سينما عمّان القديمة.. التاريخ لا يكفي للصمود في وجه التكنولوجيا

تم نشره في الاثنين 20 حزيران / يونيو 2005. 10:00 صباحاً
  • سينما عمّان القديمة.. التاريخ لا يكفي للصمود في وجه التكنولوجيا

"الحمراء" و"ريفولي" تبحثان عن مرتادين

        رأفت سارة

    عمان - ارتدت الأقراص المدمجة (سي. دي) والفضائيات ثوب الجزار "عشماوي"، وباتت جاهزة لتنفيذ حكم الاعدام بدور السينما.. الشعبية على الأقل.

    مراحل تنفيذ الحكم "العشماوي" بدأت لما صارت أجهزة الفيديو رفيقاً دائماً للتلفاز على طاولات المنازل. وحمل العقد الاخير مفاجأة غير سارة لتلك الدور، بعدما تفرغت الفضائيات على مدار الساعة لخوض الحرب مع تلك الدور السينمائية التي تلقت طعنة نجلاء صوبتها بإحكام تام أقراص السي دي التي انتشرت في شوارع البلاد ومحلاتها انتشار النار في الهشيم.

    ورغم إخفاق دور السينما في الامتحان، لارتفاع أسعار عروضها اليومية، الا ان جمهوراً عريضاً كان لا يحلو له السهر إلا على مشاهدة الأفلام وسط عمان، قبل الانتقال إلى المطاعم الشعبية لختم أمسيته بالمسك. لكن الجمهور اليوم يبدو أنه قد أشاح بظهره عن تلك السينمات، التي يبدو انها قريبة لأن تصبح اثراً بعد عين.

    وتعبر "سينما الحمراء" القريبة من شارع سقف السيل بوضوح تام عما آلت اليه أوضاع تلك الدور التي أفقدتها حروبها مع "التكنولوجيا" صوابها وكيانها العام.

    ويصف متضمن السينما حالياً عبد السلام شاهين (64 عاماً) الوضع راثياً ايام العز القديم بالقول: "احياناً كانت الناس تحضر في طوابير لتشغل اكثر من 500 كرسي في الصالة واللوج. الآن نحن نقتات على الذكريات فقط".

    ويضيف الرجل الذي تكاد الدمعة تفر من عينيه بعدما تأخر في الزواج وترك 10 سنوات من العمل في المانيا هباء: "اغراني ذاك الحضور عندما كنت مديراً للسينما لمالكها ميشيل صقلي الذي بناها عام 1961 فتضمنتها منه. والآن يترتب علي دفع أكثر من 80 الف دينار كضرائب وضمان وأجور عمال وشراء افلام اصلية ولا يدخل العرض اكثر من 30 شخصاً في اليوم. انني اخسر.. وأصحو لاخسر فقط"، ويكمل: "لقد رفعت دعوى قضائية ضد المالكين للدار بعدما أعطيتهم 290 الف دينار عن ضمان سبع سنوات، والآن انخفضت الايرادات وبالكاد يمكنني اعالة اولادي الاربعة الصغار".

     وشيئاً فشيئاً، تنجلي نوبات الهم والخجل عن شاهين الذي رفض التصوير، فطفق يحدثنا عن الايام التي كانت فيها افلام "شاهن شاه" لاميتاب بتشان و"سنجام" و"من اجل ابنائي" و"ماسح الاحذية"، يستمر عرضها لاسابيع عدة، هي وافلام بروس لي التي تثير الخيال والحب في الجيل المحب للسينما الغربية. اما المحبون للنجوم العرب فقد كانت افلام فريد شوقي, محمود المليجي, توفيق الدقن, نايا لطفي, سامية جمال واسماعيل يس وغيرهم تجد اقبالاً كبيراً من الجنسين". ويكمل: "كانوا يحضرون الأمسيات فرحين مبتهجين يشترون المشروبات الغازية والبوشار والترمس ويشربون الشاي والقهوة، ويغادرون احياناً نحو مطعم فؤاد لاكل الساندويشات... "كانت ايام"!  الوضع الآن تغير. "زمان" كان سعر التذكرة قديماً خمسة قروش، ثم صار عشرة ثم ربع دينار ووصل لدينار كامل قبل ان يعاود الهبوط احياناً مع كل امل في جلب زبائن لم تعد يغريهم وضع صور مثيرة او افلام قديمة وغيرها، بعدما امتلأت عيونهم من ذلك من خلال الفضائيات والسي دي.

     وتقوم دائرة المرئي والمسموع بوزارة الاعلام بعمل حملات تفتيش على دور العرض، وفي وجود صور افلام قديمة واكشن بالقول بأن الدار لا تخالف التعليمات ولا تستخدم الفيديو سي دي لعرض الافلام، وبدلا من ذلك يتم شراء افلام يتم عرضها على ماكنات عادية بمساعدة بكرات تدار على اسطوانات تحركها عجلات.

