الزواج السريع: إلغاء لدور الخطوبة المهم في التعرف على شريك الحياة

تم نشره في الثلاثاء 19 تموز / يوليو 2005. 10:00 صباحاً
  • الزواج السريع: إلغاء لدور الخطوبة المهم في التعرف على شريك الحياة

قد يؤدي إلى اكتشافات محزنة أو إلى طلاق عاجل

 

 

تغريد الرشق

   عمان - تعد فترة الخطوبة مهمة جدا في حياة المقبلين على الزواج، فهي مرحلة الاتفاق وتعرف الطرفين على أطباع بعضهما بعضا، وتزداد أهمية هذه الفترة في مجتمعاتنا الشرقية نظرا لعدم وجود مفهوم التعرف خارج إطار الخطوبة كما هو حاصل بالغرب، كما تعتبر الخطوبة فترة النضوج الذهني وتأهيل الذات للارتباط وتحمل مسؤولية الزواج.

ويعتبر اتخاذ قرار الزواج احد ماهم القرارات في حياة الإنسان، فهو التزام لا يجوز الاستهانة به، وينبغي ان يخضع المرء نفسه لتقييم نفسي يرى به مدى تقبله لأخذ هذه الخطوة المهمة والتي تعد منعطفا رئيسيا في الحياة، لأن وجود فترة خطوبة معقولة يمنع حدوث ما يسمى بالزواج السريع والذي ينتج عن عدة أسباب، قد يكون منها التقبل السريع لشريك الحياة أو الإعجاب به لمظهره أو لشخصيته مثلا، أو الرغبة الملحة في الإنجاب، او لأسباب مادية بحتة، واحيانا للتخلص من ضغوطات الأهل والرغبة في ترك منزل الوالدين مما يولد مشاحنات وجفاء لاحقا.

   وبالنظر الى نسبة الطلاق المرتفعة محليا ووفقا لدراسة أجرتها دائرة قاضي القضاة فان من اصل 56561 حالة زواج خلال العام الحالي هناك 211 مطلقة من الفئة العمرية ما دون 18 عاما، و397 مطلقة من عمر 18 الى 20 عاما و 678 مطلقة من عمر 26 الى 29 عاما، تبرز اهمية التريث قبل اتخاذ قرار الزواج لما سينتج عن الطلاق من اثار سلبية سيتحملها الطرفان والأطفال في حال وجودهم.

   "تمهلي وفكري كثيرا عندما يتقدم عريس فجأة ويريد إتمام الزواج في أسرع وقت ممكن"، هكذا تؤكد سلاف حسن في حديثها المبني على تجربة شخصية مرت بها:"انصح كل فتاة بهذا وان لا تخضع لضغوطات الأهل حتى ولو اعتقدا بأنهما يريدان الأفضل لها"، وتشير سلاف (28) عاما الى انها وقعت ضحية ما أسمته (جريمة الزواج الفجائي او المستعجل) وتضيف شارحة:" بالطبع كنت في موقف لا احسد عليه..العريس مناسب من جميع النواحي وفقا للمقاييس المتعارف عليها في محيطنا العائلي" وتتابع: "امي وابي يريدان السترة لابنتهما الوحيدة بعدما تزوجت جميع أخواتي.. وشعرت وكأني سأطير هذا العريس من يدي من كثرة ما سمعت من (نق) من صديقاتي وأهلي".

وافقت سلاف على العريس خلال يومين، ولم تعرف شيئا عنه سوى انه يعيش في الولايات المتحدة الأميركية ويمتلك سوبر ماركت، وان حالته المادية ممتازة: "اكتشفت كذبه في كل ما قال، والحمد لله، كان ذلك قبل عقد القران"، وتختم بنصيحة الى جميع الفتيات في عمر الزواج بأن تتعرف على العريس وأهله، وان تركز على أخلاقه وليس على ماله أو على المظاهر الخداعة.

   وقد يكون الزواج المفاجئ السريع سلاحا ذا حدين كون هذا الارتباط، خصوصا في المجتمعات الشرقية يقوم أساسا على المصلحة، حيث يتقدم رجل للزواج من فتاة لا يعرفها، ولديه الإمكانيات المادية لإنشاء عش الزوجية دون قصة حب بينهما أو تعارف مسبق، ويأتي دور الأهل هنا لأنهم الأدرى بمصلحة ابنتهم، والبعض منهم يدرس الموضوع بدقة ويسأل عن العريس ولن يستعجل بهدف الخلاص من ابنته.

