مطعم الهنيني.. الأكل المناسب في المكان المناسب

تم نشره في السبت 25 حزيران / يونيو 2005. 10:00 صباحاً
  • مطعم الهنيني.. الأكل المناسب في المكان المناسب

رأفت سارة

    عمان - كثيرة هي الأشياء التي تستوقفك في شارع سقف السيل الشعبي الذي يعتبر الإفراز الحقيقي لأمزجة وأهواء بل للشخصية الأردنية نفسها بكل تفاصيلها الحقيقية.. وبلا رتوش.

"حمام النصر, دور السينما القريبة, حركة البيع والشراء.. انتظار الباصات والسرفيس."

وبالطبع لا بد من التوقف طويلا عند ما يسد جوع يوم من المسير والبحث بين ركام المعروضات.. انه الأكل "البطل المغوار" الذي يستوقفك بناء على أوامر من جهاز صغير اسمه "المعدة" ليقول لك املأني وإلا..

.."والأكل نفس" بفتح النون والفاء، ويعني ذلك الطبخ بروح ونفس رائق ليكون المذاق لذيذا وهذا ما يتقنه مطعم "الهنيني" الذي يحكي سيرة عائلة لها "نفس" ومذاق خاص في الأكل. كيف لا وهي العائلة التي أنيطت بها مهمة الطبخ وإنارة الحرم الإبراهيمي من بين عائلات كثيرة في المدينة التي اعتادت التفنن في الطبخ أبا عن جد و"شوربة النبي إبراهيم" خير شاهد على "نفس" أهل مدينة الخليل في الأكل. وهذه الشوربة تصنع يوميا وتقدم بعد صلاة الظهر للتبرك بسيدنا إبراهيم والسيدة سارة زوجته وقوامها القمح الذي يخلط بالماء في أوان طبخ كبيرة يسمى الواحد منها الـ "ديست" وهو إناء يتسع لنحو عشر ذبائح, ويقوم بالطهي عادة أناس متطوعون تابعين للجنة الأوقاف الإسلامية ومن مختلف العائلات.

    ويأتي التبرع بالقمح خلال التبرعات الشخصية للمحافظة على هذه العادة التي درجت بجانب مقام الأنبياء "إبراهيم وأبنائه اسحق ويعقوب ويوسف وبعض زوجاتهم", وكون المدينة هي مدينة خليل الرحمن فان محصول القمح يعتبر محصولا نابعا من محصول إبراهيم الخليل عليه السلام.

   الحاج سعيد الهنيني واحد من أفراد مدينة تحتفي بالطبخ وتقدره ولهذا لم يكن غريبا ان يشترك مع سعدي والحاج نور والمرحوم الحاج صادق عبد الله الهنيني في إنشاء مطعم "الشعب" في منطقة خان الخليلي أو ما يعرف شعبيا بسوق الحرامية، ومنه افترق "الحاجان" صادق وسعيد ليتفرغ كل منهما لإنشاء مطعمه الخاص فاختار المرحوم صادق "أنوار مكة" القريب من المدرج الروماني فيما اتخذ الحاج سعيد من المكان الذي يتوسط حمام النصر وسينما الحمراء مطعما يقوم على رعايته الآن أبناؤه بعد ان تقدمت السنين بالحاج سعيد، وهو البالغ من العمر 76 عاما، وتسلل المرض إلى الجسد المنهك فأقعده المنزل طمعا في مزيد من السكينة والتفرغ للعبادة.

 

    وبدأ مطعم أنوار القدس - الهنيني أعماله بتقديم الفول والحمص ومشتقات الإفطار صباحا، فيما كان يقدم الخضار على مائدة الغداء التي كانت تحوي السبانخ, الملوخية, الفاصولياء, وغيرها مما تسمح جيوب الناس بشرائه في الستينيات والسبعينيات، ثم تطور الأمر فادخل للمطعم شواية الدجاج والمشاوي بشكل عام وحديثا تم إدخال الشاورما لتزين مع الفوارغ والمقادم والمناسف والمقلوبة وغيرها الموائد التي يقدم عليها ويحبها عامة الشعب وكثير من الزوار العرب والأجانب الذين تأثر عددهم كثيرا بسبب الانتفاضة الفلسطينية والحرب العراقية، وحتى الكساد الاقتصادي المحلي، ناهيك عن انخفاض إعداد المرتادين لدور السينما بسبب الفضائيات والسيديات او المقبلين على الحمامات الشعبية والذين كانوا يشكلون رافدا حيويا للمكان بشكل عام.

   ويستذكر عيد الهنيني ابن الـ 41 عاما تاريخ المطعم بالقول: "كان اسم المطعم فروج عمان، العائد لعثمان الصفدي واحمد محمد نوفل، وقد اشتريناه بالكامل. وفي مطلع التسعينيات تم دمج فروج عمان والهنيني في مطعم واحد بدأ بباب واحد قبل ان يتوسع ويكبر حتى اتخذ من شكله الحالي مقاما نهائيا هو ما ترونه الآن".

   ويضيف: "بعد عام 2000 تراجع الوضع الاقتصادي كثيرا فقلت حركة أبناء فلسطينيي الداخل الذين كانوا يزورنا بكثرة, وحتى حركة العراقيين قلت، وقد كانوا مطعم "عاصفة الصحراء" يلتقون في عمان بخاصة وان كثيرا من أبناء العراق كانوا حاصلين على الجنسية الكويتية وحتى تتم لحمتهم مع أبناء جلدتهم كان لا بد من وجود مكان يضمنهم فكانت عمان هي الصدر الحنون الذي ضمهم، ولهذا فقد شهدت حركة مزدهرة مطلع التسعينيات ما لبثت ان خبت الآن".

    ويكمل: "وأثرت ضريبة المبيعات على القوة الاستهلاكية للمواطن الأردني بشكل عام فما بالك بمطعم شعبي في مكان شعبي، مما قلل عدد الزبائن الذين يريدون السعر الأرخص دائما, فالمواطن الشعبي يعيش ظرفا خانقا أما مواطن الأحياء الراقية فلا يهمه لو ارتفعت ضريبة المبيعات طالما كانت جيبه عامرة بالنقود".

   وما يلبث عيد ان يسخر من متطلبات المواطن الشعبي بالقول: "كان محلنا بابا واحدا وكانت لدينا مروحة واحدة ولم يكن المواطن يشتكي، أما  الآن فان المحل غارق بالمكيفات ومع ذلك الشكوى والطلبات لا تنقطع, والمطلوب توفير كل شيء لمواطنين زاد وعيهم "البيئي والصحي" بسبب الفضائيات ولو على حساب هامش ربح التاجر البسيط. فيما هم يتذمرون من كل زيادة بل ويطلبون أحيانا تخفيضات مع ان اللائحة ذات تسعيرة موحدة".

وتمت توسعة المطعم الذي يفتح من الساعة السادسة صباحا وحتى الحادية عشرة مساء على ثلاثة مراحل ليستوعب حجم الزيادة الشعبية على مكان ظل محافظا على نكهة طعامه ورخص أسعاره وجودة خدماته.

(تصوير اليسون مونرو)

 


التعليق