علقم: اغتراب الانسان محور رؤيتي التعبيرية

تم نشره في السبت 4 حزيران / يونيو 2005. 09:00 صباحاً
  • علقم: اغتراب الانسان محور رؤيتي التعبيرية

تشكيلي أردني يعتقد بفقدان حلقة الوصل بين تجارب الأجيال المختلفة

 

          حاورته: نسرين منصور

 

عمان- مثل هاجس البحث في وجود الانسان واغترابه عن ذاته وواقعه، مصدر التعبير الأساسي في أعمال التشكيلي الأردني هاني علقم. ولعل هذا ما انفردت به تجربة علقم، وهي تنسج مفردات عالمه المرئي عبر اللون والإيقاع والنبض.

    لا يتوقف علقم المولود في عمان العام 1977 عند المعطى الإنساني وهو يتخذ منه منطلقات لتعبيراته والتمثيل وحسب، بل يتجاوزه باتجاه موجودات العالم المحيط، مضفياً عليها مسحة الإنسان في صراعاته وتقمصاته. 

     ويعد الفنان هاني علقم من الفنانين الشباب الذين بدأت ملامح تجاربهم ورؤاهم الفنية بالتميّز قبل نحو عشرة اعوام في المشهد التشكيلي المحلي. والتشكيلي علقم الذي يعمل الآن مشرفاً لمحترف المتحف الوطني الأردني للفنون الجرافيكية منذ العام 2001، التحق بعدة دورات في مجال الرسم والجرافيك ومنها دورة في الجرافيك مع البروفسورة الأمريكية " لين ألن"، والبروفسور مروان قصاب باشي.

     كما أقام معارض شخصية عدة؛ الأول في جاليري زارة في العام 2002، والثاني في معهد ثيربانتس العام 2004، بالاضافة إلى مشاركته في معارض مشتركة ومنها معرض

"صيف 2000" في دارة الفنون، ومعرض " أطياف" في المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة وغيرها الكثير. مقتنياته متواجدة لدى عدة جهات داخل الأردن، وفي عدد من الدول العربية والأجنبية.

الغد التقت الفنان هاني وكان هذا الحوار حول تجربته التشكيلية:

?  اتجهت إلى التعبيرية كهاجس للبحث في علاقة الانسان مع نفسه وبيئته ما الذي اغراك بهذه المدرسة ؟

لأن الانسان أجمل المخلوقات على الأرض، فهو محور الحياة ومبتدأ التعبير. وبنظري أن كل انسان هو كوكب بحد ذاته مليء بالاكتشافات التي لا تنتهي. ودائماً بمقدور الفنان، أياً كانت طريقته في التعبير، استخلاص الأفكار والتعابير من مداراته الرحبة.

كفنان أحب البحث في وجود الانسان وأركز على تفاصيله وجسده وحركته، وهو بحث يقدم للمتلقي اشارات بصرية ذات دلالات نفسية عن مكنونات الانسان بما تحفل به من صراعات وتناقضات.. فمن خلال الانسان يستطيع الفنان التعبير عن أية فكرة أو موضوعة تخطر بباله.

? هل يعني ذلك أنك تستمد من الإنسان وبيئته ملامح المشهد التعبيري الذي تميزّت به لوحتك؟

لوحاتي تعبر بشكل عام عن الانسان الذي يعيش في مجتمعنا فهو كما تلاحظين من خلال لوحاتي أرسمه بشكل مختزل، شكل يحمل دلالة، يوحي ولا يقول، شكل يظهر الفكرة والحركة، وهذا ما تظهره أيضاً رسوماتي للأطراف والعيون التي تمثل مصدراً رئيسا لإعطاء المتلقي المفاتيح والاشارات النفسية الدالة على شخصية الانسان وهويته.

وكما لنفسية الفنان علاقة ما بما يرسمه ويخطه على اللوحات، فإن للمحيط أيضاً دوره في التأثير على مخرجات اللوحة، سواء تعلق ذلك بطريقة التعبير أم بالأفكار والمضامين التي يحملها السطح التصويري للوحة. ونحن كبشر نواجه حالة من اللبس والغموض ما تزال تكتنف واقعنا ومصيرنا.

