نافع: اشكالية المسرح العربي اساسها أزمة النص

تم نشره في الجمعة 15 تموز / يوليو 2005. 09:00 صباحاً
  • نافع: اشكالية المسرح العربي اساسها أزمة النص

مخرج مسرحي يؤكد حاجتنا إلى صياغة مفاهيم للمسرح

 

حاورته: كوكب حناحنة

اعد واخرج المخرج الاردني حسين نافع للمسرح العديد من المسرحيات، منها "الطاعون"، "يرما" للوركا، "سلومي" لاوسكار وايلد، "الآنسة جوليا" لاوجست سترندبرغ، وآخر أعماله "قبعتان ورأس واحد" لمؤنس الرزاز، ويحضر حاليا للجزء الثالث من ثلاثية لوركا التراجيدية "البيت برنارد ألبا". عمل مقيّما للنصوص في مهرجانات مسرح الشباب بالاضافة إلى عمله في اللجان العليا لمهرجانات مسرح الشباب وعضوا في لجان التحكيم في مهرجانات جامعة فيلادلفيا وصيف الزرقاء المسرحي الاول. شارك في العديد من المهرجانات المحلية والعربية وفي الندوات النقدية. "الغد" التقت المخرج نافع وكان الحوار التالي:

* الحركة المسرحية نمت وازدهرت في عقديّ الستينيات والسبعينيات، ويؤكد كثيرون انها تراجعت في الآونة الاخيرة، هل لك ان تفسر لنا سر هذا التراجع؟                                                                              

لا استطيع الحكم على مرحلة لم أعشها وبنفس الوقت لا استطيع القول ان الحركة المسرحية قد تراجعت في الوقت الحالي، لانه في الحالتين تقييم النجاح او الفشل قائم على عوامل غير موضوعية تتعلق بالاحصاء والتعداد والكرنفالية الشكلية النابعة من البيروقراطية المؤسسية ونظام واعراف وتقاليد وأفكار بالية حول ماهية المسرح وجنسية النص وازمة الهوية، وهي الازمة التي ورثها جيلنا من رواد المسرح في السبعينيات والثمانينيات، حيث كانت اشكالية المسرح العربي تدور حول ازمة النص والبحث عن صيغة لمسرح عربي، وهي اشكالية ليس لها علاقة بوظيفة المسرح وجوهره وعلاقته بالجمهور.

ما زالت اثر هذه الهواجس مسيطرة على تفكير المؤسسات الرسمية الداعمة للمسرح بشكل يتفق معها في الدوافع ويختلف معها بالآلية (دعم النص المحلي بأي ثمن)، مما حصر هواجس المسرحيين في هذه الاشكالية التي تتعلق بعلاقة المخرج بالنص القائمة على علاقة غير حميمة، وحصر هدفها بفرضية العمل، الامر الذي راكم العديد من التقاليد والمنتجات لفعل المسرح والتي تحصره بالشكلانية الفردية والمؤسسية باكتشاف ثقافتنا او هويتنا "الوطنية".

كيف ترى اذن الواقع المسرحي في الماضي وفي الوقت الحاضر؟

في الحالتين، الماضي والحاضر، غابت هواجس عن ساحتنا المسرحية، وغاب كل ما هو جمالي من تنظيرنا ومواقعنا المسرحية، وغاب هدف صياغة الجمهور وجدانيا وعقليا، وغيبت حقيقة مفهوم انسان المسرح الباحث دوما عن الحقيقة التي تبهر الانظار وتم فصم العلاقة بين المسرح كمفهوم وهدف ليصبح وجود المسرح في شكله المؤسسي المتراكم اهم من ماهيته وهدفه وعلاقته بالانسان والحياة والكون.

في ظل ما تطرحه، كيف تنظر الى واقع المهرجانات ودورها في دعم الحراك المسرحي الاردني؟

لقد عمل الكثيرون باخلاص طوال اعوام على اقامة اشكال كرنفالية للمسرح (المهرجانات)، وفي نفس الوقت عملوا على تقويض المسرح وقلب اسسه ومفاهيمه وجوهره داخل هذه الاشكال الكرنفالية، الامر الذي يشبه قانونا يجيز لك ان تفتح دكانا لعرض البضائع، لكنه في نفس الوقت يمنعك من ان تبيع هذه البضائع.

