الينابيع : حكاية عشق بين الانسان والماء

تم نشره في الأربعاء 15 حزيران / يونيو 2005. 10:00 صباحاً
  • الينابيع : حكاية عشق بين الانسان والماء

      تغريد السعايدة 

الغد - إن عين الماء أينما وجدت تمنح المكان روحاً وحياة وتجمع حولها الباحثين عن الرزق والكلأ وهي العيون التي يرى من خلالها الباحث عن الحياة، الحياة نفسها، فمنذ القدم والحضارات تقوم بالقرب من مواقع تواجد الماء وتكون الأنهار وعيون الماء اللبنة الأساسية للحضارات أينما قامت ونشأت.

    وكانت العرب منذ الأزل وخاصة الرُحّل منهم كانوا ينصبون بيوتهم ويفترشون الأرض بالقرب من عيون الماء التي لا تتوانى عن ذرف دموعها لري العطشى الحاجين إليها من كل حدبٍ وصوب، وكانت معظم القبائل البدوية المتنقلة تستقر بالقرب من عيون الماء للحصول على الماء الوفير وري مواشيهم التي كانت مصدر ثروتهم ورزقهم، وفي حر الصحراء وقسوتها تأتي عيون الماء لتخفف من وطأة العطش وضنك الحياة على ساكني الصحراء وكأنها خيوط الماء التي تسير وسط نيران الرمال الذهبية اللاهبة، وعندها يقرر السائرون في رحلتهم التي ربما استغرقت أياماً وأسابيع البقاء ومجاورة عين الماء ليروا منها رزقهم ومستقبلهم إلى حين.

      يمنحك الصوت المنادي من عيون الماء الشعور بعظمة الحياة التي لا استمرارية لها إلا بهذا الماء وتعطيك شعوراً بالأمان وأنت بقربها "فالماء أعز مفقود وأهون موجود" كما قيل ويقال دائماً عند الحديث عن الماء وقد تردد ذكر عبارة عيون الماء أو عين الماء كثيراً في القرآن الكريم وفيها من التحبب والترغيب الى نفس الإنسان الباحث دائماً عما يشرح الصدر والخاطر، قال تعالى في القرآن في وصف بعض مظاهر الجنة "عيناً فيها تسمى سلسبيلا" وسلسبيل هي اسم إحدى عيون الماء في الجنة، فالنفس الإنسانية الطبيعية دائمة البحث عن الماء وعيونها رغبةً في استمرارية الحياة والطبيعة.

       ومن أعظم وأشهر عيون الماء على مر التاريخ هي "عين ماء زمزم" التي جعلت من ارض مكة مكاناً تدب به الحياة بعد أن ترك سيدنا إبراهيم زوجه هاجر وابنها إسماعيل في مكانٍ غير ذي زرع ولا حياة فيه بأمرٍ وحكمةٍ من الله، فلما عطش الصغير بدأت الأم بالمسير بحثاً عما يرد الحياة لابنها حتى تفجرت عيناً من الماء بأمر ربها لتوهب الحياة للمكان والإنسان، ثم مالبث أن تحول المكان من صحراء مقفهرة الى مكان يعج بالحياة والسكينة في أن، ومازالت تلك العين الأزلية لا تنضب تروي عطاشى الرحمة الى ما شاء الله.

        ويقال بأن إحدى عيون الماء التي خرجت لسيدنا موسى حين استسقى الماء لقومه بعد أن ضرب الأرض بعصاه بإذن الله، موجودة في بتراء الأردن حيث توزعت القبائل والعائلات عند كل عين ماء، وهذا أكبر دليل على أهمية عيون الماء عبر تاريخ الإنسان.

وتتوزع عيون الماء بكثرة في معظم مناطق المملكة ولا تخلو منها القرى والأودية في الشمال والوسط تحديداً، غير أن الزحف العمراني وحركة البناء المستمرة كانت سبباً في اندثار وجفاف العديد من عيون الماء في الأردن، ومن ذلك ما كانت تتواجد في وادي السلط وشهد على ذلك العديد من سكان المنطقة الذين ما انفكوا يوماً يشربون من مياهها الصافية النقية بنقاء تلك الأيام الخالية، غير أن كثيراً منها جف تماماً وأصبح يقال " كان هنا عين ماء". وتعتبر "عين حزير" في وادي السلط إحدى العيون التي مازالت نابضة بالماء كما نبض القلب الذي لا يتوقف إلا بأمر خالقهِ، تروي المارين بقربها وتغسل عنهم تعب يومهم، فكما يقول كبار السن الذين لا يترددون عن نقد هذا الزمن الذي لم يعودوا يشعرون فيه بالنقاء والصفاء ويتذمرون من الزحف العمراني الذي جفف عيونهم المائية وغيب معالم مسرح الطفولة، يؤكدون بأن "مياه العين سابقاً كانت أنقى وأزكى من مياه هذه الأيام المصفاة بالآلات وتروي الروح وتنقيها قبل أن تروي عطشنا " لكن الآن بتنا لا نشرب إلا مياه "الكولر" بحثاً عن النقاء المفقود في كل شيء، فقد كانوا يملؤون جرار الماء الفخارية بماء العيون القريبة منهم ويشربون منها ويقضون باقي أعمالهم فيها من غسيل وخِلافه، مشيرين الى "قلة البركة في كل شيء حيث جرة الماء التي كانت تكفي الأسرة بالكامل غير أنها الآن بالكاد تكفي كميتها للشرب فقط".

       وتشير العديد من المسميات لبعض قرى ومناطق المملكة بانتسابها الى عين الماء التي كانت متواجدة في ذلك المكان مثل" عين الباشا وعين جنا وغيرها" حيث تجمع الناس بالقرب من هذه العيون لأنها الوريد الرئيسي للحياة في تلك المناطق وكثير من المناطق الاخرى.

ولا تجمع عيون الماء عندها البشر فقط، بل تجد الأشجار والنبات في كل وقت وحين، اشجارها دائمة الخضرة باقية ما دام هناك ماء في العيون تستقي منها وتبادلها حديث الذكريات وجموع قاصديها العابرين والساكنين وكلهم باحثون عن الماء، تظلهم بظلها هم وعين الماء، استمرارية وتبادل وعشق أبدي بين الماء والإنسان والشجر، وكلهم مجتمعون لبقاء الحياة.

        من ناحيةٍ اخرى فقد اشتهرت الأردن بعيون الماء الساخنة العلاجية التي تعطي قاصدها العلاج الباحث عنه بين كتب الطب ويجدهُ في العين التي احتوت مكنونتها العلاج للعديد من الأمراض، وأشهرها في منطقة ماعين في مادبا وفي الطفيلة وشمال المملكة، وتستقبل الآلاف من الزوار القادمين بهدف السياحة العلاجية من كافة مناطق العالم.

ويذكر علماء الزلازل أن العديد من عيون الماء تتفجر من الأرض بعد حدوث الزلازل والهزات الأرضية في العديد من المناطق خاصة الجبلية منها.

 

التعليق