حوار مع د. سلام مسافر

تم نشره في الأحد 22 أيار / مايو 2005. 10:00 صباحاً
  • حوار مع د. سلام مسافر

 

 

د. سلام مسافر: هدفنا حوار المختلفين.. والمهم الولاء للوطن لا للحزب

 

       حاورته: جمانة مصطفى

عمان - سلام مسافر رئيس المنتدى الثقافي العراقي في روسيا الاتحادية الذي يتخذ من موسكو مقرا له، ويملك فرعا في سانت بطرسبورغ ومدن روسية اخرى، حيث ينتشر المثقفون والاكادميون العراقيون.

     وهو خريج جامعة بغداد قسم اللغة العربية، كلية الاداب، عمل في الصحافة العراقية منذ العام  1969 وحتى العام 1978 كمحرر في عدد من الصحف الكبرى مثل "الف باء" "الجمهورية" "الاذاعة والتلفزيون". بعد ذلك غادر إلى موسكو ليكمل دراسته بعد تعرض عدد من المثقفين الديموقراطيين لحملات اعتقال، واستكمل هناك في جامعة موسكو دراسة الصحافة، وتخصص في الصحافة الاجنبية. واستقر به المقام في العاصمة الروسية، وواصل عمله الصحافي مراسلا لعدد من الصحف العربية والمجلات ومترجما للأدب الروسي.

"الغد" التقت مسافر لدى زيارته الأردن أخيرا، وكان هذا الحديث:

حدثنا بداية عن المنتدى. متى تأسس، وماهية نشاطاته؟

تأسس المنتدى في عام  2001 رسميا، وشكل كيانا ثقافيا منفصلا منذ ذلك الوقت، الأمر الذي تزامن مع  مبادرة عدد من الجمعيات العربية بتأسيس "البيت الثقافي العربي".

اقترح علينا ان ننضم كمنتدى للتجمع الثقافي في البيت، إلا أننا فضلنا أن نحافظ على استقلالنا كوننا نؤمن بالتعددية.

    وعلى الرغم من أن المنتدى يضم نخبة المثقفين العراقيين في روسيا، إلا أنه يحتوي كذلك على عدد من المؤازرين الروس، ونقوم بعقد ندواتنا وجلسات الطاولة المستديرة بمعدل مرتين إلى ثلاث شهريا، والحقيقة أن منتدانا يحظى باهتمام الدوائر الروسية، أولا نتيجة لتطورات الوضع العراقي، وثانيا لأن الفعاليات تأخذ الطابع النوعي.

    وقد ترأس الشاعر والباحث التراثي خير الله سعيد - الذي يقيم حاليا بكندا - المنتدى للمرة الأولى وتبعته أنا، وحاليا آمل ان تجري الانتخابات لهيئة ادارية جديدة من قبل رئيس وزميل جديد.

    أما النشاطات فتحمل الطابع الثقافي. على سبيل المثال استضافت مكتبات الآداب الاجنبية الفعالية الأخيرة للمنتدى في كبرى قاعاتها، وحضرها أكثر من 40 مستعربا ومستشرقا و20 باحثا وخبيرا في الشؤون السياسية، الندوة كانت بعنوان "العراق ومعاصرة المستقبل" وتدور حول كتاب للبروفسيور العراقي "حكيم الجنابي" وقد تحدثنا عن مستقبل العراق والتهديدات الطائفية والحزبية، باعتبارها احد اخطر ما يواجهه العراق.

كون جميع أعضاء المنتدى من مثقفي وأكاديمي الخارج، هل يعطي هذا أي مؤشر لكونه منتذى للمعارضة؟

شعار المنتدى هو الولاء للوطن وليس للاحزاب، وهي الفكرة التي جعلته يستقطب غالبية المثقفين في روسيا، الاحزاب تهيمن على عقلية المثقف لينفع برامجها. وبالتالي فالمنتدى يضم اعضاء من يعتبر الاحتلال نعمة الى من يعتبر الاحتلال نقمة. وميزة المنتدى هو الحوار بين المختلفين لكننا في النهاية نؤمن بالولاء للوطن.

 

إذا فالمنتدى أشبه ببؤرة لصناعة فكر عراقي جديد؟

إلى حد كبير، نريد ان نقدم نموذج أن المثقف العراقي يجب ان يكون مثالا للبناء وليس الهدم، وليس ضروريا ان يكون الحكم في العراق ذا بعد واحد بل أن يضم الفسيفساء العراقية، بعيدا عن التمذهب والطائفية، والحزبية التي تشكل الآفة التي تنخر في الديمقراطية العراقية.

