طقوس الحصاد قصة أجداد وتاريخ أحياء قروية محملة بالذكريات

تم نشره في الأربعاء 1 حزيران / يونيو 2005. 10:00 صباحاً
  • طقوس الحصاد قصة أجداد وتاريخ أحياء قروية محملة بالذكريات

     تغريد السعايدة

      لم يعد للمنجل اليدوي الحديدي مكان بين الآلات المتطورة التي توفر على المزارعين وقتهم وجهدهم.

لكن في المقابل تنساب من بين ذكرياتهم ملامح جميلة لهذا الموسم الذي كان ومازال من صور قرانا الحية بأبنائها.

       يبدأ موسم حصاد محصول القمح مع بداية كل صيف أوائل حزيران أو في الوقت الذي يشعر القروي بأن السنابل لم تعد قادرة على حبس خيرها فيها، مناديةً عليه "حان جني الخير ايتها الأيادي السمراء". تبدأ العائلة اعداد العدة للعرس الذي يؤمهُ الناس دون دعوة، ليكونوا ممن يساهمون في المساعدة والمشاركة في جني الخير للغير لأن العرس القروي سيمر بهم أيضاً وسيتجمع الآخرون لمد يد العون و"الفزعة".

      وما أن تبدأ شمس الصيف بإعطاء لونها الذهبي لسنابل القمح المُحملة بالخير و"المونة" والمائلة بتواضع للأيادي المتعبة والمتشققة من تعبٍ دام عقودا، حتى يبدأ المزارعون و"الحصادون" بالتحضير لموسم الحصاد الذي كان نتاج عمل وتحضير منذ ما قبل الشتاء، وخلاصة الموسم الزراعي في معظم قرى المملكة, فموسم الحصاد من أجمل الترانيم الأردنية عبر الأزل ولها طقوس محملة بالتعب واللذة, لكن في زمننا الحالي لم يترك التطور لحصادينا خياراً آخر إلا أن تدخل بيوت الحجر الطينية وتنزع المنجل من بين يديهم وتتدخل الآلات الحديثة بالموسم السنوي ويتغير لحن الترانيم العابقة بأصوات "الختيارية والعجائز" المبحوحة.

        ولموسم الحصاد قصة أجداد، وتاريخ أحياء قروية محملة بالذكريات عن روعة الموسم وسِمة التعاون بين ابناء القرية الواحدة في حصاد القمح عند أحدهم، لتبدأ دورة متماسكة بين البيوت لحين الانتهاء من جمع الغلال ومونة الشتاء الذي يتحول بين يدي حاصديهِ ونسائهم الى الخبز الذي هو ضرورة الحياة وغذاء الغني والفقير، لكن مع تغير الحياة وتطورها تغيرت صور كانت في السابق من أجمل صور، التواصل والعطاء والشعور بلذة التعب والانتظار لما ستجنيهِ أيديهم من جهدهم، يتحرك المنجل، بخفة بين اليدين اللتين تجمعان الخير من الأرض الطاهرة لوضعها في البيوت التي تعتبر القمح هو المصدر الرئيس والأساس لغذائها وتصريف باقي أمور الحياة، فيبيعون جزءا منه ويخبئون الجزء الأكبر في أكياس "شوالات الخيش" المُعدة مسبقاً لهذه الغاية لتكون مونة العام المقبل كاملاً. لكن أين هو المنجل الآن؟

       والمنجل للذين لا يعرفونه هو الأداة الحادة التي تأخذ شكل القوس لتكون عوناً للمزارع في عملية قطع السنابل من اسفلها. نبحث عنه لنجد أنه لم يعد له مكان بين الآلات الكبيرة المتطورة، وقد نلمحه معلقاً في زوايا أحد البيوت كمنظر تراثي وصورة من صور الماضي فقط، متناسين أن هذا المنجل شارك أباءنا وأجدادنا بناء البيوت وإطعام الأطفال الذين كانوا يقفون بالقرب من الحصادين عند غروب الشمس وانتهاء الحصاد علّهم يحصلون على قليل من القمح مما تمن به نفس أجدادهم ليستبدلوها بقليل من حلوى تلك الأيام. ومن الأدوات الأخرى الداعمة لعملية الحصاد هي "الشاعوب" كما يسميه القدامى وهي عبارة عن الأداة المستخدمة في فصل حبوب القمح عن باقي أجزاء السنبلة عن طريق نثرها في الهواء لتتدخل الطبيعة ونسماتها في هذا السعي من أجل الرزق.