أنا أعلم بأن رسوماتي خالية من الفرح وهذا لا يعبر فقط عن الحالة النفسية الموجودة لدي كفنان، فأنا بالنهاية انسان أتحرك بين الناس وأغذي فكري في مجال الفن من خلال الاحتكاك معهم والتقاط المشاهدات، وبالنهاية فإن لوحاتي انعكاس للجو الذي أعيش فيه ومن الطبيعي أن تلتقط طاقتي الأشياء التي تحقق تجاوباً بيني وبينها.

وهذا لا يعني بأنني شخص كئيب، حتى وإن اشارت أعمالي إلى ذلك، فأنا أرى أن على الإنسان أن يكون صادقاً مع نفسه في اللوحة كما في الواقع.. ودائماً يرتبط نتاج الفنان والإنسان على حد سواء بالمعاناة والقلق والاغتراب.

أشعر أحياناً للحظة ما، بأن الانسان في طريقه للتجمد، وبما أننا نعيش في عصر السرعة المنفلتة من كل عقال والمتزامنة مع حالة التيه التي تعصف بنا، فإن الخاسر الوحيد في هذا التفلت لا يكون سوى كينونة الانسان.. فكل شيء ضمن هذا التفلّت يمرّ بتغيرات سريعة ومدهشة، حتى الأحلام نفسها لم تكن بمنأى عن تلك التغيّرات.

? تتميز لوحتك بتحويرها للشكل الانساني والمبالغة في إظهار حدة الخطوط والضربات اللونية، هل ساعدت السمات التعبيرية هذه على ابراز خصوصية لوحتك ؟

أشعر بأن الناس هم الذين فرضوا علي وساهموا في تشكيل هذه الرسومات، فحين أكون متواجداً بينهم أصبح بمثابة المتلقي الذي يحتك بالناس ويكونون هم مصدر إلهامه بالأفكار والموضوعات، ولحسن حظي بأنني أعيش في مجتمع كهذا، تخيلي لو كان الوضع ممتازاً 100% ماذا سوف أرسم حينها؟

ومن هنا تأتي الضربات اللونية وردود الفعل العنيفة والحادة، فالفنان يكون في حالة انفعال غير قصدي مما ينعكس بشكل تلقائي على نفسية وطبيعة ادائه، ومن الطبيعي ايضاً أن تطاوع اليد ايقاع القلب وتتحرك بشكل متسارع وشديد، ويصبح بالتالي هناك نوع من الدفق فتضطر بأن تتماشى مع هذه الحالة وتتجاوب مع التوترات والترسيمات التي تحدث بينك وبين لوحتك.

? تضفي رسوماتك طابعاً انسانياً على الموجودات المحيطة بعالم الانسان، سواء ارتبطت بالجماد أم بالحيوانات، ما الذي يسحب تلك الموجودات إلى مدار الإنسان ونبضه؟

هذا طبيعي لأن الأشياء التي أرسمها تربطها علاقة حميمة ووثيقة مع الانسان، فمثلاً إذا نظرت إلى هذه اللوحة ترى بأنها ليست سوى مقاعد من مقهى قديم، ولكن المتلقي يشعر بأن هناك إنسانا موجودا لأن هذه الكراسي تعبر عن كثير من الأحداث والمشاهد التي دارت بين الناس، فهناك قصص سردت ومواضيع حية نوقشت واستقرت على هذه المقاعد. وبالمناسبة أحب الإشارة إلى أن هناك فرقاً بين كلمة الناس والانسان لدي، فليس كل انسان "انسان".

? تطالعنا لوحاتك بأجواء مقاومة من نوع ما، وكأن هناك أمراً معيناً يتهدد مصير الكائنات التي ترسمها ما هو؟

لأن حياتنا الشخصية حافلة بالمفاجآت في العديد من مناحي الحياة، لذلك يشعر المتلقي بأن الانسان في أعمالي عادة ما يكون في وضعية الترصد والتوجس، لأننا نعيش في حالة من الترقب الدائم ما تزال تخيم على كل شيء في تفاصيل حياتنا. كل تحرك صغير في حياة الانسان يهمني سواء كان ايجابياً أم سلبياً، فأنا آخذ وأصور الحالة النفسية التي يعيشها الانسان كما هي.

