"المرابطون والأندلس".. دراما تضئ دروب النصر وتعاين أسباب الهزيمة

تم نشره في الأحد 17 تموز / يوليو 2005. 10:00 صباحاً
  • "المرابطون والأندلس".. دراما تضئ دروب النصر وتعاين أسباب الهزيمة

محمد جميل خضر

   عمان- يطرح مسلسل المركز العربي للخدمات السمعية البصرية الجديد "المرابطون والأندلس" المنوي عرضه ضمن برنامج أعمال المركز لشهر رمضان المقبل، أكثر من قضية وسؤال. ويواصل مؤلفه الكاتب الأردني جمال أبو حمدان قراءته الجدلية الإبداعية للتاريخ العربي عموما، والأندلسي منه على وجه الخصوص.

وبعد "ذي قار"، و "زمان الوصل" و "امرئ القيس" وغيرها من الأعمال التي شكلت دروس التاريخ وعبره ثيمتها الرئيسية، يعود ابو حمدان الى أكثر حقب التاريخ العربي الإسلامي تميزاً، وأشدها اضطرابا، مدققا على وجه التحديد اثناء معاينته لها بما يتقاطع بينها وبين زماننا العربي المعاصر.

واختار المركز الذي يديره المنتج المنفذ طلال عواملة المخرج السوري ناجي طعمي مخرج مسلسل "شو هالحكي" الكوميدي الذي يعرض أيضا ضمن برنامج المركز لشهر رمضان، لإخراج العمل وفق رؤية تحقق امتدادا لرؤية كاتب المسلسل وتقاطعا معها. وهي الرؤية المعتمدة أساسا على فكرة استعادة التاريخ ووضعه تحت مجهر النقد العلمي، ومحاولة تلمس أسباب الانهيار المدوي الذي مازالت تعيشه الأمة العربية الإسلامية، من خلال إضاءة أحداث الماضي، خصوصا ما يتعلق منها بالتراجع، ومن خلال كذلك رصد التحالفات السياسية والاقتصادية التي كانت قائمة، والجهات المؤسسة لهذه التحالفات، وأسباب ودوافع قيامها.

فهل يمكن استعادة التاريخ، إن لم يمكن بأحداثه ووقائعه، فبدروسه وعبره...للإطلال عبرها على الحاضر

سيما، إن تشابهت حقبتان من التاريخ، رغم تباعد الزمان، واختلاف المكان بينهما.. هذا ما يتبادر إلى الذهن، مع محاولتنا استحضار حقبة وكانت ذات تأثير واسع و عميق، في فترتها، و في المسار التاريخي، بعدها.

وهي الفترة التي أدت عواصفها العاتية، إلى تفتت دولة الأندلس الواحدة القوية إلى ممالك ودويلات متصارعة، متناحرة فيما بينها، تكيد كل منها للأخرى..مما أعطى للإسبان المتربصين بالأندلس المسلمة، فرصة الإنقضاض عليها، فيما يسمى بحروب الاسترداد، والتي مهدت فيما بعد للحروب الصليبية في المشرق.

وعلى الجانب الآخر، للبحر الأبيض المتوسط، كان لعواصف التاريخ منحى آخر..إذ راحت القبائل المتناحرة، المتصارعة في المغرب، تتداعى أمام حركة الجهاد التي انطلقت من رباط عبدالله بن ياسين..ثم تتوحد ثانية، تحت راية الإسلام و حول كلمة الله، لتنشأ دولة المرابطين.. التي لم يعرف التاريخ، منذ الدولة الرشيدية، في صدر الإسلام مثل قوتها النابعة من تمسكها بشرع الله وسنة نبيه.

بين هذه المحاور الثلاثة، تدور أحداث العمل المشحون بالدلالات والدروس التاريخية؛    دولــة تعصف بهــا الفـرقــة، وتنهـار، وتتفتت إلى دويلات ضعيفـة، هزيلـة، لابتعـادهـا عن الثوابت والمبادىء التي قامت عليهـا، فـي حقبـة مجـدهـا وازدهارهـا.. وانحـلالهـا السياسي والديني والاجتماعـي، وتـذللهـا لعـدوهـا الطامـع بهـا، والساعـي إلى زوالهـا.

