ابو الهيجاء: الثقافة هي الحصن الذي نلوذ به

تم نشره في الأربعاء 24 آب / أغسطس 2005. 10:00 صباحاً
  • ابو الهيجاء: الثقافة هي الحصن الذي نلوذ به

شاعر اردني ينقد المدونة النقدية

 

حاوره زياد العناني

   يؤكد الشاعر عمر ابو الهيجاء على ان القصيدة تجره دائما الى الاحتراف وانها منطقة الروح المشرعة على سموات كثيرة.

ويرى ابو الهيجاء ان المدونة النقدية الاردنية قد قصرت اتجاه الشعر الاردني ولم تلتحق به في انطلاقاته المتجددة وظلت واقفة في محلها  بين المحاباة والمجاملة.

الغد التقت الشاعر ابو الهيجاء الذي صدر له المجموعات: خيول الدم، واصابع التراب، ومعاقل الضوء، واقل مما اقول، وقنص متواصل ،ويدك المعنى ويداي السؤال ،وشجر اصطفاه الطير، وكان هذا الحوار الذي تطرق فيه الى تجربته الشعرية وحلمه بالوصول الى الاحتراف الجمالي.

* بعد سبع مجموعات شعرية كيف تنظر الى الشعر الآن؟

- الشعر بداية ليس من السهل الحكم عليه بالمطلق من خلال اصدار عدد من المجاميع الشعرية لأي شاعر كان، الشعر هو حالة منتقدة في دواخل النفس يقلبك على نار هادئة وصولا الى منطقة الاحتراف، احتراف الروح بمعطيات الكون هذا الكون المشبع بالارهاصات والتناقضات والمفضي الى جماليات الاشياء التي تسكنه بتفاصيلها الآخذة بالانفجار الروحي والجسدي.

الشعر كثير هذه الايام لكن قلما ان نشم رائحته المنتشرة في الآفاق ويعود ذلك الى ارتكاب بعض الجينات في كائنيته،الشعر ماض في تألقه ومتوهجا في ثنايا النفس البشرية، لكن كما قلت بعض المستشعرين يرتكبون حماقات كثيرة ويلبسونها الى هذا الكائن الجميل باسم الشعر، والشعر براء من هذه الحماقات والمهاترات الكثيرة، لندع هذا الكائن المسمى شعرا يفيض عن دهشتنا ويغرقنا بمائه العذاب لنروي به عطش الارواح اليابسة.

* هل تعتقد انك وصلت الى منطقة الاحتراف الجمالي الذي حلمت به؟

- بما ان القصيدة لدي تحاول دائما ان تجرني اليها على مدى طويل فأنا احترق والاحتراق موصول بمنطقة الروح، هذه الروح المشرعة على سموات كثيرة يلفها هواء مبطن يكاد يزيدها وهجا، وبما ان الاحتراق يأخذني الى جزئيات الحياة فأنا في حالة احتراق اكيد والا ما معنى ان اكتب واواصل الاشتعال والاشتغال على قصيدتي، لذلك اشعر بأن المخاضات اليومية التي تمر على بوابة هذه الارض المطفأة بفعل الزلازل الجوانية للانسان هي احتراق يمهد لاحتراقات كثيرة، اذن فكيف بالكاتب او الشاعر، انه دائم الاحتراق وينتظم اللحظة باللحظة لينير بواطن القلوب باحتراقه اللذيد الجميل.

لم اصل بعد الى احتراق جميل او جمالي واحتراقي ما زال يأخذ مكانا قصيا في دواخلي، وارى ان تطل قصيدة منطقة خاصة بها تتوهج لتضيء جوانب مختلفة قد لا تكون موجودة في قصائد اخرى، وبرأيي المتواضع اذا وصل الشاعر الى منطقة الاحتراق التي يحلم بها عليه ان يستقيل ويتكئ على موروثه الشعري القديم.

* لقصيدة النثر في تجربتك نصيب الاسد، السؤال: لم لم تعد تنوع لاثراء تجربتك الشعر بالاجناس الشعرية كلها؟

- بداية انا اقف اجلالا لجميع اشكال القصيدة العربية، في مجموعاتي الاولى لا تخلو من كتابة القصيدة المتفعلة وايضا كتبت الشكل الكلاسيكي لكن لم ار رؤيتي الخاصة التي تمثلني كشاعر، لذلك اخذت تجربتي منحنى آخر وهو نوع الاقتراب اكثر من شكل شعري لا احد ينكر حضوره في خريطة الشعر العربي الا وهو شكل (قصيدة النثر) وهذا الاتجاه بالنسبة لي نوع من التغريد خارج السرب في فضاء اكثر حرية واتساعا لممارسة الغناء بفم غير مقيد بخيوط مطاطية تحد من بريق الروح وعسل الشفاه.

