الفن والرياضة والمهني.. حصص تكتب ولا تنفذ في مدارسنا

تم نشره في الثلاثاء 14 حزيران / يونيو 2005. 09:00 صباحاً
  • الفن والرياضة والمهني.. حصص تكتب ولا تنفذ في مدارسنا

       رأفت سارة

    عمان- توازي حصص الفن والنشاط، حصة الفراغ في كثير من المدارس الحكومية. قد يعتبرها بعضهم حصص "تكتب ولا تنفذ"، وهنا يتساوى وجودها وعدمه، وإن فضل كثير من المدرسين والطلاب حكاية "عدمه" لكي يرتاحوا ويعودون بيوتهم مبكراً.

   لكن هذا الإهمال الذي تتعرض له هذه الحصص لا ينفي أنها حصص من شأنها ان تنمي الحس الجمالي والذكاء والاعتماد على النفس من خلال النشاطات الذهنية والجسدية التي من المفروض ان يقوم بها طلاب المدارس في مراحل مبكرة، بدلاً من تصوير العالم على انه مجموعة من النظريات التلقينية الموجودة بين دفتي كتاب يقرأه الطالب من اجل الحصول على العلامة، من دون ادنى اعتبار للابداع والتخيل وتنمية صفات حميدة، كالاعتماد على النفس وتقدير العضلات والحس المرهف جنباً الى جنب مع تطوير العقل وأعماله في أمد مساندة للمنهج.

    يقول بسام ابو جارور الذي احب مادة النشاط المهني وبرع بها ويدرسها الان: "حتى بداية الثمانينيات كان الطلاب يتخصصون مبكراً في قطاع ما، فتجد ان سكان المدن اما يختارون القطاع التجاري او الاكاديمي، أما ابناء الريف فيتخصصون اكثر بالزراعة. اما المناطق القريبة من الاماكن الصناعية فكانوا يتعمقون اكثر بالعلم الصناعي".

ويضيف ابن الـ 44 عاماً: "كان يلحق بكل مدرسة حديقة ان كانت في مكان ريفي. وكان لا بد من توافر مشغل في المدارس الاقرب للصناعية، وكذا بالنسبة للمدارس التجارية التي كانت توفر غرف مكتبية والات طابعة وهكذا".

    ويتحسر المدرس لمواد الاليكترونيات وتحديداً المتخصص في تصليح التلفزيونات على الايام التي كانت المواد المهنية فيها "ركنا اساسياً هاماً، كونها تقوّي الفرد وتحسن طرق اختياره لمواد بديلة عن المواد الدراسية التي باتت اعطاء علامات عالية فيها لتلك الحصص المهمشة امراً عادياً لدعم المعدل العام، فبات طالب لم يحضر اي حصة رياضة او فن مثلاً يحصل على علامات امتياز، فقط لانه نجيب في كل المواد، وبالتالي، فإنه من تحصيل الحاصل ان يكون كذلك في المواد المهمشة وهذا افقد تلك الحصص محتواها".

    ولم يسبق للشقيقين طارق وعبد الله الهنداوي ان سألا ابناءهما إن كانا يحصلان على مادة النشاط ام لا، مع ان طارق مثلاً يداوم على زيارة المدرسة الخاصة التي يدرس فيها ابناؤه، لكن ليسأل عن الاخلاق والعلامات في المواد الاساسية فقط.

لكن كليهما شدد على أهمية حصص النشاط والرياضة والفن في تفريغ شحنات الطاقة الزائدة عند الطلاب، والاهم ان تلك المواد توسع مدارك الطالب،اوعلى الأقل هذا ما يحصل مع ابنائهم في مادة الكمبيوتر التي سرقت على ما يبدو الاضواء من تلك المواد.

ويقول بسام،المميزفي تدريس المواد الالكترونية وبخاصة الراديو والتلفاز  إن لديه الاسباب الموجبة لتشجيع وجود مادة المهني مثلاً في المنهاج الدراسي. وهو يرى أنها "تترجم المواد النظرية وتطبقها على ارض الواقع وتنمي قدرات الطالب العملية وتزيد من انتمائه للبيئة، وهي كذلك تنمي روح العمل الجماعي لدى الطلبة من خلال اشراكهم في مشروع تطبيقي جماعي". وأضاف بسام أن هناك واجبا ملحا على اهمية تجديد مواد الكتب المهنية التي لم تجدد منذ سنوات، ولهذا فإن ما يتعلق بالساتلايت والسي. دي وتلفزيون الديجتال والكاميرا والآلات الحديثة وشاشات البلازما لم تدخل في المواد والدراسية المهنية المتخصصة، اما المواد غير المتخصصة فهي بسيطة جداً، حيث تكتفي بتعلم زراعة حبة فاصولياء مثلاً وغيرها، مع ان عقل الطالب العربي اكبر بكثير من حشره في تعاليم بسيطة ساذجة.