هل تؤمن أن الاحتلال الحالي والانتخابات السابقة هي الديمقراطية التي كان يحلم بها الإنسان العراقي؟

ما يحدث الآن هو محاولات مبعثرة ومهمشة ولا يمكن ان تنجح في ظل الاحتلال، وأقول لهؤلاء الذين يقارنون تجربة الانتخابات الفلسطينية في ظل الاحتلال بالتجربة العراقية أن هناك اختلافا كبيرا جدا.

    فالفلسطيني يحاول منذ سنوات الحصول على حريته واستقلاله تحت الاحتلال، وهذه ذريعة لا يؤخذ بها. نريد ان تجرى تجربة ديمقراطية حقيقية وليس شعارات مفرغة، فقد اكتفى العراق من السجون والمعتقلات والمقابر الجماعية ومن تهجير أبنائه.

هل تعتقد أن الدور الأكبر في بناء التجربة الديمقراطية العراقية، سيكون من حق المثقف الذي بقي في الوطن، أم العقول التي هاجرت وعايشت التجارب الديمقراطية في الخارج؟

المثقف العراقي في المهجر لم يترك العراق لاسباب اقتصادية، خصوصا هجرة العقول في فترة السبعينيات، بل بدأت الهجرات بعد ان اشتد بطش النظام السابق على المثقفين.

نحن الذين هاجرنا لسنا افضل من زملائنا ممن بقوا تحت رحمة الطغيان، بل ان كثيرا منهم كانوا اكثر شجاعة وصمدوا وحافظوا على نقائهم الفكري، وروح المقاومة الصامتة وحتى طباعة الكتب الممنوعة من النشر في المطابع السرية. وينبغي ان يكون لهم الدور الاول في اعادة بناء البنية السياسية والثقافية، فالذي صمد هو أكرمنا.

لماذا اخترتم موسكو مكانا، على الرغم من وجود عواصم غربية تضم أعدادا أكبر من المثقفين العراقيين؟

ربما توجد تجمعات في العواصم الأوروبية فيها أعداد أكبر من العراقيين في روسيا الاتحادية، لكن ليس عددا نوعيا وفي مختلف الاختصاصات.

    من ناحية أخرى فإن انهيار الاتحاد السوفييتي، جعل الاكاديمي العراقي اكثر قدرة على صنع المقاربة بين ما حدث في روسيا وما يجري الآن في العراق، وبالرغم من الفوارق بين التجربتين، إلا أن نقاط التشابه كثيرة وتستحق الدراسة.

المقاربة بين التجربتين هل أعطت مؤشرا على فشل نظام الحزب الواحد، أم على فشل الأسلوب الذي اتبعه هذا الحزب؟

بالطبع أثبتت التجربة التاريخية فشل الحزب الواحد، خصوصا مع الأمم التي تحوي تنوعا كبيرا، كما في العراق والاتحاد السوفييتي سابقا، وخير دليل هو ما جرى في الحقبة الستالينة، حين تعرض عشرات الالوف من "الانتلجنسيا" وليس فقط النخبة المثقفة بل تشمل كذلك المهندس والطبيب وصناع المعرفة في مختلف صفوفها، ممن تعرضوا للاضطهاد والتصفية والتعذيب، حين خاف نظام الحزب الواحد من أن تشكل هذه الطبقة خطرا عليها من خلال الآداب الطليعية التي تنشرها والكتب التي تخالف النظام.

    ميزة النظام العراقي انه اخذ كل ما هو سيئ من التجربة السوفييتية وترك الإيجابيات، وأعتقد اننا نستطيع اليوم ان نتفادى الأخطاء السابقة إذا عقدت مقارنة صحيحة.

ما هي الأهداف الاستراتيجية للمنتدى؟

الفكرة المبدئية هي أنه وحين تبادر مجموعة في بلد ما بالخطوة الإيجابية الأولى ستنتقل عدوى المبادرات الى الدول الاخرى. نتمنى ان يتحول المنتدى الذي اصبح له موقع ريادي في الحياة الثقافية الروسية العربية إلى مشروع عالمي شعاره "لا للاحتلال، لا للطائفية السياسية".

وكيف يتم تنفيذ ما تفرزه هذه الندوات في موسكو على أرض الواقع في العراق؟

الامر المفرح هنا هو ان الندوات والطاولات المستديرة للمنتدى نشرت عنها تقارير وتحقيقات على مواقع الانترنت، وحظيت باهتمام مدهش من اخواننا في الوطن، كما تلقينا تحيات وترحيبا لهذا النشاط، ناهيك أن بعض افتتاحيات الصحف استخدمت مقاطع من تقاريرنا المنشورة على الانترنت.

