نقص الوعي المروري يسيّر المشاة نحو الموت

تم نشره في الأربعاء 27 تموز / يوليو 2005. 10:00 صباحاً

مريم نصر

عمان - لا يكاد يمر نهار إلا وتأتينا الأخبار بمزيد من الضحايا الذين يسقطون صرعى جراء حوادث الدهس، خصوصا من الأطفال الذين تقول بعض الإحصاءات ان فئتهم تتعرض إلى خمسة حوادث دهس في الأسبوع الواحد بالأردن، فلماذا هذه النسبة العالية لدينا؟ ومن هي الجهة التي تتحمل المسؤولية عن هذا العدد من الضحايا؟ هل هم السائقون؟ أو الجهات الرسمية التي سنت قوانين السير؟ وهل هناك حاجة إلى مراجعة تلك القوانين؟ أو أن المسؤولية كذلك يتحملها المواطن الذي يسير على قدميه، والذي بقي لسنوات عديدة بعيدا عن موقع المسؤولية في التسبب بمثل تلك الحوادث؟! ثم بعد ذلك كله هل هناك تقليد أو ثقافة مرورية محلية معينة تسهم في رفع تلك النسبة؟.

يعيد العديد من المهتمين سبب ارتفاع نسبة حوادث الدهس أردنيا إلى عدم التزام المشاة بقطع الطريق من الأماكن المخصصة لهم، ومع أخذهم هذا الكلام في الاعتبار إلا أنهم لا يسقطون مسؤولية السائق في التسبب بحوادث عديدة، غير أنهم يؤكدون أن التزام المشاة بأماكن العبور المخصصة لهم من الممكن أن يسهم بشكل ملحوظ في خفض أعداد حوادث الدهس، وبالتالي المحافظة على الأرواح التي تزهق تحت عجلات السيارات.

ويحيل المهتمون عدم التزام المشاة ذلك، إلى ثقافة سادت زمنا طويلا لم تكن فيه المدينة الأردنية تعاني ازدحاما في حركة مرور المركبات والمشاة، ولكن الوضع تغير الآن، فقد باتت المدينة الأردنية، وخصوصا العاصمة، تشهد حركة مرور كثيفة للمركبات، كما تضاعف عدد سكان الأردن كثيرا، الأمر الذي وضع الآلة أمام الإنسان.. ولكن هذه المرة ليس من أجل خدمته، بل لكي تكون سببا رئيسيا في إنهاء حياته!! فلماذا يصر بعض المواطنين على قطع الشارع دون استخدام الجسور والانفاق المخصصة لهم على الرغم من انتشارها في الشوارع الرئيسية للعاصمة عمان وبعض المدن الأردنية الأخرى؟ وهل ما تزال الذهنية التي سادت زمنا طويلا قائمة، في تحميل المسؤولية كاملة للسائق بغض النظر عن الظروف الموضوعية، أو غير الموضوعية، التي أدت إلى ارتكابه الحادث؟

يرجع بعضهم السبب وراء ذلك في نقص الوعي المروري ويبين سالم البدري أن عدم استخدام جسر المشاة يعود الى قلة الوعي بأهمية استخدام هذه الجسور للحفاظ على ارواح الناس، ويتابع: "شاهدت الاسبوع الماضي رجلا يقطع الطريق ولم يكن يبعد عن جسر المشاة أكثر من 200 متر ولكنه فضل المغامرة بحياته".

ولكن لا يمكن فرض آرائنا بقوة على الآخرين، فمحمد المصري الذي كان قطع الشارع لتوه من دون استخدام الجسر الذي لم يكن بعيدا عنه، يقول انه كان على عجلة من امره: "قطع الجسر يتطلب وقتا أطول "، ويضيف: "كما انني غير معتاد على قطع الشارع عبر الجسور والأنفاق"، ومثله في هذا الأمر الطالبة راما العيسى التي لم تتعود أن تقطع الشارع عبر الجسور وأنفاق المشاة هي الاخرى: "أعلم أنه اسلم، ولكن لا أدري لماذا لا استخدم الجسور!"، وتضيف: "أحيانا أريد قطع الشارع للوصول الى متجر يقع في الجهة المقابلة مني ويكون الجسر بعيدا عني كثيرا ولكسب الوقت أقطع الشارع".

الا أن أم محمد لها رأي مخالف: "لا أستطيع قطع الشارع الا عبر الجسور والانفاق، ولكنني أشعر بالرهبة أحيانا من دخول الانفاق أو عبور الجسور، فأنا لا أعرف ما الذي يمكن ان يصادفني هناك، خصوصا وأن بعضها يكاد يكون مهجورا لقلة المستخدمين".

ولكن السبعيني عبد الهادي عمر له سبب آخر في عدم اعتماده الجسور والأنفاق في قطع الشارع: "الجسر عال جدا وأنا رجل كبير في العمر، وأجد صعوبة في صعود ادراج الجسور.. لذلك افضل قطع الشارع".

وللسواقين أيضا رأيهم في هذا الموضوع، إذ يرى سائق التاكسي ابراهيم عبد الله أن "عدم التزام المشاة بالممرات المخصصة لهم هو استهتار كبير"، ويقول: "لا يدري المشاة الارباك الذي يسببونه حين يقطعون الشارع من غير تلك الأماكن." ويؤكد بأن هذه الممارسات موجودة بكثرة نتيجة انعدام الوعي المروري عند المواطنين، مبينا انه "لولا وجود الشرطة في الشوارع لما التزم أحد بقواعد السير.. إنه امر محزن".

