الحياة البعيدة عن الملل يمكن أن تحسن الذاكرة

تم نشره في الخميس 14 تموز / يوليو 2005. 10:00 صباحاً
  • الحياة البعيدة عن الملل يمكن أن تحسن الذاكرة

وفاء أبوطه

   ‏عندما يفتقد الفرد الرغبة في الابتكار والابداع‏,‏ ويقضي وقتا طويلا دون بذل نشاط جسماني‏,‏ سيؤدي ذلك لتدفق افكار متلاحقة‏,‏ كما لو كانت شريطا من الذكريات للحوادث المؤلمة‏,‏ وسيسترجع الفرد ضغوط الحياة اليومية ومشكلاتها التي يصعب حلها‏,‏ والاستغراق في هذه الأفكار يثقل الانسان جسمانيا ،فلا يتذكر ما مر به في يومه من أحداث بسيطة نتيجة لانشغاله بتلك الأفكار السلبية.‏

   الدراسات أكدت أن الحياة المملة قد تؤدي إلى نسيان الأحداث اليومية  وتذكر الأحداث الأليمة القديمة, وأسلوب الحياة النشط البعيد عن الملل بامكانه أن يحسن من قدرة الفرد على استعادة واستدعاء الأحداث سريعا, وتبرز هنا عدة أسئلة فهل يحتفظ الانسان بكل ذكرياته أم ينساها ويبقى محتفظا بالمعلومات التي يكررها دوما؟ وهل يمكن تنمية الذاكرة وتقويتها؟

    تعرف اختصاصية علم النفس د.الهام شكري زيادة النسيان بأنه عدم استحضار معلومة من المعلومات عند الحاجة إليها, والسبب عدم تركيز الفرد على المعلومات، وسطحية تعامله مع مفردات تفاصيل الحياة, فيترتب على ذلك عدم استقرار المعلومات المكتسبة , وبالتالي إصابته بداء النسيان المزمن, مشيرة إلى أن الفرد قد ينسى بشكل خارج عن إرادته وهذا مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية على الإنسان في حالة إصابته بالمصائب والأوجاع والشدائد , حيث أن هذا الإنسان لو لم ينسَ هذه المصائب لكانت حياته مظلمة بكل أبعادها وتفاصيلها وسيجد صعوبة بالغة في الاستمرارية بسبب عدم النسيان.

    ولذلك ترى د.زيادة أن النسيان نعمة طالما أنها لا تؤثر سلبيا على سلوك الفرد, وتعرف مصطلح الذاكرة بالدوام النسبي لآثار الخبرة, مشيرة أن الذاكرة والتعلم يتطلب كل منهما وجود الآخر، فبدون تراكم الخبرة ومعالجتها والاحتفاظ بها لا يمكن أن يكون هناك تعلم, وبدون التعلم يتوقف تدفق المعلومات عبر قنوات الاتصال المختلفة وتتحول الذاكرة عندئذ إلى ذاكرة (اجترارية) وتلك علامة مرضية خطيرة.

    وتنصح د.زيادة بتقوية ذاكرة الانسان عن طريق التركيز على المعلومات عند التعلم والحفظ من خلال الانتباه والتوجه الجاد , وعدم تحمل المسؤوليات الكثيرة لأنها تسبب حالة من الارباك والتعب البدني والذهني، وهذه القضية تخلق أرضية مناسبة للنسيان. فمن الأفضل التقليل من هذه المسؤوليات للتقليل من حالة النسيان, وتؤكد د.زيادة على ضرورة التنظيم في حياة الإنسان فالذي ينظم حياته يعيش حالة هادئة ومرتبة في إدارة الأمور، وهذا ينعكس على قوة التفكير وقوة الذاكرة ايجابياً بحيث يكون النسيان نادراً جداً لديه.

