حافظ البرغوثي في رواية "الخواص".. يحكي قصة الأرض الفلسطينية وإنسانها

تم نشره في الأحد 29 أيار / مايو 2005. 09:00 صباحاً
  • حافظ البرغوثي في رواية "الخواص".. يحكي قصة الأرض الفلسطينية وإنسانها

        عبد الحكيم أبو جاموس

      يقتحم الكاتب الصحافي الفلسطيني حافظ البرغوثي مجال الرواية من خلال "الخواص"، حيث يتخذ من مقام لأحد الأولياء وهو مصري الأصل يدعى إبراهيم الخواص انطلاقة لروايته من على قمة الجبل الذي يوجد عليه المقام. ويروي علاقته مع المقام منذ صغره حتى الآن وكيف لازمه طوال حياته في الغربة وفي الوطن، ويتخذ الكاتب لقب الولد حيث يزور الخواص ليلاً ويناديه الخواص بالولد طوال الرواية وفي نهايتها حيث يقول له يا بني ويلتقي بمن وصفهم بالعماليق فيستحضر مجموعة من الرجال عشاق الأرض من ذاكرته - ومن تاريخه منذ الكنعانيين حيث توجد آثار قرية كنعانية قرب الخواص وهنا ينتقل الولد - الكاتب بين الأزمان بسلاسة بألسنة شديد الكنعاني الذي يتحدث عن قومه الكنعانيين والشيخ الخواص الذي يتحدث عن مصر المحروسة وقدومه إلى فلسطين مجاهداً ضد الفرنجة الصليبيين ثم عشاق الأرض الذين عرفهم الولد وهم جده وأصدقاؤه ممن استصلحوا وزرعوا الأرض الصخرية الوعرة حول الخواص الواقع في قرية دير غسانة غرب رام الله وينتهي الولد بطلب اللجوء إلى الخواص وعشاق الأرض خلاصاً من واقعه ويجري حواراً معهم يقدمون له النصح ويشرح لهم الأوضاع والظواهر السلبية في المجتمع - العربي والفلسطيني - والنفاق والكذب والخيانة.

     الكاتب يقدم وصفاً دقيقاً للأرض وإنسانها ويحاول القول إن الإنسان العربي الفلسطيني الكنعاني ظل مقيماً في هذه الجبال منذ الكنعانيين دون انقطاع ويعرج إلى وصف عادات عربية كنعانية ما زالت موجودة لدى سكان القرى الفلسطينية حتى الآن. فالرواية وإن اشتقت من التاريخ والذاكرة وبعض الخيال إلا أنها أرادت أسطرة الواقع الفلسطيني وتجسيد الأسطورة الكنعانية. فهو يروي حكايات غريبة وعجيبة شهد بعضها، يرويها كصحافي متمرس ذي نظرة فضولية حساسة تلتقط كل شيء وتختزنه. فذاكرته كما قال لا تنسى شيئاً وهي نعمة ساعدته في عمله الصحافي لكنها تحولت إلى نقمة عندما فقد نعمة النسيان لأنه لم يستطع نسيان آدمته "زوجته الراحلة" ولعل آدمة موجودة كزوجة لشديد الكنعاني ثم تحولت إلى زوجة للولد، ورحلت ولكنه كمن يريد استنساخها ليؤكد أنها دوماً موجودة "لأن لمسة إصبع من آدمة تساوي جماع أجمل النساء".

    غرائب الولد عبد الحفاظ كما كان جده يسميه، كثيرة ويروي حكايات وقصصاً على ألسنة أبطاله عن الأولياء والجن تدخل في باب العجب والغيب، لكنه يعمد إلى تفسيرها بلسان الخواص والعماليق الآخرين، وهو اشتق العماليق من أسطورة كنعانية عن ولادة سبعة عماليق من الإله أيل أنجبهم بالقُبل وليس بالمضاجعة الجنسية لأنه كان عجوزاً ولعل اختياره لهذه الطريقة في إنجاب أبطاله تنم عن محاولته إضفاء الطهارة عليهم، فهم لم يولدوا إلا من قبلة، وليس من اتصال جنسي.

    الكاتب حاول أيضاً إلغاء كثير من المفاهيم الخرافية العالقة في الذهن الشعبي عن كرامات الأولياء ويترك للولي الخواص هذه المهمة فلا حاجة للإنسان بوسيط بينه وبين الله وهو يعتبر الأولياء من خلق الإنسان كوسيط مع السماء وتسود هذه الظاهرة في القرى عندما يخف الشعور الديني وتندثر عندما يقوى الشعور الديني إنه هنا يقول إن الإنسان يجنح إلى الغيبيات عندما يخف الشعور الديني ما يعني أن الشعور الديني السائد غير نقي.

    يحاكم الكاتب الكنعانيين لأنهم ركزوا على الإبداع والخلق والبناء والزراعة فتغلب عليهم العبريون فلو أقاموا أسواراً بدلاً من المعابد وصنعوا رماحاً وسيوفاً بدلاً من اختراع الأبجدية لما هزمهم أحد! ويحاكم العصر التركي - العثماني الذي عمل على تخلف البلاد العربية ولم يبن مدرسة أو مستشفى بل اتخذ من البلاد العربية مورداً للضرائب والجنود فاكنوا يرسلون المجندين العرب إلى أوروبا للقتال ويرسلون الأتراك لقمع العرب! ويحاكم الثورة الفلسطينية عام 1936 ويروي سلبيات لم يتعلم منها الفلسطينيون سواء إبان الثورة عام 1936 أو في لبنان أو في الانتفاضتين الأولى والثانية عندما اخترق الخونة والزعران الثورة، يتحدث عن "ثائر" أمر عمه بتجهيز ابنتيه ليتزوج منهما معاً إبان ثورة 1936، ويتحدث عن ثوار مارسوا النهب والسلب في بيروت وعندما كان يجري قتال يفرون، يتحدث عن بطولات الانتفاضة الأولى ويستحضر قصص بعض الشهداء ويصف بسخرية قائداً ثورياً يتولى مرافق خلع حذائه وآخر مهمته نزع عق وكورس ينشد له عندما يخرج أو يعود إلى منزله "طلع البدر علينا" ويؤكد الكاتب أن هذا حدث فعلاً.

    يختتم الراوي روايته بمشهد إيقاد النار ليلاً عند مقام الخواص، كان اليأس بلغ أشده لدى العماليق مما نقله الولد إليهم من أحاديث عن الوضع العربي الحالي فيوقد الخواص ناره التي كان يستخدم دخانها في إرسال إشارات عن تحركات الفرنجة في فلسطين ويرسلها عبر مقامات أخرى لتصل دمشق إلى نور الدين زنكي. يسارع الولد إلى إلقاء دفاتره في النار ويسأل الخواص "لماذا لا ترسل إشارات" فقال: لمن؟ لا أحد يستقبل إشاراتنا على الأرض إنها تعرف طريقها إلى السماء، ويسأله الخواص: ولماذا تحرق دفاترك وكتاباتك فيرد الولد " وما عاد هناك من يستقبل كتاباتنا على الأرض، إنها تعرف طريقها إلى النار" بهذه النهاية المتشائمة يختتم الولد روايته، وعندما سألته لماذا لم تبق أملاً فثمة أمل في النهوض قال: أنت قلت ذلك، لو أردت ترسيخ الأمل بنهاية متفائلة لناقشني الكثيرون عليها لكنك الآن تضع الأمل على لسانك، لقد أردت استفزاز القارئ حتى يختلف معي ويضع ما أريده على لسانه طوعاً وليس كرها.

التعليق