(قصيدة النثر) ترتكب في حقها الكثير من الاتهامات ونعتوها بأوصاف ومسميات كثيرة لابعادها من مشهدية الشعر، لكن رغم كل التنظيرات التي قيلت حولها ما زالت تحظى بمكانة مرموقة الى جانب شقيقتاها (التفعيلة والكلاسيكية) وازعم بأن قصيدة النثر قد افادت القصيدة العربية بتقنياتها وتراكيبها في بناء الجملة الشعرية، من هذا المنطلق اقول لا بد وان تقرأ هذه القصيدة منفصلة عن قصيدة التفعيلة والكلاسيكية لاعطائها خصوصية المتابعة والقراءة النقدية الجادة والمنهجية في نفس الوقت، وأود هنا اشير الى مسألة في غاية الاهمية ،الا وهي ان بعض المستشعرين قد اساءوا الى القصيدة العربية في اشكالها المختلفة، لانهم لم يدركوا اولا اهمية "قصيدة النثر" التي اراها من اصعب الاشكال الشعرية كتابة وثانيا لم يكونوا على دراية بعروض العروض ولم يمروا في تجربة القصيدة الموزونة، لذلك البسوا كتاباتهم الغثة "لقصيدة النثر"، من هنا اقول لا يهمني شكل القصيدة التي اكتبها بقدر ما اقدم في نصي شعرا حقيقيا يسكن في فيافي القلوب وينبض ويتوهج ويخلد في ذاكرة القارئ او المتلقي اخيرا قصيدة النثر ربما ظلمتها التسمية (قصيدة النثر) فالقصيدة المتعارف عليها هي القصيدة التي تسيير على بحور الخليل بن احمد الفراهيدي، والنثر لا يخضع الى هذه الشروط الا انه يحمل في ثناياه موسيقاه الخاصة به التي تتوالد من التراكيب الجديدة واكتشاف العلاقات بين الجمل التي تولد شاعرية متقدة فيها الكثير من الشعر، لأن الشعر ليس وزنا فقط وانما هناك امور اخرى تتعلق في بناء القصيدة مثل الانزياح والتشكيل اللغوي المبنى على اسس ومعان الى جانب الكثيف والاختزال في اللغة.

* كيف ننظر الى المدونة النقدية الاردنية وهل هي موجودة حقا؟

- هذه مسألة في غاية الاهمية (النقد والابداع) ارى النقد تابعا للابداع من وجهة نظري او ابداع على ابداع، فالمسألة النقدية بشكل عام تمر في ازمة حقيقية ولم تواكب العملية الابداعية، النقد لدينا شكلاني اي بمعنى آخر النقد لا يعطي مساحة كبيرة للابداع بحيث يلقى الضوء الساطع على المنجز الابداعي، فالنقد هو نوع من المحاباة والمجاملة، ولديه كلاشيهات نقدية جاهزة ولا يخضع الى منهج نقدي متقن عليه.

ولكي لا اظلم النقد كثيرا هناك بعض الاسماء النقدية التي اسهمت في رؤيتها في اعطاء بعض المشهد الابداعي حقه، لكن في المقابل نرى النقد ينقد الاسماء ذات البريق بحيث انهم احيانا لا ينظرون الى المادة المدروسة بقدر ما يهمهم الاسم وبناء ذلك يكون النقد شكلانيا لا يفكك النص ويقف على مناطق توهجه ومناطق خفوته، والنقاد الذين يمارسون العملية النقدية بحق وخاصة الاكاديميين منهم منشغلون بترقياتهم وابحاثهم الخاصة، وبالتالي فالنقد يكون قد حكم عليه بالاعدام اذا لم يتوازى مع الابداع واذا لم يبتعد عن ما يسمى بالشللية.

* برأيك لماذا يهمش الشاعر الاردني في بلاده ويحظى باهتمام عربي وجوائز عربية لا حصر لها؟

- "لا كرامة لنبي في وطنه" هذا حال الثقافي لدينا في الاردن، القارئ للمشهد الابداعي وبالذات الشعري يلحظ ان العديد من الشعراء الاردنيين يحصدون العديد من الجوائز، هذا دليل على رقي الحالة الابداعية وتوهجها في الاردن سواء في الشعر او القصة او الرواية، وهذا يقودنا الى عدة تساؤلات بحاجة الى الاجابة مثل لماذا الكاتب او المبدع الاردني لم يلق الاهتمام ولم تسلط عليه الاضواء او حتى التعريف به سواء من خلال الملتقيات الشعرية او ادخال ابداعاته في المناهج في وزارة التربية والتعليم او العمل على اخراج الاعمال الروائية تلفزيونيا او اذاعيا، لو نظرنا الى الفضائيات العربية الاخرى لوجدنا انها تولي اهتماما كبيرا في الجانب الثقافي وتعطي مساحة اكبر للمبدعين وللثقافة لأن الثقافة هي الحصن الاخير الذي تلوذ به مما يحاك ضدنا، كل شيء نحن مستعمرون به، فإذا سقط الجدار الاخير للثقافة كأننا ندفن تراثنا وحضارتنا بأيدينا وهذه الاسئلة وهذا التهميش الذي يعيشه المثقف داخل الاردن يجعله ينطلق من خارج بلده سواء في النشر او في المساهمة في الاشتراك في المسابقات الخارجية في مجالات الابداع، فيأتي محصنا وقويا حاصد اهم الجوائز الادبية ليبدأ الانطلاق من جديد في بلده، هل هذا يتطلب من المبدع دائما ينطلق من غير بلده كي يعترف به؟

من هنا اقول لا بد من الاهتمام بالمبدع الاردني وايلائه القدر الكافي من الاهتمام والتركيز عليه، لأن الشعوب لا تقاس الا بمبدعيها, هناك الكثير من الشعراء في الاردن توجه اليهم العديد من الدعوات المهمة للمشاركة في المهرجانات العربية ولا يكاد يخلو مهرجانا عربيا من مشاركة اردنية وتكون هذه المشاركة مكللة بالنجاح، بينما هنا قلما يدعى الشاعر الاردني وان دعي يكون على الهامش ولا يحظى بأي اهتمام يذكر.

(تصوير : اسامة الرفاعي)

التعليق