نشوان: قصيدة النثر حازت على مشروعيتها النصية ولم تحز على مرجعياتها الفنية

تم نشره في الأحد 4 أيلول / سبتمبر 2005. 10:00 صباحاً
  • نشوان: قصيدة النثر حازت على مشروعيتها النصية ولم تحز على مرجعياتها الفنية

تشكيلي  وشاعر وناقد يرى ان "النص تعميق للاسئلة"

 

حاوره: زياد العناني

   يرى الفنان التشكيلي والشاعر والناقد حسين نشوان ان تجاور الاجناس الابداعية في المبدع لا يقتل ولا يقلل من قيمة الهاجس المتجه الى نوع ادبي محدد.لافتا الى ان شبكة العلاقات قد تغيرت وان المعرفة الانسانية قد انتهت من مرحلة تعريفها متجاوزة ذلك الى مرحلة العلاقة ما بين الاشياء والكون مشيرا الى ان اللوحة عنده تتمثل في رؤية العالم من داخل الغرفة، في ما يتمثل الشعر في النظر من الغرفة الى خارج العالم, اما النقد فهو ليس اكثر من اسئلة حول العلاقة بين كل الاشياء.

"الغد" التقت صاحب مجموعة "انأى كي اراك" وكان هذا الحوار الذي تطرق فيه الى تجربته الفنية والشعرية والنقدية اضافة الى تنوع اعماله وتجاور الاعمال الابداعية لديه.

* امام تنوع اعمالك بين الشعر والنقد واللوحة التشكيلية دعنا نسأل ما هو جديدك الآن؟

- قبل ان نتحدث عن الجديد ثمة اسئلة طرأت عن الادب بوصفه اداة تعبيرية واداة لفهم واستيعاب العالم وتغييره بالأدب والفن، وهذه الاسئلة ليست ظاهرة منفصلة عن الزمان والمكان، وانما ظاهرة قابلة للتطور والتحول والتأويل, فالقصيدة التي بدأت باللغة انتقلت وفق هذا الوسيط عندما ارتطمت بالمرئيات الى التشاكل مع الصورة ومع تصور الفكر الانساني الذي استوعب الانسانية بدأت القصيدة تنحى باتجاه القصيدة الذهنية، وهذا ما انعكس على العملية النقدية التي تحولت من ملامسة سطوح الاشياء الى ترشيحها ودراسة عناصرها ومن ثم بمرور سريع الى المرحلة التفكيكية ، الان صار واضحا مع التطور التقني والعلم اللاثابت، ان الكون يتسع واذا كان الكون نصا فقد تم استدخال العديد من المفاهيم العلمية الى هذا النص لمعاينة النص ومعرفته وادراكه وبالتالي فإن النقد يقع في منطقة المعرفة, والنقد الثقافي بمعناه الاوسع ومن هنا لا تتوقف عملية النقد عند اللغة والمضمون والشكليات والوزن وانما الى ما تحمله المفردة من تاريخ وما تتسم به من ذاكرة تشبعت بها بصريا وثقافيا وتاريخيا, وكل ما يتعلق بمفهوم الثقافة الذي ايضا وقع عليه مفهوم التغيير نعود الى السؤال من خلال الاهتمامات التشكيلية والشعرية والبحث بدأ من ان الحدود بين اشكال التعبير قد وهنت وان الجدران التي تفصل بين الاجناس الادبية قد امتلكت جدارا نفاذا قابلا للتنافذ بين هذه الاجناس التي ايضا تعود الى اصل واحد لدرجة ان تقرأ فيها الرواية بصريا ويقرأ الشعر سرديا وتفرز الصورة بأثر الخبرة ومن هنا بدأ لدي الاهتمام بالدراسات البينية او التجاورية لدراسة اللون في الشعر عند المناصرة والعناصر التشكيلية عند سميحة خريس في رواية "خشخاش" والعلاقة بين اللوحة والقصيدة عند محمد العامري والايقونة في المجموعة القصصية لـ هند ابو الشعر والآن اعكف على دراسة لبعض اعمال الشاعر والروائي ابراهيم نصر الله وهي تتناول جماليات السرد والصورة في ديوان "باسم الام والابن" وتتناول في جانب آخر الصورة السينمائية والحركة في رواية "زيتون الشوارع" ويتناول الشعرية في الصورة الفوتوغرافية واللوحة والنقد بوصفه معرفة في نقوده التي كتبها وقدم فيها بعض الاعمال الادبية والفنية ومنها تقديمه لـ "كتاب جبرا ابراهيم جبرا" وتقديمه لديوان احمد حلمي عبد الباقي حيث وجدت ثمة تنافذ ما بين مختلف التقنيات التي يوظفها المبدع في اعماله الادبية، ثمة تنافذ في الصورة الجديدة كتقنية السينما في الرواية ، واهمية ذلك ان تجاور هذه الاجناس وتنافذها فضلا عن انها تحقيق حرية للمتلقي وغياب السارد، فإنها توفر جماليات جديدة لهذا التجانس يختلف في شكله عن التفتيات التقليدية لتكون مقترحا للخروج من مشكلتين طالما عانت منهما الرواية العربية مشكلة اللغة التي فقدت ادهاشها ومشكلة تكلس وتنميط التقنيات السردية فمن خلال تشابك الصورة مع المفردة يعيد الى اللغة طزاجتها ومن خلال اللغة مع الصورة يغير من طرائف التلقي التقليدية.