        ورغم العناء الذي يتخلل عملية الحصاد، إلا أنها كما يؤكد كبار السن الذين مارسوها لسنوات طويلة أن "تلك الأيام كانت من أجمل الأيام التي مرت بهم خلال حياتهم المفعمة بالذكريات العتيقة رغم صعوبة العمل خلال النهار الطويل من بزوغ الفجر ولغاية غروب الشمس"التي تذكرهم بأن عليهم العودة الى البيت العتيق لقليل من الراحة استعداداً ليوم آخر من "التعب المريح ذهنياً".

        على مساحات شاسعة من بلادنا شمالاً وجنوباً تنتشر السنابل المحملة بلونها الذهبي الدافئ وكأنها لآلئ ذهبية بعد أن كانت بساطاً أخضر يغطي الأراضي التي ستصبح بعد فترةٍ قليلة جرداء بانتظار موسم عمل وزراعة ومحاولة لبسط الغطاء الأخضر ليتحول إلى اللون الذهبي مرة اخرى بعد الشتاء القادم. وتشتهر مناطق شمال المملكة بزراعة القمح أكثر من غيرها نظراً للأجواء البيئية المناسبة التي تمتاز بها تلك المناطق، بالإضافة الى معظم قرى الوسط والجنوب.

        ومن القصص التي حملت معنى جميلاً للقمح وخيرهِ ما جاء في قصة سيدنا يوسف عليه السلام عندما رأى الملك في منامهِ حلماً بأن هناك "سبع سنابل خضر وسبعٌ أخرى يابسات" ففسرها سيدنا يوسف بأن "السنابل الخضراء تعني سني الخصب والعطاء والغلال بينما السبع اليابسات هن سنوات المحل والجفاف الذي سيحل بالبلاد بعدها". وكتب ابن سيرين في كتابه "تفسير الأحلام" الشهير في تأويل القمح في الأحلام بأنه "مال حلال في عناء ومشقة وعمل في مرضاة الله " وأشار في موقع آخر في نفس الكتاب بأن "السنبلة الخضراء خصب السنة بينما السنبلة اليابسة النابتة على ساقها هي جدب السنة".

      موسم الحصاد هو صورة وأحد طقوس الفلاحين الذين لم يتوانوا في حمل السلاح يوماً ما للدفاع عن بلادهم وأرضهم وحصادهم بنفس اليد التي حملت المنجل دون كلل وملل، مما عكس على قوتهم الجسدية وصفاء ذهنهم لغاية الآن لأنهم لم يكن لديهم همٌ سوى بذر القمح وانتظارهِ ليصار الى حصادهِ وجمعهِ لكي تعتاش منهُ أجيال متعاقبة، فلم يكن "الموبايل" هدفهم ولا حتى الدخول الى عالم الإنترنت المرهق حتى وأنت في مكانك، بل كانوا يبحثون عن النوم مساءً دون تفكير بما سيحملهُ الغد المشرق بنظرهم.

       فسلمت تلك الأيادي السمراء الخشنة لكنها أكثر نعومة من أيامنا والتي باتت تعرفها السنابل الباحثة عنها فهذه الأيادي هي أكثر حناناً ورقةً عليها من الآلات الحادة وعجلات الحصادة الآلية، وتعرفها المناجل وحتى الشمس الشاهدة على حبات العرق التي كانت تروي الأرض قبل حبات المطر.

 

 

التعليق