاً إذا كانوا متأثرين بشكل واضح بالأفكار السائدة حول دونية المرض النفسي، وهو الأمر الحاصل مع زوجة (أبو تامر) التي تعاني من وسواس واضح في موضوع النظافة، الأمر الذي بات يثير استياء عائلتها، يقول أبو تامر: "لم يكن الأمر واضحاً عند زوجتي في البداية، فقد كان اهتمامها بنظافة المنزل ضمن الحدود المعقولة، إلا أنها وفي فترة من الفترات باتت تحرص بشكل مبالغ فيه على تفاصيل لا تخطر بالبال، ساعية بكل جهدها لتعقيم كل جزء من أجزاء المنزل".

وتكثر شكوى (أبو تامر) وتذمره وابنائه من هذه المشكلة التي ترفض أم تامر مواجهتها بزيارة الطبيب النفسي.

     ولا ينكر استشاري الأمراض النفسية د.محمد الحباشنة تزايد حالة الوعي خلال الفترة الماضية حيث أن التخوف من زيارة العيادة النفسية أصبح يتناقص تدريجياً، إلا أنه يؤكد على أن نسبة الوعي تبقى أقل من المتوقع. ويرجع الحباشنة ذلك إلى عدة أسباب تتمحور في الثقافة المجتمعية الشرقية التي تربط بين المرض النفسي والغيبيات وما يتعلق منها بالجن والتلبس والحسد، خصوصاً المتمثل باضطرابات سلوكية واضطراب في المزاج.

    وفي هذا السياق يبين الحباشنة أن العقل الجمعي يسيطر على تصرفات الأفراد في مجتمعاتنا، الأمر الذي يدفع حتى المتعلمين أحياناً إلى اللجوء للحجابين والمشعوذين وحتى مدعيي قراءة القرآن، لافتاً إلى أن "قراءة القرآن في متناول الجميع ولا تحتاج إلى قارئ، إلا ان بعضهم يجد فيها وسيلة للكسب"، ويقف الحباشنة عند هذه النقطة قائلاً: "هناك صعوبة في تغيير نظرة المجتمع حيال بعض المواضيع الحساسة خصوصاً عند التطرق إلى الدين، رغم ان الدين الاسلامي دين عصري وبعيد عن الخزعبلات"، مؤكدا في الوقت نفسه على أن اللجوء للعلاج بالطرق البدائية السابقة تمنح الشخص فرصة الهروب من مسؤولية التصرف في ما يحدث، واضعاً اللوم على أسباب خارجة عن إرادته كالسحر والتلبس وغيرها من الغيبيات.

    وفي هذا الإطار يشير الحباشنة إلى أن كثيرا من حالات المرض النفسي تصل إلى العيادة النفسية بعد فشل المحاولات مع الحجابين والمشعوذين وغيرها من الوسائل التي تضطر المريض في بعض الأحيان إلى زيارة أطباء الأعصاب والقلب والباطنيين، محاولين قدر المستطاع الابتعاد عن العيادة النفسية لتكون زيارة المريض للطبيب النفسي بعد استنفاذه كل الوسائل.

    وتبعا لذلك يرى الحباشنة أن وعي المجتمعات لما سبق أهم من مستوى الثقافة لأن كثيرا من الحاصلين على درجات علمية يلجأون إلى الطرق السابقة محاولين بذلك ابعاد اللوم عن انفسهم بالهروب من مسؤولية التصرف التي توقع عليهم (وصمة عار) كما يعتقدون عند زيارتهم الطبيب النفسي، وهو الامر الذي فرضه المجتمع باعتبار المرض النفسي خللا في الإرادة، وهو الامر الذي ينفيه الحباشنة: "المرض النفسي يأتي رغماً عن الانسان، شأنه شأن السكري أو الضغط، وأصل المرض النفسي بيولوجي".

    ومن جانب آخر يبين الحباشنة ربط المرض النفسي بالجنون في المجتمعات الشرقية وهو الأمر الذي غذته الدراما في بدايات القرن الماضي، حيث جسدت المريض النفسي بصورة المختل، كما صورت الطبيب النفسي على أنه شخصية غريبة الأطوار، وذلك من خلال شكله وزيه وحركاته، إلا أن الحباشنة يوضح دور الدراما الحديثة والغربية خصوصاً في ابراز الطب النفسي بطريقة حضارية ساهمت في تحقيق حالة من الوعي عند الافراد.

    ويصنف الحباشنة الأمراض النفسية بدرجات متفاوتة؛ من البسيط إلى المعتدل إلى الشديد ويقسمها ضمن المرض العصابي وبهذا النوع يبقى المريض على اتصال بالواقع مع اضطراب في الوظيفة الحياتية، كما في القلق والاكتئاب والخوف الاجتماعي وغيرها من الامراض.

   أما النوع الثاني فهو المرض الذهاني والذي يفقد معه المريض الاتصال مع الواقع كما يحصل في حالات الفصام العقلي والوجداني بحيث يفسر المريض الاشياء بطريقة مغلوطة.

    وبحسب الحباشنة فإن الأمراض النفسية تعالج في الغالب خصوصاً مع ثورة الأدوية والعقاقير، وإذا لم تعالج بشكل تام فإن العقاقير تجعل في إمكان المريض أن يعيش حياة طبيعية.ويبين الحباشنة أن التردد على الطبيب النفسي يكون في بعض الحالات بغرض الاستشارة في حال الخلافات بين الاصدقاء او المشاكل العائلية او مشاكل العمل أو حتى مواجهة صعوبة في تربية احد الأبناء.

    ويوضح ان الاستشارات النفسية تساهم في ايجاد حلول لبعض المشاكل كالخلافات الزوجية، وقد توقف أيضاً وفي كثير من الأحيان قرارات غير سليمة، كالطلاق مثلا، مشيرا إلى أن الاستشارة النفسية توفر رأيا علميا محايدا ومتخصصا، إلى جانب أن الموضوع يبقى في إطار السرية.

    وعن الفئات الاجتماعية التي تتردد على العيادة النفسية يبين الحباشنة صعوبة حصرها بفئة معينة او بمستوى اجتماعي معين، إلا أنه يوضح أن الأفراد الذين يترددون على العيادة النفسية في بداية مشكلاتهم عادة ما يكونون على مستوى من الوعي والثقافة أكثر من غيرهم، لافتاً إلى أن بعض الزيارات للعيادة النفسية تكون نتيجة عدم تحمل الأفراد لنوعية الحياة الردئية، وهو الأمر الذي يتفاوت من شخص لشخص، بحسب ثقافته وامكانياته.

التعليق