لدينا في الاردن مهرجانات مسرح، وليس لدينا حالة مسرح او مؤسسة مسرح نابعة بقراراتها وأهدافها من المسرحيين، وتشكل استقلالية للمسرحيين وتمنحهم حرية الحركة والفكر، وهذا الغياب لمؤسسة مسرح مستقلة، مقصود بفعل جهد كثير من المسؤولين والبطانة المحيطة بالمسؤولين التي ترتعب من فكرة مؤسسة مسرح مستقلة، لانها ستفقد الكثير من امتيازاتها ونفوذها ووجودها الشكلي الاعتيادي ومصالحها القائمة على ان يبقى كل شيء كما كان، ويتجسد ذلك من خلال مهرجانات المسرح القائمة على تعليمات لم تنبع اصلا من المسرحيين ولم تعرض عليهم او يؤخذ رأيهم بها.

للاسف المؤسسة الثقافية الرسمية تخلط وتجهل الفرق بين المسرحي والفنان الذي يعمل بالفن، والمهرجانات فتحت الابواب امام كثيرين من الادعياء الذين قامت علاقتهم بالمسرح كحالة عابرة في حياتهم، كما ان المهرجانات دولت وشيعت المسرح لدرجة ان الحقيقة تاهت بين المسرحي او انسان المسرح، وبين اولئك الذين يعتبرون المسرح منبرا للظهور او العلاقة العابرة الواهية.

مرت اعوام طويلة على انطلاق الحركة المسرحية الاردنية، هل طور المخرج الاردني خلالها ادواته الاخراجية؟ وهل تغيرت ظروف العمل المسرحي؟

ظروف المسرح لم تتغير منذ سنوات طويلة وهي عوامل، سواء كانت من حيث الدعم المالي او الوقت المتاح للعمل، تقود الى تقديم اعمال تتفاوت من حيث حرفيتها، لكنها جميعها تستعرض وتعرض الامكانات الحرفية للفنان المسرحي. لا جديد تحت الشمس في المسرح. لا ممثل ساحر ولا تقنية اداء مكتشفة. لا مخرج مدهش بادوات عرض جديدة .لا علاقة جديدة بالمتفرج. مخرجون يتكررون بأدواتهم وصيغهم المسرحية. تكرار آخر للممثلين، وبعضهم كان منذ وقت قريب مخرجا كامتداد لمجتمع الشللية الفنية فقط. ما تغير هو الاقنعة والملابس والمكياج والموضوعات.

ماهو دور المسرحيين المسكونين بهاجس المسرح في ظل هذه الاوضاع؟

القوى المتواطئة في الواقع صاحبة القرار في المسرح، واغلبها تمثيل لموقع اعتباري وضعت اقدامها وقوّت دعائمها وطورت من اساليب قدرتها على البقاء والاستمرار بحيث عملت كقوة طاردة للمسرحيين الحقيقيين من المشهد المسرحي، اما بالهجرة او الاعتكاف في البيت ومراقبة المشهد عن بعد، واما ببث احساس الغربة عن الواقع واليأس والاحباط. ثمة من لا يزال يقاوم ويصر على الاستمرار، لان المسرح هو شكل من اشكال تشبث المسرحي بالحياة.

هل ترى ان المؤسسة الرسمية من واجبها دعم النص المحلي؟

النص المسرحي اما ان يكون نصا مسرحيا او لا يكون، وبالمثل ان يكون الشعر شعرا او لا يكون، وايضا الاوبرا والباليه والرواية واللوحة التشكيلية، اما ان تكون فنا او لا تكون، نحن قطاع علاقتنا بفن العرض المسرحي من مخرج وممثل واضاءة وديكور وملابس الى آخره، بمعنى ان مهنتنا لها علاقة بالعرض الحي القائم على ماهو بصري وسمعي، والمسرحي يرتبط بالمحتوى الفكري والانساني الذي يتضمنه النص، كما ان المتفرج في العرض المسرحي في لحظة مشاهدته للعرض معني بالحياة والفكر المجسد امامه على الخشبة لا بجنسية او هوية النص.

