كاتب يرصد جذور الصهيونية في السينما المصرية مطلع القرن الماضي

تم نشره في السبت 11 حزيران / يونيو 2005. 10:00 صباحاً

     القاهرة  - ينطلق الناقد السينمائي المصري أحمد رأفت بهجت في دراسته لبدايات السينما في بلاده من زاوية الدور الذي لعبه فنانون وفنيون يهود مصريون وأجانب ليقرأ ملامح الرأسمالية اليهودية في مصر "ودورها في خدمة الصهيونية منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى قيام إسرائيل."

    وقال في كتابه (اليهود والسينما في مصر) إن دور العرض السينمائي خاصة في أماكن تجمع اليهود بالقاهرة كان لها "نشاط بارز في الترويج للفكر الصهيوني." وأشار إلى أن السينما المصرية نشأت في ظل ظروف عامة يهيمن عليها الاستعمار البريطاني والرأسمالية الأوروبية "والصهيونية المتنامية وهو ما انعكس على طبيعة الأفلام الأجنبية المعروضة وقدوم شخصيات أجنبية إلى مصر مثل وداد عرفي الذي جاء من تركيا للتوسط من أجل إنتاج فيلم عن النبي محمد عليه السلام ثم تحول ليصبح ممثلا ومخرجا ومؤلفا لأفلام صادف معظمها الفشل."

     كما ضرب مثلا آخر بالأخوين بدر وإبراهيم لاما اللذين قدما من أمريكا الجنوبية "ليحققا شهرتهما في السينما المصرية... لم يكن مصادفة أن هؤلاء وغيرهم كانوا جميعا من اليهود."

وقال إن أفلام توجو مزراحي التي وصفها بالهزلية تخفي في عمومها رغم بساطتها نواحي "سياسية مؤكدة تحركها وتميل بها إلى الأهداف الصهيونية المباشرة."

وقام مزراحي (1901 - 1986) بالتمثيل في بعض أفلامه الأولى باسم أحمد المشرقي وأخرج أفلاما لبعض نجوم السينما بمصر ومنهم يوسف وهبي وليلى مراد وعلي الكسار وأم كلثوم. وقضى سنواته الأخيرة في إيطاليا إلى أن مات هناك.

    وشدد بهجت في الكتاب الذي صدر بالقاهرة ويقع في 316 صفحة من القطع الكبير على أنه درس دور اليهود في السينما المصرية وليس "الديانة اليهودية... ثمة شخصيات يهودية عندما نجحت في أن تفلت من قبضة الصهيونية وأن تلتحم بالشعب المصري كان التجاوب معها عظيما وممتدا."

     وأضاف أن الرأسمالية اليهودية في مصر توارثتها أجيال من العائلات وكانت محكمة البناء حيث نشأت روابط عائلية بين عمداء تلك العائلات "مثل منشة وهو من أصول فرنسية وحمل الحماية النمساوية، وموصيري وهو من أصل إسباني ونال في ظل نظام الامتيازات الرعوية الإيطالية، ويوسف قطاوي وتعود أصوله إلى هولندا وحصل على الحماية النمساوية" إضافة إلى عائلات اعتبرها أقل أهمية منها رولو وشيكوريل وساسون وجرين وكورييل وعدس ونجمان وتوريل.

     وكان الذين يتمتعون بنظام الحماية في تلك الفترة لا يخضعون للمساءلة أمام القضاء المصري باعتبارهم أجانب وكانت كلمة "حماية" كافية للدلالة على أن لحاملها امتيازا خاصا.

وأشار بهجت إلى وجود ضغوط أجنبية كانت تهدف إلى حماية أصحاب دور العرض من اليهود والأجانب فعندما قررت الحكومة المصرية زيادة ضريبة الملاهي على دور العرض السينمائي والمسرحي عام 1932 حدثت "أزمات دبلوماسية فالمفوضية الأمريكية في مصر أبلغت وزارة الخارجية (المصرية) احتجاجا كتابيا أعقبته برجاء أن تعيد النظر في قيمة الضريبة على ثمن التذاكر. ونشرت مجلة الكواكب تحت عنوان (احتجاجات دولية) أن فرنسا واليونان قد احتذتا حذو أمريكا في الاحتجاج."

    وقال إن دور العرض السينمائي خاصة في أماكن تجمع اليهود بالقاهرة كان لها "نشاط بارز في الترويج للفكر الصهيوني... أصبحت وظيفتها لا تختلف عن وظيفة المدارس الإسرائيلية والمكتبة اليهودية في القاهرة وقبل ذلك المعابد اليهودية التي شيد أربعة منها في (منطقتي) الظاهر والسكاكيني."

