العلماء يصرون أن الإبداع مكتسب وليس فطريا

تم نشره في الخميس 25 آب / أغسطس 2005. 09:00 صباحاً
  • العلماء يصرون أن الإبداع مكتسب وليس فطريا

جمانة مصطفى

   عمان - ثارت إشكالية كبيرة منذ القدم حول ماهية الإبداع، ففي حين أصر البعض على وصفه بالفطري، يرى علماء البرمجة العصبية حديثا على أنه مكتسب، ولعل التجربة الأهم في هذا المجال والتي غيرت مسار العديد من العلوم الإنسانية وقراءة التاريخ كذلك، هي تجربة البروفيسور "سبري" التي أجراها في خمسينيات وستينيات القرن العشرين.

    قام البروفيسور "سبري" بدراسة وظيفة الموجات الدماغية، ولاستكشاف أنشطة التفكير المختلفة وتأثيرها على الموجات الدماغية طلب سبري وزملاؤه من المتطوعين ان يؤدوا مهام ذهنية مختلفة تتراوح ما بين جمع وطرح الارقام في اذهانهم وحتى قراءة الشعر والقاء الابيات المحفوظة في الذاكرة، بالإضافة إلى الرسم العبثي والنظر الى الالوان المختلفة ورسم المكعبات وتحليل المشاكل المنطقية واحلام اليقظة.

    وتوقع سبري قبيل البدء بالدراسة ان تختلف الموجات الدماغية باختلاف الانشطة الى حد ما، وكان توقعه صحيحاً الا ان ما لم يتوقعه سبري هو اكتشاف الطريقة التي يستخدمها المخ في التفكير وامكانيات المخ البشري وقدراته على التفكير الابداعي. وتوصل سبري إلى المفاجأة التالية: عادة ما يقوم المخ بتقسيم انشطته غريزياً الى انشطة النصف الأيسر من المخ "قشرة المخ اليسرى" وانشطة النصف الايمن من المخ "قشرة المخ اليمنى"  وهذا هو البحث الذي اصبح مشهوراً لاحقا باسم" بحث نصف المخ الايسر والايمن".

    وبناء على نتائج البحث تم تقسيم عمل المخ، ففي الوقت الذي يتولى فيه النصف الايسر للمخ وظائف الكلمات والمنطق والارقام وتتابع الاحداث والتخطيط والتحليل والقوائم. يتولى النصف الايمن للمخ مهام التكرار النظامي للعمليات والاحداث والوعي الجغرافي والابعاد والخيال واحلام اليقظة والالوان والوعي التام.

    واكتشف "سبري" ايضاً انه عندما كانت قشرة المخ اليمنى تنشط فان القشرة اليسرى كانت تميل الى الدخول في حالة من الاسترخاء او التأمل، وبالمثل عندما كانت القشرة اليسرى تنشط فان القشرة اليمنى تصبح اكثر استرخاء وهدوء.

   وكبارقة أمل ثبت ان كل نصف من نصفي المخ اشترك في تجربة الموجات الدماغية هذه ويتمتع بكل مهارات القشرتين في نظام عمل بديع، وبمعنى آخر كان كل فرد على المستوى البدني والنفس ومستوى الامكانيات الاساسية يتمتع بقدر هائل من المهارات الفكرية والابداعية ويستغلها استغلالاً جزئياً فقط.

    وبحلول السبعينيات أدت هذه النتائج الى ثورة في الابحاث والدراسات حول طبيعة هذه الامكانيات التي لم يسبر اغوارها احد، وتغيرت نظرة العلوم الإنسانية إلى العقل البشري وتقديرها لامكانياته، وبناء على هذه التجربة أيضا ظهرت علوم جديدة، تعتمد بشكل أساسي على مفهوم العقل الباطن، والعقل الأنثوي والذكري، وكذلك علوم البرمجة العصبية وعلم النفس التطبيقي لاحقا.

    الخطوة الأولى والأهم لذهابك في رحلة الإبداع واكتشاف القدرات الابتكارية الخاملة في عقلك هي قيامك بتدوين الملاحظات والأفكار التي تخطر ببالك مهما كانت غريبة أو خارجة عن السياق، فقد اهتم العباقرة في التاريخ الإنساني دائما بتسجيل الملاحظات، وعندما تشرع في رسم "خريطة العقل" فانك سوف تنضم الى نادي العباقرة العظام الذين استخدموا جميعاً العناصر الرئيسية في ارشادات "خريطة العقل" لاخراج أفكارهم للنور، ومن ثم مساعدة انفسهم وآخرين في القفز للامام بقفزات ابداعية عظيمة في فروع المعرفة المتخصصين فيها.

