شارع الحمام في السلط: التأريخ للمدينة عبر المكان

تم نشره في الثلاثاء 16 آب / أغسطس 2005. 09:00 صباحاً
  • شارع الحمام في السلط: التأريخ للمدينة عبر المكان

تغريد السعايدة

السلط - ما أن تبدأ بالمسير في شارع الحمام في السلط أو" الشارع الضيق" كما يسميه الغالبية العظمى من أبناء السلط حتى تتداخل لديك أصوات الباعة المنادين بأصواتهم العالية والمتقاربة لكل ما تطلبه نفسك وتشعر برحابة المكان على الرغم من طبيعته، وعلى النقيض من رحابة صدر وسعة المتواجدين فيه وممن مر على مصاحبته للمكان ما يزيد على الخمسين عاما.

   واستوحى الشارع اسمه "الحمام" من وجود الحمامات العامة التي كانت موجودة حتى أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي، وكانت تخصص ساعات معينة للرجال وأخرى للسيدات مقابل أجر متواضع، ولكن مع التغير والتطور الذي مرت به المنطقة انسحبت تلك الحمامات عن الساحة بكل هدوء تاركةً اسمها مطبوعا في أذهان وقلوب مرتاديها حتى الآن.

    وما يميز شارع الحمام الطراز المعماري القديم للأبنية التي تعود الى أعوام 1881 و1918 حيث الحكم العثماني في ذلك الوقت وانعكاس الحضارة العثمانية على الطبيعة العمرانية للمكان، وتصل سماكة الجدران في الأبنية الى 1متر تقريباً واجمل ما يميزها بناؤها على شكل عقود وقناطر وابوابها وشبابيكها المقوسة والمدببة.

    ولن يشاهد المار المكان أي سيارة تسير على الشارع ما يضفي جمالية على الشارع تشعرك بقدم وبساطة المكان الخالي تماماً من عجلات السيارات ودخانها لأن عرضه الذي لا يتجاوز 2.5 في الأصل لا يسمح بمرور السيارة الواحدة باتجاه واحد، وأرضية الشارع قامت بلدية السلط بتبليطها بالحجر الأبيض المدور الموجود فيها منذ العام 1923.

    يبدأ الشارع بدرج وينتهي بدرج حجري جميل، وتتواجد المحلات التجارية في الطوابق الأولى من المباني اما الطوابق العليا فهي شقق ومساكن مطلة على الشارع بشبابيكها المميزة. 

    الحاج احمد العربيات صاحب التسعة عقود ونيف يملك دكاناً صغيراً يبيع فيه"دخان الهيشي" كما يسميه وهو الدخان الذي يستخدمه كبار السن أكثر من غيرهم، يقول إنه يعمل في دكانه منذ أكثر من خمسين عاماً وعمر المبنى الذي يحتله يتجاوز 150 عاماً وقد عايش معظم تغيرات شارع الحمام، ويشير الحاج أحمد الى حياة الناس في الماضي وكيف كانت تتسم بـ"البركة والسعة وصفاء الذهن، اما هذه الأيام فهي تمضي مسرعة ولكن يبقى الشارع محافظاً على بريقه وذكرياته المختزنة في القلوب كما هي في الجدران وارضية الشارع التي احتضنت خطوات ابناء السلط وزواره".

   ويضيف الحاج ان بضاعته سابقاً كانت تشهد إقبالاً كبيرا،"اما اليوم فلا يوجد من يدخن هذا النوع من الدخان"، مشيرا إلى أن عددا كبيرا من رفاق الماضي في الشارع قد انتقلوا الى رحمة الله، وكانت دكانه تحوي في الماضي القمح والشعير والجميد والسمن البلقاوي والفحم المستخدم بكثرة في تلك الأيام.

    وفي مسافة لا تقل عن بضع مترات وبالقرب من الجامع الصغير وهو أحد المعالم التراثية في الشارع ويعود تاريخه المدون على بوابتهِ الى العام 1907 يقف عبد الرحيم الخطاب- صاحب محل اقمشة- بالقرب من محلهِ يرقب حركة السائرين بازدحام، كلٌ يسعى في مناكبها لطلب الرزق والبحث عما يلزم لسير الحياة وخاصة في فترة الظهيرة التي تشهد حركة بيع وشراء كبيرة عند محال الخضار والأقمشة والأدوات المنزلية ومحال العطارة التي تجاوز عمر بعضها عشرات السنين.

     ويقول الخطاب بأنه يعمل في كار القماش منذ السبعينيات بعد أن كان يملك محلاً لبيع الذهب والساعات، ويصف الشارع بأنه"من أعرق الأماكن في السلط ويعتبر مكاناً تراثياً ويشبهه الجميع بسوق الحميدية في الشام وكلاهما يحملان الطابع المعماري ذاته".

     وفي محله ذي البناء الطيني القديم القادر على تحمل سائر تصاريف وظروف الحياة يتواجد أبناؤه الذين يتعلمون مبادئ المهنة من الوالد ليحافظوا على استمرارية السوق والحياة فيه، ويشير الخطاب الى الملامح الأماكن التراثية المتواجدة في السوق التي مازالت محافظةً على رونقها وصباها مثل مصبات المياه وأماكن الحمام ونبع الماء الموجود فيه.

    ويزيد بان"طبيعة المحال التجارية اختلفت عن السابق في بعضها ففي السابق كان المحل الواحد يبيع كل مستلزمات الشخص:"قد يجد الشخص في المحل الواحد المواد التموينية والملابس احياناً والأدوات المنزلية حتى الأقمشة وغيرها، أما الآن فلكل محل تجاري في الشارع بضاعتهِ الخاصة به، وتعتبر محلات الأقمشة والتنجيد والعطارة من الصور الزاهية القديمة بقدم الشارع نفسهِ وما زالت رفيقه له الى ماشاء الله".

     ومن الأمور التي يقول الخطاب انها اختفت من الشارع هي محلات "سرج وحلس الحصان ومحلات صناعة الحذوات الخاصة بالحصان" حيث لم يعد لها مكان في ظل تقاعد الحصان والفرس وحتى الحمار عن العمل وفسح المجال لسيل السيارات الحديثة، وبالتالي غاب أصحاب هذه المحلات بغياب الحصان، لكن بالرغم من ذلك لن تستطيع السيارت الدخول الى الشارع كما كان الحصان، وكذلك محلات تصليح القناديل و"بابور الكاز" التي لن نجدها الآن في البيوت.

    ويمكن القول بأن المحلات التجارية في الشارع الضيق تتنوع بين محال الأقمشة والعطارة البقالة والملابس والأدوات المنزلية ومحلات"الإسكافية" التي خصص لها مكان خاص في الشارع، وغيرها الكثير من المحلات.

   ورغم هذا وذاك ما يزال الشارع محافظاً على طابعهِ ورونقهِ وشبابهِ فهو يتجدد مع طلة صباح من صباحات السلط صباحات كبار السن الذين يتجمعون بشكل يومي وتقليدي للجلوس على رأس الشارع في منطقة الساحة نهاية الشارع الممتد من تقاطع الميدان في السلط التي تم اختزال تاريخها على شرفات شبابيك الشارع الضيق وفي أعماق جدرانها الصفراء.

التعليق