فمثلاً حين تقول لشخص هناك زلزال سوف يحدث، فقط راقبي هناك تعبيرا سريعا وخاطفا يمر على وجه ذلك الشخص، إن هذا ما أتحدث عنه تحديداً حالة الترقب.

? بجانب لوحاتك الزيتية، اشتغلت على فن الحفر"الجرافيك"، هل هناك فروقات في درجة التعبير وحساسيته بين اللوحة الزيتية ولوحة الجرافيك؟ وأيهم اكثر طاقة تعبيرية وتلقائية؟

الفرق بينهما يكون من ناحية التقنية والتكنيك، هناك بعض الفنانين والمتخصصين يرون بأن أعمالي في فن " الجرافيك" تحمل طاقة تعبيرية أكثر وأقوى، لكنني أشعر بأن أعمالي التعبيرية الزيتية لها وقع تعبيري أقوى لأن حركة الليونة أعلى في مادة الزيت التي ترسخها وتكثفها حركة الفرشاة مع ألوان الزيت. فالألوان الزيتية تمنح العمل تلقائية تعبيرية تنفرد بها عن غيرها، وهذا لا يعني التقليل من القيمة التعبيرية لفن" الجرافيك"، لكنها لا تصل إلى مستوى الطاقة المختزنة في ألوان الزيت، فالسكين تخلف جرحاً حاداً، أما الألوان فيها عنف لكنه لا يخلو من مسحة حنان.

? تبدو الطبيعة غائبة عن لوحاتك، برأيك هل يكفي الانسان وحده للتعبير بمعزل عن الطبيعة؟

كما قلت سابقاً كل انسان هو بمثابة كوكب بحد ذاته، وهناك مكنونات عديدة داخل الانسان تمكنه من التعبير عن أية شيء.

لي علاقة واضحة مع الطبيعة ومباشرة، فقد رسمت مدينة عمان ومحمية ضانا وقضيت أكثر من عشرين يوماً في مواجهة مباشرة مع الطبيعة وكانت تجربة مختلفة وجميلة.

بنظري الطبيعة جزء من الانسان وليس العكس بأن الانسان جزء منها، لأنه في حالات نفسية معينة يشعر الانسان بأن بداخله تفاعلات فيها زلازل وبراكين، وفي حالات الفرح يشعر بأن هناك أشجارا وعصافير تتراقص في داخله وهذا يفسر ما قلته.

? هل تشعر بأن لديك توجهاً تعبيرياً خاصاً بك، كونك أحد الفنانين الشباب الذين برزت في العقد الأخير لمسات خاصة بهم ؟

نعم أشعر بأن لدي توجهاً خاصاً بي، وهذا طبيعي فلكل فنان بصمته واسلوبه الخاص به. كما أنني أحاول قدر الامكان تحمل مسؤوليتي تجاه الفن الذي أقدمه لأنها مسؤولية كبيرة تحتم على الفنان أن يبقى على احتكاك وتواصل دائمين مع فنه من أجل تطوير أدواته وتجاوز ما تم انجازه سابقاً. علي أن أعمل باستمرار لأن الوقت قصير والحياة ليست كافية لاكتشاف كل شيء والتعرف على ما يحيط بها.

? هل تعتقد بأن هناك تواصلا وتفاعلا بين الفنانين في المشهد التشكيلي المحلي؟

 لا يوجد احتكاك مباشر بين الفنانين وغالباً ما نجدهم متقوقعين ومنغلقين على أنفسهم وهذا جانب سلبي جداً. ومرد هذا عائد اما لعدم الثقة المتبادلة بين الفنان وفنه من جهة، وبينه وبين المجتمع من جهة أخرى، أو أن عدم التواصل هذا يشير إلى نوع من "الثقة الزائفة" التي تحجب الفنان عن تجارب الآخرين والانفتاح عليها. اضافة إلى الفجوة الكبيرة بين جيل  الفنانين الشباب والرواد، وهذا سبب بدوره فقدان حلقة الوصل بين تجارب الأجيال المختلفة في المشهد التشكيلي الأردني.

تصوير: محمد أبو غوش

التعليق