"اعجوبة بيرن"... تداخل العام والخاص بوعي سينمائي خلاق

تم نشره في الخميس 19 أيار / مايو 2005. 09:00 صباحاً

عرض على مسرح البلد

 

       محمد جميل خضر

    عمان- تحركت الرؤية الاخراجية في فيلم "اعجوبة بيرن" لزونكة فورتمان في مستويين متوازيين ومتقاطعين في آن, ففي حين ركز المستوى الاول على الانجاز الاسطوري للمنتخب الالماني الذي انتزع العام 1954 كأس العالم في كرة القدم من بين اسنان الاسد المجري الذي كان في احسن حالته تلك الايام, ولم يكن قد هزم خلال اربعة اعوام ونصف متواصلة, والاهم من هذا وذاك بأن نفس المنتخب المجري الذي خسر المباراة النهائية بهدفين مقابل ثلاثة اهداف لألمانيا كان قد فاز على الالمان في الادوار التمهيدية (8/3).

    فإن المستوى الثاني رصد احوال عائلة تعيش في حي يقطنه عمال مناجم الفحم وتنتظر بأمل عودة رب الاسرة من سجنه الذي طال في سجون روسيا (الاتحاد السوفيتي سابقا) كأحد الجنود الالمان الذين اعتقلوا كأسرى اثناء الحرب العالمية الثانية.

    وكانت عائلة لوبانسكي تأقلمت مع الغياب الطويل لمعيلها ريتشارد الذي استمر بقاؤه في الاسر 12 عاما, وتعاون الاولاد برونو وماتيس والصبية انجز مع والدتهما في ادارة شؤون حانة افتتحوها ليعتاشوا من مداخيلها المعقولة, الى ان جاءهم مرسال يخبرهم بعودة والدهم الذي لم تكن تصله رسائل زوجته المشتاقة بصبر, فلم يعلم بالتالي بولادة ماتيس الذي نفر منه في البداية متخيلا انه ليس ابنا له, ولم يعرف كذلك بموت ابنته كريستينا, فظنها في البداية انجر, هذه المواقف المركبة شكلت عنوان علاقة الاب العائد محطما مهزوما من بشاعة الاسر, والخجل من بشاعة ما فعله الجيش الالماني بروسيا, والاخطر من ذلك الفاقد للرغبة بالحياة حتى على صعيد التواصل الزوجي العاطفي, وعبر مشاهد تعكس قدرة الحياة على صناعة فرحها بأدواتها وفي اكثر الظروف قتامة يصور لنا مخرج "الحيتان الصغيرة" بلغة سينمائية بعيدة عن المزاودة والزخرفة الشكلية كيف تؤسس العائلة ابجديات تفاهمها وكيف يبكي الاب ريتشارد في آخر الفيلم اثناء قراءته لرسالة ابنه برونو الذي قرر الانتقال الى شرق سور برلين حيث المساواة كما يعتقد, وهو البكاء الذي تناقض مع زجره للصغير ماتيس عندما بكى فصفعه وعلى خده وقال له "الاطفال الالمان لا يبكون" وعندما بكى اسفا على قسوته مع ابنه برونو ما اضطره لمغادرة البيت اقترب منه ماتيس الطفل بملامحه المحملة بحزن وهدوء ساحر وقال لوالده بوعي يسبق عمره فيما ابتسامة تسامح تعلو وجهه "للألمان الحق في ان يبكوا ايضا" وهي الجملة التي تحمل دلالات كثيرة, فرح المانيا بالحصول على كأس العالم وكانت المرة الاولى وهو الانجاز الذي حول مدرب المنتخب هيربيرغر وحارس المرمى هلموت ران الى ابطال قوميين, تقاطع مع فرح عائلة لوبانسكي بفتح قلب الاب لباقي افرادها ويوجه لهم صورا من معاناته ايام الاسر عندما كان الموت حدثا عاديا يتأكدون من عدم حدوثه صباح كل يوم جديد, وكيف صار هاجس البقاء على قيد الحياة ومكابدة الجوع بالخيال والنهب والجنون العنوان الوحيد لسنوات السجن والاسر ما انساه عائلته وكل ما هو خارج حدود مأساته الممتدة على مساحة آلاف الايام.

    انتصرت المانيا الساعية في ذلك الوقت على الصعيدين الرسمي والشعبي الى تجاوز محنة الهزيمة الماحقة في الحرب التي جرتهم اليها النازية عنوة, ولم يكن له خيار سوى التورط فيها, وامطرت الدنيا فرحا وخصبا في يوم النصر, وتعانق الانجاز الوطني مع التخلص على صعيد الافراد من تداعيات الحروب وعقدها النفسية وويلاتها الاجتماعية في فيلم سينمائي ربما لم يكن تحفة بالمعنى الحرفي للكلمة ولكنه كان مشغولا بحرفية عالية وجاءت مشاهده مقنعة وتحمل نكهة واقعية خصوصا المشاهد المتعلقة بالمباريات واحراز الاهداف التي جاءت نسخة دقيقة عن الاهداف الحقيقية التي سجلت في كأس العالم 1954 حتى اشكال اللاعبين جاءت قريبة جدا من اللاعبين الحقيقيين مثل الاسطورة الكروية المجرية بوشكاش صاحب الرقم 10 فالممثل الذي ادى دوره يشبهه الى حد بعيد.

    وضمن برنامجه لعرض خمسة افلام المانية مترجمة الى العربية قدم المركز الثقافي الالماني (غوتة) ثلاثة منها في جامعة مؤتة بالكرك مطلع الشهر الجاري, ويعرض ثلاثة منها منذ الاثنين المقبل في جامعة اليرموك في اربد, فيما يعرض الخمسة في مسرح البلد, فبعد "اعجوبة بيرن" اول من امس و "سولينو امس" يعرض في الثامنة من مساء اليوم "نصف درجة" اخرج اندريباس دريسن, ليعود الى مواصلة العرض في عمان بعد تقديمه عروض اربد, فيعرض في الثلاثين من الشهر الجاري "الوداع يا لينين" اخراج فولفجانج بيكر و "بيلا مارتا" اخراج ساندرا نتيلبيكس.

التعليق