* كيف استطعت ان توفق ابداعيا بين كل هذه الاجناس مجتمعة؟

- قبل ذلك اود ان اتوقف عند تاريخ الفكر الذي تحول مع "كانط" من فكرة المحاكاة الى شبكة العلاقات فقبل "كانط" كان الفن والادب هو مجرد محاكاة للصورة التي هي ظل الصورة الحقيقية المثال والنموذج وعندما جاء "كانط" فقد كانت المعرفة الانسانية قد انتهت من مرحلة تعريفها وخصوصيتها وبدأت بالتوسع على دوائر المعارف الاخرى والتشابك معها فانطلق من مفهوم العلاقات بين الاشياء فالكون بالنسبة له شبكة تنتج الصور والمشاهدات المختلفة لكنها تنطوي على العناصر الاساسية او الاصلية ، هذا من الناحية الفكرية اما من الناحية اللغوية فإن الحرف يدلنا على ان هذه الاحرف كانت صورا وتم اختزالها وتجريدها لتأخذ هذه الاشكال المجردة وفي تشابكها فانها تمنح الدلالة التي تأسست تاريخياً واشبعت المفردات القاموسية بمفردات مختلفة. هذه المدلولات اصبحت عبئا على الاداة التعبيرية وعلى الجنس الادبي. انا دائماً اعود الى تفكيك المقولة "الكانطية" الى عناصرها واعود الى تفكيك المفردة الى حروفيات للبحث عن جوهر الاشياء كما يقول "جنيت" ان اجمل الشعر او الفن هو الذي يقف بين الكلام والصمت" . بالنسبة لي اللوحة هي فقط الرؤية الى العالم من داخل الغرفة اما الشعر فهو النظر الى الغرفة من خارج العالم اما النقد فهو ليس اكثر من اسئلة حول هذه العلاقات التي تدور بنا بسرعة كبيرة لا نستطيع فيها ان نلتقط انفاسنا والمهم دائما كما تعلمنا في الدراسة الاكاديمية ان يكون السؤال يقظاً وعميقاً ومن هنا دائماً تبدأ الاسئلة في المربع الغائب قبل ان اسأل عن الرواية اسأل عن اللغة التي تشكلها وهي ما تزال قادرة على البناء ثم انتقل الى الشكل وهل هو مناسب لهذه التحولات، وقبل ان ابدأ باللوحة اسأل اللون في مسيرته التاريخية وفي دلالته السيميائية قبل ان اسأل عن دلالته الفيزيائية فاللون الازرق على سبيل المثال مر بمراحل تاريخية تعددت فيها الدلالات انطلاقا من الدلالة التي كان يحملها حول القداسة الى ما كان يشير بها الى ارستقراطية نابليون وبالتالي السلطة وبهذا المعنى فان اللون الازرق كان يشكل سيميائياً الاستعمار اذن, عندما اعود الى هذه الانشغالات فانني اضبط ادوات تعبيرية معرفية وبحسب, المرحلة التاريخية وتحولاتها ومن هنا كان ذهابي في المعرض التشكيلي الاخير الى تفكيك الزخرفة والعودة الى المفردة التي تتكون منها الفلسفة الاسلامية الى شرنقتها الاولى وكذلك في النص الشعري اعود الى المنطقة البكر في النص الاول لسؤاله والتأكد من وجودنا. من هنا فان النص هو تشاكل مع الاسئلة الوجودية للتعميقها وليس للاجابة عليها ليكون هذا الانشغال في المرئيات والمشاهدات والواقع والحلم اي انه انشغال بالنص بما هو كون ومن هنا تأتي تعددية هذه الانشغاللات.

