متحف الآثار في جبل القلعة ... رصد متسلسل لتتابع الحضارات في الاردن

تم نشره في الخميس 9 حزيران / يونيو 2005. 10:00 صباحاً
  • متحف الآثار في جبل القلعة ... رصد متسلسل لتتابع الحضارات في الاردن

       سمير العدوي

     المتحف.. هو المكان الذي يجمع بين الثقافة والتعليم والترفيه، وحصر هدفه ومقصده على الترفيه يعد غبنا لرسالته التي تؤسس "ثقافة المتحف" أو "الوعي المتحفي".. فهو -كما عرفته "منظمة المتاحف العالمية .. معهد غير تجاري يعمل على خدمة المجتمع وتطويره، ويعرض جميع ما يتعلق بالإنسان وبيئته لغرض الدراسة والثقافة والمتعة، ويفتح أبوابه لعامة الناس ومختلف المستويات.

     والمتحف إحدى وسائل الاتصال، وهو مؤسسة تعليمية لا تتقيد بسن معينة، وكذلك هو مؤسسة تحافظ على التراث الإنساني والتاريخي والطبيعي، إضافة إلى الجانب الترفيهي والسياحي، ولذا اهتمت أغلب الدول بإنشاء المتاحف؛ حفاظا على تاريخها وتراثها.

المتحف هو نافذتنا على الماضي، ويمتلك قدرة على توصيل ثقافة الماضي بدرجة قد تعجز الكتب عن التعبير عنها أو رسمها في ذهن القارئ، فيكفي مثلا مشاهدة تمثال أو بردية معينة أو آلة قديمة حتى يدرك مشاهدها مدى ما وصل إليه الأقدمون من تقدم.

      لا يمكن زيارة عمان من دون مشاهدة متحف الآثار الوطني الذي كان في القدس سابقا ونقل الى عمان عام 1967 ويضم آثارا تمتد من العصور الحجرية الى البيزنطية، وأهم موجوداته تماثيل تعود الى 8 آلاف عام ق.م. تعتبر اقدم تماثيل لأشكال آدمية في تاريخ الحضارة الانسانية، اضافة الى بعض مخطوطات البحر الميت التي كتبت على جلد ماعز وتتضمن اقدم نص للتوراة وقد اكتشفها احد الرعاة داخل جرار في احد الكهوف في قمران شمال غرب البحر الميت حيث عاش القديس يوحنا وأتباعه ممن تاجر في القدس، اما البقية فموجودة في متحف اللوفر والقدس.

        يقع بناء المتحف الذي انشئ سنة 1951 على جبل القلعة، حيث تعطي الآثار المتبقية حواليه صورة تكمل معروضات المتحف. ويمكن للزائر ان يشاهد من موقع المتحف معظم معالم مدينة عمان الى جانب مشاهدة بقايا معبد هرقل وأسوار القلعة الرومانية وكذلك القصر الاموي.

        معروضات المتحف من أوان وأدوات فخارية وتماثيل ورسوم وكتابات، تغطي فترة زمنية كبيرة من العصر الحجري القديم وحتى العصر المملوكي. ويمكن للزائر ان يقف ويتعرف على مراحل التطور الحضاري التي مر بها الاردن من خلال تجواله في المتحف.

 اهمية هذا المتحف تكمن في اعطاء فكرة واضحة ومتسلسلة عن تتابع الحضارات القديمة في الاردن من عصر ما قبل التاريخ وحتى العصر الاسلامي. وعمان القديمة تجسدت في جبل القلعة الذي تحيطه الاودية من ثلاث جهات باتت اليوم تشكل اجزاء من المدينة التي حملت اسم "ربة عمون" التي كانت مأهولة منذ العصر البايثولوجي ما قبل الفخار (8300-4300 ق م ) .

        ولا يزال في جبل القلعة آثار لم يكشف عنها وتحتاج الى جهود وامكانات مادية كبيرة، وان فرقا للتنقيب تعمل حاليا داخل الموقع: "هناك خصوصا اهتمام بالمنطقة السفلى من الجبل". ويدل على ذلك الادوات والتماثيل والخرائط التي عثر عليها بعد الحفريات في جبل القلعة.

        أما الجهة الرابعة من الجبل فهي مسورة بحجارة ضخمة كشفت التنقيبات الاثرية انها بنيت في العصر البرونزي، كما اشارت حوليات دائرة الآثار العامة. وعلى جانب من الموقع، لا زالت آثار الحقبة الاسلامية الاموية قائمة ومجسدة بالقصر، اعاد الاردن بالتعاون مع بعثة اسبانية ترميم قبته عام 2002.

        ويكشف القصر الذي بني على ركام قلعة رومانية قديمة مستخدما حجارتها في البناء، الذي يدل ومنذ تلك الحقبة على تقدم هندسي يضاهي التقنيات الحديثة وخصوصا استخدام نظام ري متقدم. ويعتمد هذا النظام على تجميع مياه الامطار عبر قنوات حجرية تتصل بآبار وخزانات تحيط بالقصر ويمكن استخدامها لغاية اليوم.

         القصر الاموي على جبل القلعة، بناء مربع الشكل مساحة اضلاعه 25+26 مترا، وما يزال يحتفظ بمعالمه اكثر من الاثار الاخرى. جاء مخطط المدخل على شكل مصلب اقيم في طرفي محوره "الذي يمتد من الشرق الى الغرب" ايوانان تعلو كل واحد منهما نصف قبة. اما المحور الشمالي الجنوبي فيمتد بين بوابتين.. تؤدي الاولى منهما الى ساحة مركزية مكشوفة بينما تفتح الثانية" المفتوحة في الجدار الشمالي"الى ساحة اخرى مربعة اقيمت في مقدمة القصر. وتحتل اركان وزوايا بناء المدخل المربع غرف مستطيلة مسقوفة بأقبية برميلية. وفي الغرفة الشمالية الغربية درج يصعد الى السقف. وتخترق واجهة الجدران الداخلية المطلة على الساحة المركزية، طاقات صماء زخرفت بأشكال ورود ونباتات. وللقصر بابان رئيسيان، واحد من ناحية الغرب والثاني من ناحية الشرق.

         وعلى جدران القصر شبابيك فوقها عتبات تحمل كل عتبة نافذة اخرى ذات اقواس اصغر واعمدة اقصر، مثلها في هذا مثل نوافذ مسجد قبة الصخرة، مما يرجح ان البناء اقيم في الفترة التي اقيم فيها مسجد قبة الصخرة- اي في العهد الاموي.

         يقع هذا البناء في الجهة الشمالية الغربية من قمة الجبل، في الساحة التي انشأها الرومان واحاطوها بالاسوار العالية والتي ما تزال بقاياها قائمة حتى الان. ويستطيع الزائر رؤية بقايا الزخارف الرائعة المحفورة على الحيطان ماثلة حتى الان، وهي نقوش عربية تشبه النقوش التي اضافها الخليفة المأمون داخل مسجد قبة الصخرة في القدس. ومما يدل على ان القصر أقيم فوق موقع كان معمورا في العصور القديمة، كشفت الحفريات التي اجرتها دائرة الاثار سنة 1958 عن وجود ضريح في داخله اكثر من مئة قطعة من الاواني الفخارية المدهونة، بالاضافة الى عدد من" الجعلان المصرية " التي تعود الى القرن السادس عشر ق.م. كما عثر في مكان آخر على حجارة نقشت عليها رسوم بارزة وحروف يونانية.

التعليق