"الريح ستحملنا": نظرة ثاقبة على العلاقة بين المثقف وبين الأشخاص العاديين

تم نشره في الاثنين 22 آب / أغسطس 2005. 10:00 صباحاً

 فيلم ايراني تعرضه مؤسسة شومان غدا


    عمان- الغد - ضمن مختاراتها السينمائية تقدم لجنة السينما في مؤسسة عبد الحميد شومان في السابعة من مساء غد الفيلم الايراني "الريح ستحملنا" للمخرج الإيراني عباس كياروستمي الذي يقدم في هذا الفيلم عملا سينمائيا جديدا من روائعه التي تفوز بأرفع الجوائز في المحافل السينمائية العالمية، وتحظى بإعجاب واسع بين النقاد في الولايات المتحدة وأوروبا، على وجه الخصوص، والتي تشتمل على قصص إنسانية بسيطة ويتم إنتاجها بتكاليف متواضعة جدا، ولكنها تحتاج إلى الدراسة والتعمق لاستيعاب مضمونها ورسالتها الفكرية.   

   تدور قصة فيلم "الريح ستحملنا" حول فريق تصوير سينمائي ثلاثي يرأسه مهندس (الممثل بهزاد دوراني وهو الممثل المحترف الوحيد في الفيلم) يسافر على متن سيارة جيب من طهران إلى قرية سياه داريه وهي قرية إيرانية كردية نائية تقع في منطقة جبلية، في مهمة لتصوير وتوثيق شعائر وفاة وجنازة امرأة في سن المائة، ولكن أعضاء الفريق الذين لا يرى المشاهد منهم سوى المخرج يخفون عن سكان القرية طبيعة مهمتهم لكي لا يمنعهم سكان القرية المحافظين، الذين يعتقدون أنهم يبحثون عن كنز مدفون في القرية، من تنفيذ مهمتهم. ويتعرف أعضاء الفريق عند وصولهم على فتى يتحوّل إلى مرشدهم في القرية.

وتمتد زيارة فريق التصوير السينمائي للقرية من ثلاثة أيام إلى أسبوعين بعد أن تتحسن الحالة الصحية للمرأة المسنة، التي يواصل الفتى نقل التطورات المتعلقة بحالتها أولا بأول إلى المهندس رئيس الفريق. وفيما يعكف رجال القرية على العمل في المزارع يلتقي المهندس بعدد من نساء القرية، بينهن امرأة تدير مقهى لتقديم الشاي وامرأة حامل تضع مولودها العاشر وشابة في السادسة عشرة تقوم بحلب بقرة لتقديم الحليب للمهندس فيما هو يقرأ لها قصيدة للشاعرة الإيرانية فوروغ فرّوخزاد، وهي شاعرة علمانية جريئة مشهورة ومخرجة للأفلام الوثائقية توفيت في حادث سيارة في العام 1967 حين كانت في سن الثانية والثلاثين. ويستمد الفيلم عنوانه من بيت في قصيدتها تقول فيها إن "الريح ستحملنا"، وتعبر في تلك القصيدة عن "رعب الوحشة أو الوحدة" خلال الليل.

   وتتنازع المهندس رغبتان متضاربتان، الأولى رغبته في شفاء المرأة العجوز، والثانية وفاتها بسرعة لكي يتمكن من إكمال مشروعه السينمائي والعودة إلى طهران.

ومن المشاهد التي تتكرر في فيلم "الريح ستحملنا" تلقي المهنس للعديد من المكالمات على هاتفه المحمول من رؤسائه في طهران الذين يطلبون منه العودة بسرعة، مما يرغمه في كل مرة على الصعود بسيارته إلى مقبرة تقع في مكان عال في القرية لكي يتمكن من إجراء اتصالاته الهاتفية بوضوح. وتعبر هذه الصورة المجازية عن استعباد جهاز الهاتف المحمول للإنسان المعاصر.

ويلتقي المهندس في إحدى زياراته للمقبرة برجل يقوم بحفر حفرة لمؤسسة الاتصالات، ثم تنهار عليه جدران الحفرة، ويذهب المهندس إلى القرية لجلب الطبيب وغيره من الأشخاص لإنقاذه. ومرة أخرى لا يرى المشاهد ذلك الرجل، بل يسمعه. ويتبين أن هذا الرجل يرتبط بعلاقة حب بالشابة التي قدّمت الحليب للمهندس.

ويتضح أن فيلم "الريح ستحملنا" لا يشتمل على الحبكة التقليدية للقصص السينمائية، بل يقدّم سلسلة متواصلة من الأحداث والمشاهد التي تترك للمشاهد فرصة التوصل إلى فكرة نهائية عن مضمون الفيلم. وقد تحدث المخرج عباس كياروستمي قبل بضع سنوات عن أسلوبه السينمائي بقوله إنه يفضل "السينما نصف الكاملة، أو السينما غير الكاملة التي تكتمل عن طريق الروح الإبداعية الخلاقة للمشاهدين"، أي أنه يتعين على المشاهدين أن يبذلوا مجهودا ذهنيا لاستيعاب قصة الفيلم.

   ويتكرر في أفلام المخرج عباس كياروستمي وجود رجل من الطبقة المتوسطة يعيش في المدينة ويلعب دورا رئيسيا في قصة الفيلم. و يتضح أن هذا الرجل يمثل المخرج نفسه. ومع أن أفلامه تعالج طائفة منوعة من القضايا فإن المخرج يعود بصورة مستمرة إلى إلقاء نظرة ثاقبة على العلاقة بين الرجل المثقف وبين الأشخاص العاديين. ويعرض فيلم "الريح ستحملنا" مصاعب الحياة التي يواجهها الناس العاديون في إيران، فالكفاح في كل المجالات جزء من حياتهم اليومية، بل إن الأرض التي يعيشون عليها أرض جافة ووعرة والأحوال المناخية صعبة وقاسية، مما ينعكس على الصعوبات التي يواجهها الناس في حياتهم الاجتماعية وحالتهم السيكولوجية.

وقد فاز فيلم "الريح ستحملنا" بعدد من الجوائز السينمائية، ومنها جائزة مهرجان البندقية السينمائي لأفضل فيلم وجائزة لجنة التحكيم في المهرجان للمخرج عباس كياروستمي. وبين الترشيحات السينمائية العديدة التي حصل عليها الفيلم ترشيحه لجائزة أفضل فيلم أجنبي من رابطة نقاد السينما في مدينة شيكاغو.

التعليق