    أما دور العرض المتطورة فتعرض الآن عن طريق دولبي اوديجتال كما يشير سامي الكلباني ابن الـ 57 عاما الذي تقاعد من ثلاث سنوات، لكن حنينه للسنوات الأربعين التي قضاها وراء "الاوبورتير"، آلات تشغيل الافلام، تجعله يداوم على زيارة تلك الآلات التي علاها الغبار الذي مسح ايضا صور نادية الجندي وفاتن حمامة وغيرها من نجمات زمان.

    بدأ سامي العمل بتسعة دنانير في زمن كان فيه الدينار "يتكلم عربي"، وخرج من المهنة براتب 195 دينارا لم تكن تكفي بالطبع لإعالة 11 ابنا، لكن زحمة العمل في الحفلات التي تقام صباحا وعصرا ومساء، أنسته ان يبحث عن مردود آخر يتلاءم مع خبرته في ادارة وتصليح الراديو والتلفاز، ومن ثم آلات السينما التي وجد فيها متنفسا لمواهبه الفطرية في التعامل مع الكهرباء والميكانيك، فاكتفى بالوقوف وعرض الافلام.

وفي مساحة اقل من مترين، يوجد درج حلزوني مكوّن من 30 درجة خشبية محاطة بسوار حديدي كان يوصل سامي للآلات التي يضع عليها افلامه التي يحفظ كل جزئية فيها.

   وأفنى عبد السلام عمره سدى كما يقول، وهو يقدم الافلام السنيمائية لجمهور لم يعد يتذكر من السينما الا اسمها، فيما جمهور آخر يزورها لتمضية الوقت، كما يفعل محمود، الرجل الخمسيني الذي يعمل ليلا ويحتاج لقضاء نهاره في مكان منعزل مظلم ليبعد أحزانه عن الناس. فهو بلا ولد او تلد، ويبدو ان طلاقه من زوجته جعل من السينما أنيسه الوحيد.

    ويلفت نظر المارة بسقف السيل وجود عجوز لم يترك الشعر الأبيض لنظيره الأسود خيارا غير الرحيل، يجلس خلف كرسي بمقدمة سينما ريفولي التي اشتراها في العام 1976 احمد زايد (82 عاما) من مجموعة التجار المستثمرين، لتبدأ العمل من جديد عام 1979، على امل تحقيق ربح وفير تحققه احيانا، لكنه خبا أخيرا بسبب الضرائب التي اقتصت منه ربع مليون دينار عام 1985، بينما الانفاق على عشر بنات وسبعة ابناء يحصد الجزء المتبقي بالكاد. وزايد الآن يرى أن هذه المهنة "مش جايبة همها".

     واشتهرت السينما كثيرا عندما تم تفجيرها مرتين عام 92 و 94 لأغراض ارهابية دفع فيها زايد اكثر من 70 الفا لإصلاح الأضرار التي لحقت بدار العرض التي يؤمها المراهقون عادة طمعا في مشاهد ساخنة يرى زايد ان في الحياة العادية ما هو اثمن منها، ويقول: "اذهب احيانا إلى اماكن وأشعر بالحرج. هناك شبان وفتيان يرتدون ملابس قد لا تراها بالافلام"، ويضيف: "اشياء كثيرة تغيرت. السي دي والفضائيات علّمت الناس كل شيء ولم يعد للسينما أي دور ضار من هذه الناحية، فنحن نقدم افلاما عادية وليست ساخنة بالكامل. لكن افيشات الافلام تثير. ان صعدت للاعلى فلن تجد شيئا. كل شيء خاضع للرقابة".

    وزايد، الرجل المواظب على الصلاة والذي نادرا ما يشاهد التلفاز اصلا، مستمر في عمله. فهو في النهاية باب رزقه الوحيد الذي أخبره  ابناؤه والقائمون على السينما بأن الوضع الاقتصادي والعائدات تزداد سوءا، ولهذا بات يداوم منذ نحو شهرين ليعرف مواطن الخلل في دار العرض العتيقة، التي يبلغ عمرها 160 عاما. فهي معمرة على ارض لجده حمد منذ قرن ونصف تقريبا.

    ويشير زايد الى انه لا يقرأ ولا يكتب، لكنه يعرف الأصول كثيرا ويراعيها، ولهذا فهو لا يسمح بعرض مشاهد حميمية كما نفى اي وجود " للزعران" في سينماه.

     وينحدر زايد من عائلة أصولها مصرية عاشت في عمّان منذ زمن طويل وعملت بتربية الأغنام والاتجار بها قبل ان تتعدد أراضيه وأملاكه التي يرعاها بنفسه وهو يؤكد باعتزاز انه يعرف تاريخ عمّان والشارع تماما، كما يعرف ما الذي تقدمه السينما التي يديرها. وعليه فهو لا يسمح بأي تجاوزات مخلة بالآداب وان ما على واجهة العرض ما هو الا "ديكور" لجلب الزبائن الذين بات عددهم قليلا جدا بسبب سيطرة السي دي والفضائيات على "الجو كله"!.

(تصوير: ساهر قدارة)

التعليق