"شجرة الدر": قليل من المسرح وكثير من التأمل التاريخي

تم نشره في الاثنين 1 آب / أغسطس 2005. 10:00 صباحاً

محمد جميل خضر

عمان- شكل استنطاق الوعي الوجودي للشخصية التاريخية الاشكالية "شجرة الدر" المحور الرئيسي الذي تحركت حوله المونودراما المسرحية التي حملت الاسم نفسه وعرضت اول من امس على المسرح الدائري بالمركز الثقافي الملكي ضمن فعاليات مهرجان جرش للثقافة والفنون.

  واستعاضت الممثلة السورية مها الصالح عن مفردات اساسية بالفن المسرحي لجعل العمل الذي اعده واخرجه التونسي عزالدين مدني اقرب ما يكون إلى مونولوج حواري طويل مع المتلقي بلغة اخبارية روائية تشبه في بعض تمثلاتها روحانية عمل الحكواتي، مع فرق ان الحكواتي يتحدث عن آخرين, وفي حالة العرض الذي قدمته الصالح مترافقا مع عزف عود وغناء ادتهما كليهما باقتدار وعد بوحسون, فالإخبار كان يتعلق بالذات, فهي تروي للنظارة المفترضين مقابل خشبة المسرح ما حدث معها, الشخصية التاريخية عبر مشوارها الذي انطلق من سوق نخاسة في حلب لتصل خلال مدة زمنية قصيرة الى سدة الحكم في مصر والشام وتصبح السلطانة المالكة للأمر والنهي, وبتحول الذات الى موضوع وبقليل من المسرح وكثير من التأمل للتاريخي, ترسل الصالح, عبر نص مدني واضاءة الفرنسي فرنسواز غروند بتنفيذ فرنسي آخر هو ألن كرويس واضاءة ماهر هريش, بعض الرسائل القارئة للمرحلة التاريخية المعقدة التي حكمت فيها شجرة الدر عندما كان العصر الايوبي يلفظ انفاسه الاخيرة فيما العهد المملوكي يتململ ليبسط سيادته على الزمان والمكان.

  وبلغة مباشرة تروي الصالح انجازات شجرة الدر لتقول الى المركزين على عيوب المرأة التي تزوجت من قائد جيوشها عزالدين ايبك بعد وفاة زوجها السلطان نجم الدين ايوب قبل ان تقتله عندما استشعرت منه بوادر تخلٍّ عنها وطمع في سلطانها, ان لتلك الشخصية انجازاتها, وانها في لحظات تاريخية حرجة مع الغزو والعدوان المتواصل لجيوش الفرنجة اسهمت بشكل رئيسي بحنكتها وحزمها ونزعتها القيادية في تثبيت اركان الدولة مترامية الاطراف.

  وجاءت المرافقة الموسيقية المتمثلة بعزف منفرد على العود المحاور مقامات الموسيقى العربية كما لو انها طيف من الماضي خصوصا ان شجرة الدر كانت في بداياتها مغنية ذات صوت حسن, ولهذا كان لا بد من صوت يحمل بعض اشجان الماضي، ولم يكن صوت بوحسون برقته وصفائه ببعيد عن تحقيق هذه الغاية وهي تنشد للسهروردي وغيره "ابدا تحن اليكم الارواح, ووصالكم ريحانة ورواح/ وقلوب اهل ودادكم تشتاقكم/ والى لهيب لقائكم ترتاح".

  شكل العمل الذي قدم في باريس وألمانيا وعواصم عدة استنطاقا وادعا للتاريخ ولنهر النيل "لم لا تنطق يا نيل" وبحث عن لغة اخرى للغنى المسرحي لا تعتمد على الإيهام، وهو بمدة عرضه القصيرة (45 دقيقة) شكل اضاءة سريعة (فلاش) على مرحلة مهمة من التاريخ العربي الاسلامي كانت امكانية الصعود فيها حتى وان على جثث الآخرين واردة في صراع دام بين العروش والرؤوس.

التعليق