ندوة تحولات المعنى في القصيدة الحديثة تبحث ارتباط الشعر بالأشكال الايقاعية

تم نشره في الخميس 19 أيار / مايو 2005. 09:00 صباحاً

          زياد العناني

   عمان- ركز المنتدون في ندوة "تحولات المعنى في القصيدة العربية الحديثة" التي نظمتها الدائرة الثقافية في امانة عمان صباح امس في مركز الحسين الثقافي على هامش مهرجان عمان الثقافي الثاني 2005 على التحولات المهمة في الاشكال الايقاعية وعلاقتها ببنية التجاربة الشعرية وعلى علاقة الشعر المركبة والملفزة بالتاريخ رغم محاولة الشعر الدائمة التخلص من ارضيته وتحرير نفسه من الاشتباك بنسيج اليومي العارض ليسمو فيي معارج الخيالي والمنقطع عن عرض الحاضر ودمه النازف.

    وقدم د. سيد بحراوي في الجلسة الاولى التي ترأسها د. عبد القادر الرباعي وشارك فيها كل من د. خليل الشيخ ود. سامح الرواشدة ورقة حول دلالة التحولات في الشعر العربي الحديث قال فيها بأن الشعر العربي الحديث- خلال قرن ونصف قد شهد تحولات مهمة في الاشكال الايقاعية حملت في ذاتها وفي علاقتها ببنية التجارب الشعرية قيما جمالية وايديولوجية مثلت على انحاء مختلفة- الزمن الذي ظهرت فيه.

    وأشار د. بحراوي الى توالي الاشعار في اطار الشكل وغيره مثل الشكل المقطوعي والسوناتا والشعر الحر واخر قصيدة النثر لافتا الى ان اللحظة الراهنة من تاريخ الشعر العربي قد تتجاوز هذه الاشكال مع الشكل الايقاعي للقصيدة الموحدة مؤكدا على ان النظرة الفاحصة تبين الملامح والدلالات التي تميز تجارب شعراء كل شكل بين الكلاسيكية والرومانسية والواقعية وكذلك الحداثة وما بعد الحداثة.

    ثم قدم د. خليل الشيخ دراسة بعنوان "تحولات ريتا في خطاب محمود درويش الشعري" اكد فيها على ان شخصية ريتا تجيء في شعر محمود درويش امرأة غنية بالدلالات فهي جسد الانوثة التي تجتاح الشاعر وتحتل عالمه ولا تكتفي بذلك بل تثير قضايا معقدة في علاقة الذات بنفسها وفي علاقتها مع الآخر تتجاوز ابعاد علاقة الحب.

    واشار الشيخ الى ريتا وعلى امتداد النصوص الشعرية التي تجلت فيها من "آخر الليل" في العام 1967 حتى "احد عشر كوكبا" في العام 1992 تتبدى في شعر درويش امرأة متفردة ومتجددة بسيطة ومركبة ارضية وصوفية واقعية ومتعالية مادية ومثالية فهي ريتا اليهودية المتعصبة التي ترتبط مع العربي الفلسطيني بعلاقة حب ولدت منذ النص الاول مكتملة الابعاد وظلت هذه العلاقة ساحة للصراع ومرآة له لافتا الى ان البندقية التي يملكها الآخر وبكل ما تشير اليه من رمز للقوة العسكرية المتفوقة ظلت حاضرة ابدا في ثنايا هذه العلاقة سواء ألاحت في الافق ام خرجت من لا وعي ريتا وعقلها الباطن او رآها الشاعر شبحا دائما فهي التي تجعل علاقة الحب تختل وتشكل لحظة ملتبسة تجمع بين الاتصال والانفصال وتعيد العلاقة الى المربع الاول.

     وتطرق خليل الى المسار التشكيلي لـ "ريتا" مبينا انها لم تكن فكرة مجردة او اداة من ادوات التعبير عن الصراع غير انها كانت تسير في ذلك المسار من الاختصار والتكثيف الى الاسهاب والتفصيل ومن سحر النموذج الرومانسي الى الشخصية المركبة فيما شخصية الشاعر ظلت تجمع بين العاشق المسكون بقضيته وارضه وتدرك ان علاقته بـ "ريتا" في ظلال الصراع تشبه ترويض النمرة.