النص المسرحي يرتبط بالابداع الادبي، لا بفن العرض المسرحي، ويعتبر النص مادة اولية للعرض وليس هو هدف العرض. مهمة دعم النص المحلي ينبغي ان تكون من اهتمامات رابطة الكتاب وليس المسرحيين، كما ان سياسة دعم النص المسرحي بأي ثمن لم تخضع للتقييم منذ اعوام طويلة، ودائما كنا نرى نصف الكأس الممتلئ ولم ننظر للنصف الفارغ، حيث ان هذه السياسة قادت الى استسهال الكتابة للمسرح، وهو نفس السيناريو الذي قاد انهيار الدراما التلفزيوينة بعد منتصف الثمانينات، عندما كانت الكتابة للتلفزيون متاحة لكل من يعمل بالدراما التلفزيوينة. كما ان فرض العديد من اسماء الكتاب بشكل مكرر ولاكثر من سبعة اعمال قاد الى تنميط المسرح وفناني المسرح من مخرج وممثل باختلاف الاسماء والموضوعات فقط.

أيضا، ليس كل موضوع يصاغ بلغة الحوار يعتبر مسرحا. ثمة كثير من النصوص المحلية هي عبارة عن موضوعات مصاغة بلغة الحوار وتفتقر للكفاية المسرحية لصالح التوهيمات والعبارات الادبية على حساب الفعل ورسم الشخصية واكتشاف الحياة لان كتابها ليسوا دراميين بالاصل، وانما كتّاب جاءوا من حقول ادبية اخرى كالرواية والنقد الادبي وكتابة المقالة.

وانا اؤمن ان خلق حياة على خشبة المسرح يتطلب مؤلفا موازيا لعمق وتنوع الحياة، ان لم يكن راصدا فريدا للقوة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي تصوغ الانسان وتخلق تناقضاته وتضارب اراداته وهذا يتطلب من المؤلف التنوع الثقافي الهائل والخبرة الاجتماعية التي لا تقتصر على مكان بعينه.

إلى جانب ذلك، فإن الكاتب المحلي ينشغل بصياغة موضوع اكثر من انشغاله بابتكار شكل فني مسرحي لصياغة الموضوع، بحيث اصبحت النصوص المسرحية اشبه بسلسلة من المسلسلات التلفزيونية التي تكرر مقولاتها وتحدد فضاءها المسرحي المقتصر على الحرفية المسرحية والمقولات السياسية التقليدية.

وينبغي التذكير بأن النص المسرحي عندما ينتقل الى فريق عمل مسرحي يتجزأ ويتوزع على مجموعة من الفنانين، احدهم الممثل الذي سيؤدي شخصية من شخصيات النص والذي يبقى اداؤه محصورا برسم الشخصية التي كتبها مؤلف امتلك لغة بلاغية، ولكنه افتقر الى الرسم الدرامي للشخصيات، بدليل اننا كمسرحيين نتذكر اسماء كتاب نصوص محليين، لكننا لا نتذكر اسماء عظيمة لشخصيات درامية ابتكرها مؤلف محلي وجسدها ممثل كبير مثل شخصيات هاملت، عطيل، كاليجولا، دون كيخوته، جان دارك، يرما، روميو وجولييت، الكترا، الملك لير، وغيرها من الشخصيات التي حملها او حلم بها الكثير من الممثلين العظام، فالمسرح لا يستطيع تقديم ممثل عظيم، دون شخصية درامية عظيمة، والمخرج لا يستطيع تقديم عرض مسرحي ذي مستوى جمالي وفني عال دون نص يحتوي على مادة فكرية وانسانية مصاغة مسرحيا بفرادة وامتياز ان لم يكن نصا اشكاليا مثيرا للخيال على نحو فريد.

نحن في حاجة الى اعادة صياغة مفاهيمنا للمسرح: ما هو المسرح؟، ومن هو المسرحي؟، ما النص المسرحي؟، ما الذي نريده من المسرح؟، علاقة المسرح بالجمهور، علاقة المسرح بالخيال، اذا اجبنا عن هذه الاسئلة تحددت لنا ملامح وظيفة وحاجة مؤسسة المسرح وبرامجها واهدافها.

التعليق