ويرجع استاذ علم الاجتماع د. سالم ساري سبب عدم التزام المشاة بعبور الشارع من الاماكن المخصصة لهم الى انه جزء من الثقافة المرورية كلها ويرى أنه جزء من نظرة الناس الى الشارع والسيارة. ويقول "هناك تخلف مروري يمنع المواطن من أن تكون لديه رؤية مسبقة من أين يجب أن يقطع الشارع" ويضيف "ان نظام الجسور والانفاق غريب على المجتمع" ويشير الى ان هذه المشكلة سوف تختفي مع ظهور الجيل الجديد الذي اعتاد على رؤية الجسور.

ويبين ان الحل لهذه المشكلة يكمن في الايمان بالتغيير وحتمية التغير موضحا أن مجتمعنا يتعرض لتغيرات في الطرق أي أن الطرق لم تعد كما كانت قبل شهور والمدينة التي كان يعرفها المواطن لم تعد كما كانت قبل عامين.

 ويضيف ان هناك تسارعا مستمرا مع الزمن لتجميل المدينة واراحة سكانها لتصبح المدينة عصرية يحلو العيش فيها ولكن جميعنا نحتاج الى وقت لنتعود على ذلك مبينا أن المسؤولية تقع على عاتق المدارس والجامعات والصحافة لاحداث التغيير.

وتشكل حوادث دهس المشاة أخطر أنواع الحوادث المرورية التي يلاحظ ارتفاع نسبة ضحاياها مقارنة مع الوفيات والاصابات الناتجة عن حوادث التصادم والتدهور، ويشير مدير ادارة السير العقيد محمد الزعبي الى أن نسبة الوفيات الناتجة عن حوادث الدهس بلغت 40% بالنسبة للمجموع الكلي للحوادث للعام 2004، ويضيف: "رغم ذلك الا اننا ما نزال نشاهد يوميا كثيرا من الأخطاء والظواهر السلبية للمشاة وعابري الطرق". موضحا أن المشاة لا يلتزمون بالممرات والجسور والأنفاق المخصصة لهم للعبور من خلالها.

ويبين أن هناك خطوات وأصولا للعبور الآمن للطريق، موضحا أن العبور يجب ان يكون من مكان مناسب أي من الممرات المخصصة للمشاة، واذا لم يتوفر الممر المخصص فيجب البحث عن اقرب مكان مناسب وآمن للعبور، مبينا انه يجب الوقوف في مكان بعيد عن حافة الطريق أو الرصيف ان وجد، بحيث يسهل مشاهدة حركة المرور ثم النظر والاستماع لحركة مرور المركبات القادمة اذا كانت مسرعة أو قريبة، والاستمرار بالنظر والاستماع أثناء عملية العبور، والحرص على العبور بخط مستقيم وعدم الجري أثناء العبور والتأكد قبل ذلك من وجدود الوقت الكافي للعبور.

ويرى الزعبي ان مسؤولية تعليم وتدريب المواطنين كيفية التعامل مع الطريق تبدأ من الاسرة، حيث يجب عليهم ان يشرفوا على الاطفال ممن هم دون سن الرابعة، إذ لا يجوز تركهم دون مرافقة من قبل الاهالي أو العاملين في دور الحضانة ورعاية الاطفال، مبينا أن "التوعية في هذا السن لا تجدي نفعا مع هذه الفئة نظرا لتدني مستوى الادراك والتمييز لديهم".

 ويؤكد الزعبي بأن دور الاسرة في التوعية ضروري ويمتد حتى يلتحق الطفل بالمدرسة حيث تكون هذه المرحلة العمرية المناسبة لغرس المفاهيم المرورية الصححيحة فيه، ليأتي بعدها دور المدرسة في تعليم وتدريب الطلبة على التوعية المرورية وايلائها الاهمية اللازمة وتخصيص الاوقات الكافية لتلك العملية المهمة، غير أن الزعبي كذلك لا ينسى دور وسائل الاعلام المختلفة في هذا المجال "حيث ان وسائل الاعلام تستطيع استقطاب الجميع وجذب اهتمامهم وتقديم المواضيع المرورية بشكل شيق ومفيد".

وتنص المادة (62) من نظام قواعد السير للعام 2004 أن على المشاة الالتزام  باستخدام ممرات المشاة داخل المدن، والتقيد بالإشارات الضوئية أو بإشارات شرطي المرور، كما تنص المادة (63) على أنه يحظر على أي من المشاة عبور الطريق من مكان أقيم فيه حاجز أمان على جانب الطريق أو سياج في مساحة فاصلة في الطريق أو عندما تكون المساحة الفاصلة مزروعة والالتزام بالجانب المحاذي للطريق من داخل حاجز الأمان. كما تنص المادة 50 من قانون السير الاردني على انه يعاقب بغرامة مقدارها دينار واحد كل من ارتكب أياً من المخالفات التالية: عدم استخدام المشاة للمقاطع المخصصة للعبور، عدم تقيد المشاة بإشارات العبور الضوئية أو إشارات منظم المرور، السير على الشارع عند توافر الأرصفة، عدم التزام حافة الطريق المقابلة لاتجاه السير في حالة السير على الطرق خارج المدن، وقطع الطريق من جانب إلى آخر قبل التأكد من خلوه من المركبات.

التعليق