وهـو ما آلت إليـه الأندلس، في تلك الحقبـة من التاريـخ وقبالتهـا، دولـة، تقضـي بالجهـاد، وبالتمسك بكلمة الله، وتثبيت رايـة الإسـلام، تقضي على الفرقـة والتنافر.. وتحقق جمع الشمل، وتنهض عبر الجهـاد في سبيل اللـه لتحقق دولـة واحـدة، قويـة مرهوبـة الجانب.

وبينهمـا، الممالك الإسبانيـة، التي تستمد من ضعف مسلمي الأندلس قوة، تحاربهـم بهـا للقضـاء عليهـم، وإخـراجهـم من ديارهـم الأندلسيـة، ومـن الأرض الإسبانيـة.. وتتوحد في قوة واحدة، إزاء تشتتهـم وضعفهم.. وتخاذلهم.

ثلاثة محاور، تبدو في البداية متباعدة، لكنها تتقارب عبر الأحداث التاريخيـة، وتحتك، ثم تندمج، في معركة "الزلاقة"، التي تعتبر من أشهـر معارك التاريخ الإسلامي، في مجرياتها، وآثارهـا.

لأنها حددت مصير الاندلس.. بعد أن كان مقضياً عليها بالزوال، تحت ضربات ملك الإسبان، وحـروب الاسترداد، فجاءت بقيادة القائد التاريخي الفذ يوسف بن تاشفين، لتمدّ في عمـر الدولـة الأندلسيـة، وإبقـائهـا إسلاميـة لمئات سنين اخرى من عمرها وعمر التاريخ.

يخلص العمل بأحداثه وحوارات أبطاله الى ان عوامل تفكك الدول وانهيارها...وانهزامها، كامن فيها، من خلال ابتعادها عن قيمها، وتخليها عن عقيدتها، وتنكرها لأصولها...مما يؤدي إلى تصدع أركانها، وانهيارها وبالتالي إلى ضعفها، وتذللها أمام العدو الطامع فيها... خصوصا حين تتفرق الأمة، إلى شيع وطوائف، وفرق متنابذة متناحرة... وتنقسم الدولة إلى ممالك ودويلات، متصارعة متعادية.

     

المعالجة الدرامية

   يدور هذا العمل الدرامي التاريخي الضخم، حول ثلاثة محاور، تنفصل وتتصل مع مجريات الأحداث التاريخية، لتلك الفترة.وعبر خطوط درامية تتقارب، وتتواصل، ثم تتداخل لتنسج معاً، الحالة التاريخية، لتلك الفترة المميزة من التاريخ ، ويرصد الخط الأول، دولة المرابطين، منذ بداية تكوّنها، حول بذرة الجهاد في سبيل الله، والتي نمت لتصبح الدولة القوية الراسخة البنيان بعد أن كان المغرب في حالة من الفوضى الشاملة، سياسيا واجتماعياً ودينيا يتنازعه، التناحر بين القبائل المرتدة، والوثنية، والباغية. وكيف استطاع المرابطون انطلاقا من رباط الإمام الفذ، عبدالله ياسين، القضاء على التشرذم والشرك والتناحر بين القبائل بعد حروب ومعارك قاسية وإرساء دعائم الدولة الواحدة على أسس الدين القديم و تثبيت أركان الإسلام الصحيح، لتصبح من الدول الكبرى القوية المهابة، في ذلك الزمن خاصة في فترة قيادة القائد التاريخي الفذ يوسف بن تاشفين. 

فيما يرصد الخط الثاني، الممالك الإسبانية- التي وحدّها بعد فرقة- عداءها للإسلام ولمسلمي الأندلس، عربا و بربراً، فأشعلت حروب الإسترداد للقضـاء على ممالكهم، وعليهم، في زمن فردنياند ثم الصراع بين خلفائه، إلى أن أعاد الفونس، توحيد الممالك الإسبانية، تحت سلطانه، ليوجه حربه الشرسة، ضد الأندلس، والمسلمين.