    ومن هؤلاء العباقرة "ليوناردو دافنشي" الذي اختير كأفضل "عقلية في الالفية الاخيرة"، و"مايكل انجلو" النحات والرسام العظيم، و"تشارلز داروين" عالم الاحياء العظيم، والسير "اسحق نيوتن" مكتشف قوانين الجاذبية، و"البرت اينشتاين" مكتشف قوانين النسبية والسير "وينستون تشرشل" الزعيم السياسي والمؤلف المعروف، و"بابلو بيكاسو" الذي غير وجه الفن في القرن العشرين، و"وليم بلاك" الشاعر والرسام الانجليزي الحالم، و"توماس اديسون" مخترع المصباح الكهربائي، و"جاليليو"  الذي قلب الكون رأساً على عقب بملاحظاته الفلكية، و"توماس جيفرسون" الموسوعي ومهندس الدستور الاميركي، و"ريتشارد فينمان" العالم الحاصل على جائزة نوبل و"ماري كوري" الكيميائية المتخصصة في علم الطاقة الاشعاعية، والتي حصلت على جائزة نوبل مرتين، و"مارتا جراهام" الراقصة الشهيرة وواضعة اشهر الالحان الراقصة، و"تيد هوجز" الشاعر الانجليزي النابغة المعاصر الذي حاز تقدير الجميع كأعظم شاعر في القرن العشرين.

    ويعتقد الكثيرون ان الفضل في النهضة الايطالية الحديثة يرجع بشكل كبير الى العباقرة العظام الذين هربوا من سجن التفكير الطولي الرتيب،  وأخرجوا أفكارهم للنور ليس فقط عن طريق الخطوط والكلمات، بل ايضاً باستخدام لغة ما هي في الغالب الا لغة الصور والرسومات والاشكال التوضيحية والشفرات والرموز والرسوم البيانية والتصويرية.

    وفي الأبحاث التي تدور حول الإبداع تظهر دائما اشكالية السؤال التاريخي، هل المبدع مبدع بالفطرة أم بالاكتساب؟

    تقول الاساطير الشعبية ان الموسيقيين العظماء ولدوا وهم يجيدون عزف الموسيقى، اي انهم قد خرجوا من رحم امهاتهم وهم يلحنون الموسيقى، إلا أن علوم البرمجة العصبية تجزم أن هذه المقولة بعيدة عن الحقيقة، وتأتي حالة بيتهوفن كدليل قاطع في هذا الشأن

ولد بتهوفن في العام 1770 وهو لا يعرف شيئاً عن الموسيقى ولكنه ولد في عالم يحب الموسيقى، فقد كان معظم اقاربه الى مطربين او عازفي بيانو او عازفي آلات موسيقية اخرى، وصمم والده على توفير أفضل تعليم موسيقي له، ومن ثم فقد تعلم بتهوفن على يد أفضل الموسيقيين في عصره ومن بينهم هايدن، وكان دائما يقدم الأفضل.

    وقد كانت الموسيقى من معالم المدينة التي كان يعيش بها بتهوفن، حيث كانت تشتهر بعازفي الموسيقى الذين يجوبون الشوارع والاحتفالات والامسيات الموسيقية في الحفلات او المنازل، ويقومون كذلك بالغناء وعزف الموسيقى باستمرار في كنيسة المدينة.

   وبنفس الطريقة التي تعلم بها ان يتحدث لغة الكلمات كان بتهوفن يتعلم لغة النغمات الموسيقية، وكم من الساعات يقضيها الطفل في تعلم وممارسة اللغة وكذلك عدد الساعات التي يقضيها الانسان الناضج كل عام في استخدام اللغة؟ فهذا كله يعبر عن عدد الساعات التي كان يقضيها "بتهوفن" في العمل الجاد.

    أما موزارت فلم يأت الى الحياة مثل بتهوفن، وهو يؤلف الالحان السيمفونية، فقد كان الابن الاصغر لليوبولد موزارت الذي كان يحترف الموسيقى ويعمل قائداً لفرقة الموسيقى بأسقفية "سالزبرج" وكان كذلك معلماً بارعاً للموسيقى.

    وفي سنوات شبابه الأولى كان يواظب كل يوم على تعلم لغة الموسيقى على يد احد اعظم معلمي الموسيقى في المنزل ما امكنه ذلك، كما عمل شأنه شأن بيتهوفن بجدية بالغة في مجاله الذي اختاره للتعبير عن ابداعه، ويقال انه كان يعمل على مدى ثماني عشرة ساعة في اليوم.

    ولعل التجربتين السابقتين لاثنين من عظماء الموسيقى في التاريخ كفيلان بتغيير نظرة الإنسان لنفسه، إلا أن هذا المشوار طويل ومرهق ولا بد لمن يقرر الذهاب أن يحمل معه أدوات الجلد والصبر والتصميم والثقة بالذات، وهي جميعها متوفرة في كتب البرمجة العصبية وعلم النفس التطبيقي التي أمست متوفرة وبكثرة في المكتبات واكشاك الكتب في السوق الأردني، والتي تحقق أكبر المبيعات في دول العالم الأول لما لها من تأثير على استخراج الإبداع من عقل الإنسان العادي وبالتالي تغيير ملامح حياته.

التعليق