"العجلاتي".. قد يصلح العطار ما أفسدته الطرقات

تم نشره في الثلاثاء 14 حزيران / يونيو 2005. 10:00 صباحاً
  • "العجلاتي".. قد يصلح العطار ما أفسدته الطرقات

        رافت سارة

   عمان - لم يكتشف زهدي هارون العجلة، إلا انه أول من أفتتح محلا لإصلاحها في عمان العام 1948 بالقرب من المدرج الروماني، كما أورث ثمانية من أبنائه مهنة تصليح وتركيب الإطارات، بعدما جلب معه هذه المهنة من اللد، حيث كان يعمل مع والده درويش في مجال الحدادة وتصليح عربات النقل القريبة من السيارات والمتاجرة بها نظرا لقرب المدينة من ساحل البحر الأبيض المتوسط المشرف على العديد من دول أوروبا الغربية المتقدمة بهذا المجال.

ويرى ماجد هارون ان المواطن الأردني ينتبه لسعر الإطار وحجمه دون ان يسأل عن "المواصفات المتعلقة بقوة وجودة الإطار والمتمثلة بتحمله درجات الحرارة المرتفعة في منطقتنا والاحتكاك والتي تعني المستوى "A" والمدونة على الجدار الجانبي للإطار. ولهذا يفسر هارون قائلا "تجد كثيرا من الإطارات ملقاة على جانبي الطرق المؤدية لمدينة العقبة بسبب عدم تحملها درجات الحرارة العالية والتي تحمل الرموز من المستوين"b - c" والمصممة أصلا للدول الواقعة تحت مناخات باردة".

وشدد هارون على ان" الدراسات التي أجرتها مصانع الإطارات العالمية، بينت ان أهم أسباب التلف تعود للقيادة السريعة على الطرق الصعبة غير المعبدة، وتكرار استخدام الكوابح بشكل مفرط، واستخدام كوابح غير مضبوطة تسهل الاهتراء، ناهيك عن الحمولة الزائدة بما تسببه من ضغط على جوانب الإطار، وكذلك وجود عيوب ميكانيكية بالسيارة نفسها ، مثل عدم توازن هيئتها الأمامية او الخلفية او تمزق الجدار الجانبي للإطار او كتانه الداخلي بسبب انخفاض ضغط الهواء فيه وأخيرا التعرض للصدمات أثناء القيادة السريعة على المطبات والحجارة وغيرها من العوائق".

   وخبر ماجد وأخوانه السبعة التعامل مع الإطارات بعدما عمل بتجارة وصيانة السيارات سواء في الأردن أو في المانيا حيث كان يجمعها ويبيعها لأوروبا الشرقية، ومن هنا فإن خبرته باستيرادها وتوزيعها قد علمته بأن هناك تفاوتا كبيرا بين كل مصنع وآخر، والاهم ان كل الإطارات المستوردة خصيصا للأردن مصنعة ضمن مواصفات أوروبية وهو شرط مسبق لدخولها البلاد وعليه فان المواطن الأردني عليه ان يقوم باختيار عملي لسيارته يوائم بيئته وان لا يكتفي بمعرفة أشياء سطحية عن السيارة.

ويمكن لنصائح معينة أن تسهم في شكل كبير بتحقيق السلامة العامة والحد من خطورة حوادث الطرق، مثل تفقّد هواء الإطار في شكل دوري مرتين أسبوعيا، وعمل ميزان دوري كل ستة أشهر يرافقه عمل تدوير للإطارات، والاهم عدم استعمال الفرامل "المكابح" في شكل مفاجئ، وبالطبع تفقد الهيئة الأمامية للمركبة بشكل دوري ويفضل عمل ميزان له عند كل عملية تبديل للإطارات .

وأدى ولع سمير يوسف عبد الجواد بالسيارات لانهماكه بالعمل بها أكثر من 40 عاما وتوريث حبها لأبنائه رجائي (30 عاما) يوسف (25 عاما) ومحمد (23 عاما)، الذين عملوا في صناعة وتركيب البنشر، وإن سافر يوسف للعمل بالسعودية بنفس الغاية.

وسمير المولود في العام 1951 بدأ يعمل كـ "صبي ميكانيكي" عند أبو ينال الشركسي وهو ابن 14 عاما قبل ان ينتقل للعمل بالزرقاء في مجال تصليح الشاحنات، ومنها إلى المعدات الثقيلة التي أصبح معلما بها وهو في أواسط عمره العشريني.