    هذا الأمر بقدر ما يفرحنا فإنه يحزننا، لأن المثقف الذي يصب في معاداة التمذهب والطائفية لم يتمكن إلى اليوم من التحدث بحرية من الداخل. وإذا أعطت هذه الحالة مؤشرا فهي تؤكد على ان المثقف العراقي لا يستطيع البوح بهذه الافكار في فضاء بدون رقابة.

 

    العراق تحت الرقابة، والارهاب نوعين: ارهاب الجماعات المسلحة، وارهاب الاحتلال، والمبدع العراقي  يرزح بين النارين.

    التجربة الاشتراكية فشلت على نطاق عالمي والى الآن الاحزاب الاشتراكية، والحزب الروسي، والحزب الشيوعي السوفييتي الروسي الذي كان قائدا لم يحلل اسباب هذا الفشل، والعراقيون لم يحللوا اسباب عدم حصول الحزب الشيوعي الا على مقعدين من أصل 275 في الانتخابات الاخيرة. لكن ثمة من يعتقد ان الحزب اخطأ حين دخل في مؤسسات الاحتلال، وكان يجب ان يكون في رأس المعارضة السلمية وان يضم في جبهته علمانية يسارية مع احزاب دينية،

    لا سيما وان "الحزب الشيوعي العراقي" لم يكن موافقا على الحرب، رفض الحرب ورفض الديكتاتورية، واليوم أثبت كل من صفق للحرب أنه كان إما جاهلا او مغرضا.

هل تعتقد أن المواطن العراقي استطاع أن يستوعب حريته خصوصا مع نهب المتاحف والآثارات والقصور الجمهورية؟

سقط النظام لكن خرج العراق، وظيفة المثقف ان يكون قائدا للحريات، ونحن كمنتدى عراقي ذهبنا الى وزير الثقافة الروسي قبل الحرب وناشدناه ان تتدخل روسيا كعضو مجلس الامن لمطالبة ما يسمى بقوات التحالف المحافظة على آثار العراق، فالعراق كاملا هو متحف كبير.

    واستجاب الوزير وقال نصا: "قبل ان تأتوا كنت قد بعثت برسالة الى اليونيسكو نطالب فيها القوات بالتعامل بحذر شديد مع الحضارة القديمة المتمثلة في آثار العراق".

    وبعد العدوان ونهب المتاحف، ذهبنا للوزير وكان شديد الحماس وناشد قوات الاحتلال بعدم السماح بهذه العمليات، وقمنا بحملة في وسائل الاعلام الروسية لانقاذ ما يمكن انقاذه، وهناك سجل لصحافيين روس زاروا العراق قبل العدوان وسجلوا آلاف القطع الاثرية التي فقدت لاحقا.

    نحاول اليوم ان نحصل على هذا الارشيف لكن الامكانيات المالية ليست قوية كفاية، نتمنى من وزارة الثقافة ان كانت حريصة على تراث العراق مساعدة المنتدى للحصول على الارشيف وان لم تساعد سنلجأ لاصدقائنا من المنظمات وعلاقاتنا مع أساتذة الجامعات من أعضائنا فلدينا في المنتدى مئات الاكاديميين في الجامعات العالمية ممن خرجوا الالوف من حملة الشهادات العليا.

تحدثت عن دور المنتدى ثقافيا وسياسيا، ماذا عن الدور الاجتماعي؟

نحاول ان ننهي الندوات التي نقيمها في الصالونات الثقافية، وأن نقيّم في حفل الاستقبال الذي يقام عقب الندوة من خلال جلسة غير رسمية نتجاذب فيها أطراف الحديث افكار الندوة اللاحقة.

    الفعالية الأخيرة كانت حفل تأبين بمناسبة مرور عام على رحيل الناقد والمفكر قاسم عبد الامير عجام هو بطريقه من الحلة إلى بغداد برصاص الارهابيين، وأردنا أن تكون الندوة مناسبة لادانة جرائم الذبح للمثقفين وقد كان اول ضحية لهم، فقد كان واحدا من المثقفين الذين بقوا وقاوموا الديكتاتورية بالصمت ولم يكن يؤجر قلمه للحاكم، بل حافظ على شرفه كمثقف وتحمل كل الويلات من القهر والحروب والحصار والمجاعات على مساحة 3 عقود. فقد كان نموذجا لمثقفي الداخل الذين ننحني لهم نحن مثقفو المهجر لصمودهم، وهو تكريم لكل زملائنا في الداخل، فالمثقف العراقي أيا كان هو صديقنا وحبيبنا.

(تصوير: ساهر قدارة)

 

التعليق