    ويبين د.محمد خيري لبادة (طبيب عام) آلية عمل الدماغ بأن الخلايا, والسكريات, والشحوم, والبروتينات تتغير باستمرار في جسم الانسان, ولكن شيئا واحدا له صفة الديمومة والاستمرار وعدم التغير وهي الخلايا العصبية , وهذا شيء مهم للغاية لأن مفتاح السر في موضوع الذاكرة يبدأ من هذه النقطة, وهي أن ثبات الخلايا العصبية يجعلها تزيد من تكديس الذاكرة لحظة بعد لحظة, ولو تغيرت الخلايا العصبية كباقي خلايا الجسم, فان هذا يعني أننا سنبدأ بتعلم اللغة من جديد كل ستة أشهر!

    إن الذاكرة معقدة بانواعها ولا نتصور انها فقط تلك الاشياء التي نقرؤها أو نسمعها ثم نسجلها في قائمة الذكريات, ويرى د. لبادة أن أبسط أنواع الذاكرة تلك المرتبطة بتذكر ما يحدث معنا بشكل عادي , ويقسّم الذكريات فمنها ما هو خاص بالمرئيات, ومنها ما هو مرتبط بالمسموعات , وقد تكون خليطا من اثنين أو أكثر وهكذا تختلف نسبة الخلط في الذكريات, ثم إن نفس الذكريات قد تكون من النوع الخاطف , ويذكر د. لبادة مثالا على ذلك ركوب الانسان سيارة , فيقع نظره بسرعة كبيرة على منظر سيارة متهشمة, أو على شاب غريب الاطوار , أو على إعلان مميز ملون, فتنطبع هذه اللقطة السريعة فورا في الذاكرة وتضاف الى ما تم تكديسه سابقا من ذكريات, ويمكن استرجاعها فيما بعد.

     ويتعلق نوع آخر من الذاكرة باتقان الاعمال والمهارة , مثل المشي وركوب الدراجة, والركض, وقيادة الدراجة النارية , أو السيارة , فالدماغ يقوم أولا بفهمها وتعلمها ثم ارسال الأوامر إلى العضلات المناسبة لتقوم بها, وعندما يزداد التمرين والاتقان, ترسل نسخة من هذه الذكريات إلى النوبات القاعدية في الدماغ حتى يسير هذا الامر بشكل آلي, فلو ركز السباح نظره على الأفعال التي يقوم بها فقد يغرق, أو ركز الخطيب على الكلام أثناء الخطبة أو النقاش لتلعثم وهكذا.

    وعن ذكريات الطفولة أو الأحداث قريبة الاجل يقول د. لبادة ان الانسان العادي ينسى ما فعل منذ ساعات قليلة, ولكن الذاكرة القوية في الطفولة تطبع حتى أبسط الحوادث العادية ويتذكرها الانسان فيما بعد بشكل واضح يدعو إلى الدهشة والاستغراب.

    وتنطبع المرئيات والمسموعات في الدماغ كما تنطبع الصورة على جزئيات الفضة في لوحة التصوير كما أفاد د.لبادة , وتجتمع الجزيئات المتفرقة لتعيد تشكيل المنظر الذي رآه الانسان , ومن خلال هذه الكميات الهائلة من الذاكرة يبدأ العقل بإيجاد صور جديدة فهو يتخيل الجن على صورة معينة , وهكذا تبرز خاصية جديدة من خصائص الجهاز العقلي وهي خاصية التخيل.

     وفي نفس السياق قال باحثون ان الحقائق التي ينساها الانسان خلال يوم حافل بالعمل ربما يمكن استرجاعها اذا أعقب ذلك النوم بشكل جيد,  وقال الباحثون في تقرير لدورية نيتشر العلمية ان المخ يمكن ان يسترجع خلال الليل الذكريات التي كادت ان تنسى, وعندما يطلب من المخ تذكر شيء لاول مرة تكون هذه المعلومة في حالة "غير مستقرة" وهو ما يعني انها ربما تكون قد نسيت. وفي مرحلة ما يضع المخ المعلومات المهمة في حالة اكثر استقرارا وثباتا. لكن الباحثين يرون انه من الممكن ان تعود الذاكرة المستقرة الى حالة عدم الاستقرار مرة اخرى عندما يتم استرجاعها, ويعني ذلك ان الذكريات يمكن تعديلها وحفظها مرة اخرى عند مواجهة تجارب جديدة.

التعليق