أما الخط الثالث، فيرصد حالة الأندلس، في انهيارها، وتفتت وحدتها، إلى ممالك ودويلات متناحرة فيما بينها، طامعة كل منها بالأخرى... لكنها ضعيفة ذليلة أمام العدو الإسباني.. الذي يخضعها ويذلها، تمهيدا ً للقضاء الكامل عليها. ويرصد العداء، و الصراعات بين هذه الممالك الإسلامية الأندلسية مركزاً على مملكة إشبيلية، لأنها قطب الرحى، في الصراع ما بين الإسبان، وبين الأندلسيين، وخاصة في عهدي ملكها المعتضد بن عباد ، وإبنه الملك المعتمد بن عباد ، وخاصة المعتمد ، الذي تشكل حياته في إطارها الخاص وفي الإطار العام مأساة تاريخية درامية حادة و مثيرة، وما يتفرع عن سيرته، من صراعات و أحداث درامية، بدءا ً من مرحلة إمارته، ثم ملكه .

   تتصاعد الخطوط الدرامية في العمل، عبر أحداث متتابعة، ومتقاطعة،إلى أن تصل ذروة تشابكها، بعد إحتلال المعتمد بن عباد لمملكة قرطبة، وبعد اجتياح الملك الفونس الإسباني لمملكة طليطلة وتهديده لإشبيلية. في الوقت ذاته الذي تكون فيه دولة المرابطين، في المغرب، قد ترسخ بنيانها وقويت وصارت مرهوبة الجانب، بقيادة يوسف بن تاشفين، أمير المسلمين .

عبر هذه الخطوط التاريخية، والدرامية، تتنامى الأحداث وصولا إلى معركة الزلاقة الشهيرة حيث تلتقي المحاور الثلاثة، وتتشابك مصائرها.

يرصد العمل موضوعيا ودراميا، عناصر معركة الزلاقة المصيرية، من حرب الاسترداد الإسبانية، وتهديدها للمالك الأندلسية الإسلامية، وإخضاعها و الهيـمنة عليـها، تمهيدا ً لإزالتها ، وتتفرع من تلك الأحداث الكبرى أحداث فرعية، ويتطرق الى قضايا إنسانية ذات دلالة ومغزى، كما يضم الإطار العام للصورة الشاملة، صوراً جزئية وتفصيلية ذات موقع ومكانة في العمل، تغنيه وتزيد من جوانبه التشويقية.

   واضح ان المسلسل بما يظهر من الامتداد المكاني والزماني الذي يتناوله يحتاج الى امكانيات انتاجية وفره لها المركز العربي كاملة، لقناعةمديره المنتج المنفذ طلال عواملة "إن توفير أفضل المتطلبات الانتاجية لعمل ما من اهم اسباب نجاحه وخروجه بشكل فني مقنع للجمهور العربي الذي صار على دراية بالمواصفات الانتاجية المميزة لمركزنا".

واختار المركز من اجل تحقيق ذلك ممثلين اكفاء من الاردن وسوريا ودول عربية اخرى، ويشارك فيه الأردنيون:

نبيل المشيني وائل نجم، منذر رياحنة، احمد العمري، محمد القباني، علي عليان، محمد المجالي، لارا الصفدي، عبد الكريم القواسمي، عبد الهادي الصباغ، هشام هنيدي، والسوريون: عبد الرحمن ال رشي ، سامر المصري، باسم ياخور، مرح جبر، سهيل جباعي، رضوان عقيلي،  رفيق علي احمد، فايز ابو دان، ندين خوري، سعد مينة، حسن الجندي، جيني اسبر، الن زغبي، ، هاني الروماني، تيسير ادريس، فايز قزق، لقمان ديركي، نسرين طافش، وعشرات الممثلين الأردنيين والسوريين والمغاربة.

التعليق