ويرى زيد علي ان الفتاة في الأغلب هي ضحية الزواج المتعجل: "عملية الزواج التقليدي برأيي مهينة للفتاة، خصوصا (عملية الفحص) التي تمارس على الفتاة من قبل أقارب العريس، وكأنما يتعاملون مع سلعة تتم معاينتها ليقرروا مصير.. كل هذا يترك تأثيرا سلبيا في نفسها".

ويقول زيد بأن الزواج السريع "المتمثل في ظهور عريس الغفلة وتقديمه عن طريق أحد معارف الأسرة أو الجيران او أن يأتي منفردا ليتحدث عن نفسه ويطلب القرب، هو اسوأ أشكال الزواج التقليدي، ولن أقبل بأي حال من الأحوال ان تتزوج شقيقاتي بهذه الطريقة. 

اما سلام حنا (29 عاما) فتؤكد استعدادها للزواج سريعا ما دامت الظروف العامة المحيطة بالعريس مطمئنة:"الجواب يعرف من عنوانه"حسب المثل المصري، وتعتقد سلام ان العريس "ابن الناس" والحاصل على شهادة محترمة ويمارس عملا محترما لا تحتاج الفتاة لفترة خطوبة طويلة معه: "قد تولد الخطوبة الطويلة مشاكل بعكس الاعتقاد السائد بأنها تختصر المشاكل اللاحقة"، وتوضح بأن الزواج يقرب من الزوجين اكثر من الخطوبة ويجعلهما قادرين على التفاهم واستيعاب بعضهما بعضا كما ان وجودهما في بيت واحد يمنع حدوث عامل مهم في تضاعف المشاكل، وهو "ارخاء الأذن للوالدين او الأصدقاء"، بحسب قولها، لأن زوجها سيبقى معها بالبيت وسيحلان المشكلة معا، اما ان عاد هو لبيت اهله وهي كذلك فإن هذا يساهم في تكبير المشكلة.

   وتعيد بيان عبدالله (34 عاما) سبب طلاقها الى زواجها السريع والذي لم يتح لها الفرصة للتعرف على زوجها ما ادى الى انفصالهما بعد شهرين فقط من الزواج:"كان مناسبا من جميع الجهات الا اننا لم نتفق معا فأطباعنا مختلفة تماما"، وتضيف:"حاولت من جانبي ان اذلل العقبات عن طريق ارضائه والتنازل عن رغباتي لتسير بنا المركب، الا انه هو الذي اصر على الطلاق".

وترى بيان ان الزواج السريع ما هو الا خدعة تتمثل بالمشاعر الانية التي لا تلبث ان تزول، مؤكدة بان فترة الخطوبة مهمة جدا وانها ادركت هذا بعد فوات الأوان حيث اشار عليها بعضهم بتمديد خطوبتها التي استمرت لمدة شهر فقط، الا انها رفضت بسبب مشاعرها التي طغت على تفكيرها حينها وجعلتها منقادة للعريس ولقبول كل ما يريد.

   وتتم الموافقة على عرض الزواج الذي يأتي بلا مقدمات وبدون روابط أسرية مع رغبة العريس بأن يتم الزواج سريعا بقدر الامكان، من قبل والدين لديهما ظروف تجبرهما على التمسك بهذا العريس بالرغم من جهلهما بخلفية حياته ودون التحقق الكامل من ظروفه، او من قبل والدين يؤمنان بأن "البنت مصيرها للزواج" فقط، ويخافان من التقدم في العمر بالنسبة للفتاة من دون زواج، فيتقبل الأبوان عرض العريس.

وفي بعض الحالات يكون العريس مطلقا أو متزوجا ولا يريد أن يكشف نفسه في الحال، أو غيرها من الظروف التي تظهر بعد اتمام الزواج وتنغص على المرأة حياتها، بمعنى ان الزواج السريع بهذا الأسلوب ما هو الا مغامرة تبدأ بدخول القفص الذهبي الذي قد يتحول الى جنة بمحض الصدفة او انطلاقا من مبدأ الحظ او الذي سينقلب الى سجن حقيقي يعاني منه احد الطرفين او كلاهما الويل!