    ونقل عن صحيفة الأهرام القاهرية رصدها عام 1912 لما اعتبره تقدما للصهيونية في مصر حيث قال أحد اليهود "دعيت إلى حضور اجتماع صهيوني بسينماتوغراف بالاس في (حي) الظاهر فذهبت فصادفت ما يفوق ما كنت أتوقعه حتى أني بعد أن كنت مرتابا في نجاح مساعينا صرت متأكدا بل ضامنا تحقيق آمالنا."

     وأضاف أنه إلى جانب المؤتمرات الصهيونية في سينماتوغراف بالاس كانت بعض دور السينما تهتم بعرض أفلام شركتي باتيه وجومون الفرنسيتين وكان إنتاجهما متفاعلا "مع المخططات الصهيونية المعلنة وغير المعلنة" مشيرا إلى أن بداية عام 1911 شهدت عرض أفلام "ذات التوجه الصهيوني المباشر" منها (استير منقذة إسرائيل) و(خروج بني إسرائيل) و(يهوديت التي قطعت رأس اليغانا) و(داود وجوليات) و(ابنة يفتاح).

      وقال بهجت إن التخطيط الصهيوني في تعامله مع هذه المناطق السكانية كان واعيا "لذلك لم يكن غريبا أن يظهر في منطقة الظاهر في ذروة الصراع العربي-الإسرائيلي عام 1948 العديد من الصهاينة الذين صنعوا كل القنابل التي انفجرت في أحياء أخرى لا يسكنها اليهود وأرشدوا من خلال أنوار البطاريات طائرات إسرائيل إلى قلب القاهرة."

وأضاف أنه عقب وعد بلفور الشهير عام 1917 حتى نهاية العشرينيات عرضت في مصر أفلام منها (المستوطنات اليهودية في فلسطين) و(سفر الخروج) و(اليهودي التائه) و(قمر إسرائيل) و(حياة العبرانيين) و(عبور البحر الأحمر) و(غرق جيوش فرعون بعد عبور العبرانيين) و(بن هور) و(بعيدا عن الجيتو) و(بئر يعقوب).

       وأصدر وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور (1848 - 1930) في الثاني من نوفمبر كانون الثاني 1917 وعده الذي لايزال مقترنا باسمه وهو عبارة عن رسالة قصيرة إلى اللورد روتشلد أحد زعماء الحركة الصهيونية آنذاك يقول نصها..

"إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية على أن يكون مفهوما بشكل واضح أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى. وسأكون ممتنا إذا ما أحطتم اتحاد الهيئات الصهيونية علما بهذا التصريح."

وذكر بهجت أن المشاهد المصري كان يتحفظ على الأفلام ذات التوجهات التي وصفها بالصهيونية ولكن "الغفلة الجماهيرية" استمرت حتى قيام إسرائيل.

     وسجل ما اعتبره أول رد فعل جماهيري تجاه عرض مثل هذه الأفلام إذ نشرت مجلة (الصباح) يوم 12 يوليو تموز 1948 تقريرا عن غضب الجماهير بسبب فيلم (كاليفورنيا) الذي أنتجته عام 1946 شركة بارامونت الأمريكية وفيه إشارة إلى أرض الميعاد. وقالت المجلة إن "شعب الإسكندرية يثور ضد أرض الميعاد والصهيونيين.. ثورة من النوع العنيف. إنه الجمهور خارج من سينما بلازا ويطالب بإيقاف الفيلم وإلا تحطمت هذه السينما."

ولكن الفيلم الذي تم رفعه واستبدل به الفيلم المصري (سي عمر) مر بسلام حين عرض في القاهرة "دون أن يفطن أحد إلى أنه دعاية صهيونية... كان من الطبيعي (قبل 1948) أن يعرض هذا الفيلم عشرات المرات دون أن ينتبه إليه أحد أو إلى عشرات الأفلام الأخرى الأكثر خطورة ومباشرة في دعايتها."

      ونقل بهجت قول الناقد المصري الراحل علي شلش إن "مصر دون أن تدري أو تريد تحولت فجأة من 1917 - 1948 إلى مركز من أخطر مراكز الصهيونية إن لم يكن أخطرها بعد المركز الذي صنعته في فلسطين. ولولا جهود الصهيونية على أيدي زعمائها وأعوانها في مصر لما استطاعت الصهيونية العالمية تأمين ظهر المستوطنين اليهود في فلسطين وضمان حركة هجرة اليهود إليها وتخفيف حدة التوتر العربي داخل فلسطين وخارجها وأخيرا إعلان قيام دولة إسرائيل."

وللكاتب مؤلفات منها:(الشخصية العربية في السينما العالمية) و(الصهيونية وسينما الإرهاب) و(هوليوود والشعوب).

التعليق