وتعني كلمة "صبي" في عالم الميكانيك المبتدئ الذي يتعلم المهنة من خلال المراقبة والتنظيف وتنفيذ طلبات مساعد المعلم والمعلم نفسه لكل ما يريدونه. ويفرق أهل المهنة بين المعلم ومساعده بقدرة الأول على تحمل مسؤولية الكراج والعمل كاملا ، فيما يتخصص المساعد بالإشراف وإعطاء النصائح وحل المشاكل الكبيرة.

ويغلب ان يقود الميكانيكي السيارات ، وهذا ما فعله تماما سمير الذي حاز على رخص قيادة للمركبات الثقيلة قبل ان يتجه للعمل بالخليج في عدة دول منها السعودية والإمارات والكويت التي أعجب به فيها العديد من المسؤولين من الجنسيات الأميركية والإنكليزية عندما انتبهوا لدقته مع انه لا يعمل مثلهم على مخططات.

ويستذكر ابو رجائي الأيام السابقة التي كان يستخدم فيها فتيلة لإصلاح البنشر، ويحذر من استخدامها الان لبعض أنواع الإطارات: "لأن ذلك يؤدي الى تمزق مكونات الإطار الداخلية المصنوعة من الكتان"، وينصح باستخدام رقعة التيوبلس الداخلية التي تلصق على الثقب من داخل الاطار.

ويلعب العامل الاقتصادي دورا كبيرا في حياة المواطن الأردني الذي لا يتفقد إطارات مركبته جيدا ، وان تفقدها فهو يختار ارخص الأسعار غالبا. ومن هنا فإن رجائي عبد الجواد يعتبر ان مهنته (البنشرجي) فيها روح إنسانية عالية حيث يقوم بالتخفيف عن كاهل المواطن ويصلح له الأعطال بأسعار رخيصة جدا مقارنة مع ما يفترض ان يدفعه لو اشترى أطارا جديدا.

ويزيد سمير على ابنه رجائي بالقول ان مهنته فيها كثير من التحدي بمعرفة الخطأ وإصلاحه وفيها كثير من الإبداع في مسح أثار التشوهات السابقة.

وكان لافتا ان يقوم بنشرجي بتعلم الطيران الشرعي في نادي الطيران الملكي، لكن جرأة سمير وحبه لتحدي الصعاب والقيادة دفعه لتعلم هذه المهنة لرغبته الوثّابة في تعلم الأشياء وإتقانها وجرأته فتحا له الأبواب الموصدة، وهو يفخر بأنه أردني أذهل الأجانب المسؤولين عنه في الشركات الخليجية بحسن تحديده للأخطاء وإصلاحها، كما يفخر بطموحه الذي جعله يتقدم بعد أول راتب حصل عليه وكان يوازي 60 قرشا أسبوعيا حين كان صبيا ، الى 1000 دينار كويتي مع سكن وسيارة وبنزين عمل كمسؤول معدات في شركة كويتية رأسمالها أكثر من مليون ونصف.

   وسمير يظن ان البنشرجي "طبيب جراح" يعرف ما بالسيارة وتحديدا الإطارات والجنطات ويداويها، وهو كان يتمنى ان لا يقوم أبناؤه بالأحتذاء حذوه، ولهذا كان راغبا بتعليم ابنه رجائي أكثر من الثانوية العامة، لكن الأخير أصر على ذلك. ولثنيه عن الأمر قرر تشغيله 15 يوما في حفّ الجنطات، لكن رجائي نفسه يحب المهنة كثيرا ويعتقد انه يؤدي من خلالها خدمة كبيرة لمواطنين جيوبهم شبه فارغة ولا حلم لهم إلا السلامة في كل خطوة يخطونها.

ولتحقيق ذلك قامت أوروبا مثلا بوضع بطاريات ماء مقطر وهواء في كل محطة بنزين في تزويد منها كل يوم المحطة بدلا من ترك صاحب المركبة ينتظر طفرات يحصل خلالها على أموالا كثيرة تعينه على عمل البنشر الذي كان يعرف من الثمانينيات في بلادنا من خلال طرق الإطار بالملعقة والشاكوش قبل ان تصل الأمور لحد التعامل مع الماكينات الكهربائية والهيدروليكية الالكترونية التي تطورنا من خلالها تقنيا في وقت لا تزال شوارعنا غير نظيفة تماما ومليئة بالمطبات والمخلفات الصناعية من براغ وزجاج، وما قد يساهم في عطب الإطارات التي قد يود التعرف جيدا على مواصفات وإصلاحها في شكل دائم عاملا مساندا في التخفيف من حوادث الطرق والسلامة العامة في بلد صغير جدا على مشاكل السير الكثيرة جدا.

(تصوير: اسامة الرفاعي)


التعليق