    واختتم الجلسة د. سامح الرواشدة بدراسة بعنوان تحول الرؤيا الادونيسية- قراءة في ديوان اغاني مهيار الدمشقي قال فيها بأن بعض نظريات تحليل الخطاب قد التفتت الى مفاهيم تدور حول موضوع الخطاب او ما يسمى لدى بعضهم بالتغريض او البنية الكلية, وهي مفاهيم تصب في دلالة واحدة تقريبا تقوم على البحث عن الموضوعية المركزية للخطاب والتي نستطيع بناء عليها ان نرصد رؤيا المبدع وموقفه من الحياة والكون والذات والآخر ونرصد ايضا المنطلقات الاساسية التي يشتغل عليها ذهن المبدع وتسهم في صياغة تجربته وتسير الى ما يسمى في تحليل الخطاب وفي النقد البنيوي التكويني والاجتماعي.

   وأكد الرواشدة على ان ديوان "اغاني مهيار الدمشقي" يمثل انعطافة مهمة في تجربة ادونيس بوصفه مفصلا حادا في رؤيا الشاعر وموقفه من الحياة والذات مستشهدا بما قاله عادل ضاهر بأن هذا الديوان يمثل نقطة تحول مهمة جدا في حياة ادونيس الشعرية اذ انه يشكل بداية اتخاذ مغامراته الشعرية مدلولا فلسفيا بكل ما تعنيه هذه المغامرة من استكشاف لعالمه الداخلي وتحولاته وللعالم الاكبر حوله ومستعرضا شهادة الناقدة خالدة سعيد في قولها: في "اغاني مهيار الدمشقي" يبتكر ادونيس شخصية اسطورية خاصة به وكان فيما سبق من آثاره الشعرية يلجأ الى صيغ اسطورية معروفة ينتزعها من حركتها التاريخية ويعيد احياءها بالرموز والدلالات المعاصرة.

    وبدأت الجلسة الثانية التي ترأسها د. خليل الشيخ بسؤال قدمه د. محمد بدوي في ورقته حول وظيفة الشعر وهل يمكن الآن الحديث عنها مشيرا الى ان الحديث عن وظيفة ما يقوم بها الشعر قد صار امرا يثير استياء البعض من الشعراء والنقاد الذين يرون ان للشعر طبيعة خاصة وانه يجب ان يكون وفيا لطبيعته وتطرق د. بودي الى العصر الحديث وكيف استعاد الشعراء للشعر وظيفته التقليدية اي وظيفة التوجيه الاخلاقي مشيرا الى انه ومع غزو الرومانسية للشعر اصبح الشاعر نبيا وساحرا مختلفا عن غيره من البشر لانه يكتب ذاته وذاته هي ذات الآخرين.

    وقدم د. نايف المعاني دراسة بعنوان "تحولات بارزة في المبنى والمعنى في شعر ادونيس- قصيدة الصقر نموذجا" اكد فيها على ان مجموعة ادونيس الشعرية "كتاب التحولات والهجرة في اقاليم النهار والليل" قد مثلت تحولا نوعيا مهما في تطوره الشعري تزامنت مع تحولات موازية في سياق حركة الشعر العربي الحديث لافتا الى ان دواعي التحول والتطور في اطار حركة الشعر الحر كانت يومئذ تفرض نفسها بالحاح.

   واعتبر المعاني ان ادونيس قد اعد من خلال تجربته الشعرية والنقدية المشهد الشعري الحداثي العربي للانتقال الى شعرية الرؤيا الامينة دائما لطبيعة الفن الشعري والمتدورة دائما للتحول المستمر.

    واختتم الناقد فخري صالح الندوة النقدية بدراسة حول علاقة الشعر بالتاريخ اعتبر فيها ان الشعر يرتبط بالتاريخ بصورة سرية. واشار صالح الى محاولة الشعر الدائمة للتخلص من ارضيته وتحرير نفسه من الاشتباك بنسيج اليومي والعارض ليسمو معارج الخيالي والمنقطع عن عرق الحاضر ودمه النازف.

    كما اشار صالح الى رغبة التحرر التي سكنت الكثير من الشعراء العرب في القرن العشرين وما نتج عنها من الشعر الاثيري ذي النزعة الميتافيزيقية والابتعاد بالكتابة الشعرية عن مصادرها اليومية الامر الذي جعل هذه الكتابة تمرينا في تأمل العالم والعيش من نقطة بعيدة في برج الشاعر العاجي.

    وأكد صالح على ان الشعر الحقيقي لا يسكن في ارض هذين النوعين المتباعدين بل فيما يؤلف بينهما وفيما يطلع من ارض التاريخ ولكنه يعيد تأليفه وترتيب ذراته ليكون الحدث وما يسمى التاريخ بمعناه الشامل الذي يرفعه من وهدة التسجيل التاريخي.

التعليق