    وهذا عكس ما يحدث في دول اوروبية كثيرة ومنها المانيا التي تدرّب فيها مدرس مادة الحدادة والمبدع فيها ابراهيم الداية، حيث اشار الى ان التعليم المهني هناك يعتمد على التدريب في المدرسة والمنزل، وبهذا الصدد قال: "تربط المواد المهنية باستكمال ما سيقوم به الطالب، اما في المنزل او في الورش العامة فمثلاً تعطى مساحة صغيرة جداً من الاتربة ليزرع فيها ويكتشف الديدان وطرق رعاية الشجرة وكيف يزيل الشوائب من حولها، والاهم ان الطالب هناك يبقى على اتصال مع المستنبت (مشتله الصغير) الذي اقام فيه، ويربط الطالب والمدرسة عادة بشركات متخصصة تقدم كثيرا من الخدمات المجانية التي تخصم من الضرائب، وفي نهاية الفصل الدراسي تقدم المدرسة بدعوة كل الشركات التي ساهمت بدعم انشطة الطلبة وتعلن عن انشطتها اللاحقة ليتسنى للشركات مبكراً عمل تمويل للانشطة اللامنهجية".

     ويضيف الداية: "حتى حصة الموسيقى يطلب الى الطلاب ان يقومون بعمل الآلات بأنفسهم ليتعلمون ويوفرون مصدر الاشياء. بالطبع لا يتم قمع الطلاب، وبدلاً من ذلك يتم مدح الاشياء الصحيحة بالمشروع ومن ثم تصويب الاخطاء وعلاجها في شكل علمي من قبل الطالب نفسه، ويتم التشديد على المعلمين ان يكونوا اكثر ذكاء في التعامل مع الطلاب وملاحظة الفروقات الفردية والاجتماعية بينهم للخروج برؤيا جماعية خالية من المتميزين".

    ونوّه ابراهيم الذي كان اول من قام بتصميم آلة نتف الدجاج وشارك في تصنيع صناديق البريد الخضراء الى ان هناك "معرضاً كبيراً يقام في المدرسة يدعى اليه الاهل والاصدقاء وترعاه شركات خاصة تقدم من الاكل والمشرب والزينة، ويقوم بعض الاهالي والشركات بشراء منتوجات الطلاب الصغيرة"، وختم بالقول: "يتم دمج الطلاب في مشاريع في المطارات والطرق العامة، وكل ما يرونه في حياتهم الاعتيادية، كما تقوم بعض الشركات بتصنيع كثير من الالعاب غير الجاهزة لتترك لليافعين والاطفال مهمة اكمالها لتنمية ذكائهم الفوري وتقوية روح الاكتشاف والبحث لديهم. كما يتم إلحاق الطلاب بكثير من جمعيات الرفق بالحيوانات ليروا امكانية التعايش والاحساس بكل ما في الطبيعة من كائنات".

    ويرى المدرس محمد أبو خديجة الذي عمل سكرتيراً في مدرسة لمدة 16 عاماً أن التعليم المهني ليس مهمشاً لكنه أضعف من ذي قبل، عازياً ذلك بقلة اهتمام الطلاب والمدرسين بهذه الحصص وعدم ربطها بالتحصيل العلمي.

واستهجن أبو خديحة، مدرب مادة الطباعة في المدرسة المطبعية، اهمال هذه الحصص، منوهاً الى ان كثيرا من المدارس لديها معدات واجهزة، وان كان ثمة تقصير فهو من الطلاب الذين باتوا يعملون، ليس في التعليم المهني بل الاكاديمي ايضاً. وشدد على ان الطلاب يحبون حصة الرياضة ويكرهون غالباً المهني والنشاط.

بدوره اعرب الدكتور يوسف شاهين مدرس النحو في الجامعات والمدارس الخليجية عن اسفه لتهميش هذه المواد لما لها من "دور كبير في تنمية الذوق العام التي يحتاجها الطالب كحاجته للعلم نفسه وفهي ليست مواداً للالهاء والراحة بل وسائل تربوية مهمة تمشي مع المواد العلمية في ركاب واحد". واضاف ان بعض الدول الخليجية كسلطنة عمان تهتم بهذه المواد وتعطي "كل المهن في المناهج بل وتقوم بالإتفاق مع المدرسين في بعثات خاصة لتعلم كل شيء".

تصوير: اسامة الرفاعي


التعليق