وهنا تبرز اهمية فترة الخطوبة التي يتعرف فيها الخطيبان على اطباع وصفات بعضهما، كما تتيح التعرف بشكل اوضح على عائلات الطرفين والتي تعطي انطباعا اوليا عن البيئة التي ترعرع فيها كل منهما، في حين تتباعد غالبا نقاط الالتقاء بين الزوجين في الزواج السريع وينعكس ذلك على نفسية الطرفين وخاصة المرأة، وتتضح فروق كثيرة بالنسبة للبيئة والثقافة ومستويات الحياة وعندما تتحمل الفتاة أية ظروف من أجل أن تعيش فقد تنجح في إمداد الجسور لتربط علاقاتها مع الذي أصبح زوجها أمام الناس ، وإن تقطعت السبل واتسعت الفجوة بينهما وتمزقت العلاقات قد لا يجدي اي تحمل او صبر، هل ستنتقل الفتاة بالزواج الى  المرارة والجحيم ام  إلى جنة الحياة الزوجية؟       

   ويرى الداعية الاسلامي عمرو خالد بأن اهمية الخطوبة تكمن في التعارف القوي الوثيق الذى يزيد رغبة الطرفين فى الإرتباط واكتشاف العيوب وتقويمها إلى عيوب يمكن التعايش معها وعيوب مرفوضة تؤدي إلى إيقاف مسيرة الزواج، كما تؤدي إلى تعارف الأهل وإنصهار الأسرتين حسبما ورد في موقع الداعية الالكتروني.

وعن اهميتها من الجانب الديني يقول:" الإسلام أعطى الخطيبين فرصتين لرؤية بعضهما عن قرب أكثر قبل إتمام الزواج، والبديل لذلك هو ما يفعله الغرب في مرحلة (البوي فريند) و (الجيرل فريند) فالإسلام أراد إعطاء فرص بشكل شرعي لدراسة كل من الخطيبين فى ظل إحترام العائلتين لهذه العلاقة وقبول العائلتين لها بحيث أنها عندما يحين موعد الزواج يكون القبول والحب والاحترام والاقتناع والإحساس فى أحسن صوره، والإسلام لم يحدد فترة الخطوبة بمدة معينة بحيث يتيح رجوع الطرفين فى قرار الزواج أو يثبت زواج الطرفين".

من جانبه يشير استاذ علم الاجتماع في جامعة مؤتة د. حسين محادين الى عدم وجود دراسات علمية دقيقة حول هذه القضية الهامة الا انه ومن منطلق رأي علمي يقول ان العلاقات السريعة من المتوقع ان لا تقوم على الاستمرارية،ويعتقد محادين ان هذا يعود للمقدمات التنشيئية المكتسبة في مجتمعنا والتي ساهمت ببناء وجهات نظرنا تجاه الزواج " مجتمعنا  العربي والمسلم لا يوفر فرصا حقيقية لبناء وجهات نظر سليمة وواقعية نوعا ما تجاه هذا المشروع الحياتي الهام(الزواج)"ويتابع"موضوع الزواج غالبا ما يغلف بقائمة من الممنوعات والمحاذير لدى الشباب من الجنسين"،ويزيد بأن مصادر معلومات الشباب عن الزواج تستند الى خبرات وتجارب الاخرين والتي ليست من الضرورة ان تكون مطابقة لما سيصادف الشاب عند شروعه بالزواج.

ويلقي محادين باللوم على وسائل الاعلام التي تعطينا انطباعات ومعلومات منمقة ومجملة او متطرفة في الحكم على الزواج بشكل سلبي مما يكون نوع من الصراع القيمي والمعرفي عن الزواج لدى الشباب،ويؤكد محادين بأن التنبؤ بفشل او ديمومة الزواج السريع صعب لأن كل حالة تدرس على حدة لذا يصعب التعميم حسب قوله خاصة في ظل غياب الدراسات العلمية المتخصصة بهذا المضمار،ويختتم استاذ علم الاجتماع  بالتمييز بين الزواج القائم على المصلحة الانية كايهام الزوجة بالثراء او تحسين الظروف لأنها الحلقة الأضعف في هذه العلاقة بمجتمعنا،وبين التوافق المرحلي او الاني الذي ينتج عن علاقة عابرة في التعارف كلقاء الصدفة او الاعجاب من اول نظرة.

التعليق