* يرى بعض النقاد ان تعدد الانشغالات يقتل الهاجس ويشتت جهوده ماذا تقول في هذا المجال؟

- بتقديري ان التشتت يقتل اذا كان مرتبطاً بالهاجس لكن اذا كان الهاجس واضحاً فهذا يعمق التجربة وينوعها واعتقد ان مشكلة التشتت تتصل بعدم وجود ناظم فكري يستوعب حركية الكون، بمعنى ان الهاجس الابداعي بالاساس هو سؤال فلسفي تتم محاورته ولا اقول اجابته من خلال تعميق النظر الى الظواهر التي تحيط بالانسان واكتشاف اسرارها وبالتالي اكتشاف الادوات التي تستطيع من خلالها التعبير عن هذه الادوات ، وعندما يصل المبدع اسئلته يقع في اشكالية الهاجس وتشتته فيتم التعبير بطرق تبدو وكأنها لا تقع في سياق واحد. الهاجس الاساسي في الابداع هو البحث عن جوهر الاشياء وتجديد هذه الاسئلة وفق التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية ومن هنا فان تغير جغرافيا المنبر قاد الى تغير شكل القصيدة وخطابها ولغتها وتغير التيارات الفكرية التي ابرزت الانا باعتبارها ممثلاً كونياً قد غيرت ايضا وسيلة القصيدة من الفرضية الى البحث عن المعنى. من هنا فان وضوح الهاجس للمبدع يبقي جذوة البحث ويبقي الفضاء مفتوحاً لمزيد من اشكال التعبير.

* الهذا جاءت مجموعتك الشعرية الاولى (انأى كي اراك) منتمية الى قصيد النثر؟

وفق تغيرات التيارات الفكرية بات واضحاً ان هناك تركيزعلى الذات الانسانية التي تحول فيها الخطاب من اللغة المنبرية التي تتردد في جغرافيا واسعة من الصحراء الى خطاب خافت يرتطم بين اربعة جدران من الكونكريت الا ان هذه الغرفة تشكل مختبراً تنصهر فيه محمولات التاريخ والجغرافيا.

هذه المحمولات لم تعد تقبل الفخر او الوصف او الغزل العذري وانما تتشابك مع المعرفة التي يكتنزها الانسان تتشابك بين دائرة الوجود الذاتي والحضور الكوني. من هنا تغير شكل القصيدة انطلاقاً من تغير مضمونها لان مضمون المضمون ينعكس على الشكل وانتقل الشاعر من لسان حال الراوي والمدافع والواصف،  فرد تتمتع عليه المسؤولية الاخلاقية لجمال العالم امام هذه الانهيارات وامام اختراق خصوصيته وامام الموت المجاني وايضا امام قهر اللغة كما يقول "جان شارون" ان اللغة تشكل اداة قهرية واداة تمييزية وقصيدة النثر تحاول في اطار هذا العالم ان تعمق الاسئلة التي لم تستطع القصيدة الكلاسيكية الاجابة عنها فاقترحت الحيز الذي يتشابك فيه الفرد مع الكون بوصفه عقلاً جمعياً بحسب "هيجل" ايضاً ما عزز حضور قصيدة النثر هو مفهوم العولمة التي اختصرت الزمان والمكان وضغطت على الانسان وكشفت عن مدى ضعفه وهشاشته لتكون قصيدة النثر اشبه بالنص التأملي الخام الذي يرتطم بالجدران ويعود الى وجع الكاتب. القصيدة التقليدية لم تخرج بشكل عام عن المنطقة الحسية فيما قصيدة النثر ذهبت الى اشعال مناطق الوعي عند الانسان في كل تجلياتها لان قصيدة النثر هي قصيدة تصدر عن سؤال الوجود ونقده وتغييره واعادة انتاجه ومع هذا اعتقد ان قصيدة النثر حازت على مشروعيتها النصية ولكنها حتى الان لم تحز على مرجعياتها الفنية وهي ليست نصاً مقدساً وانما هي تجربة خاضعة للجدل.

التعليق