عوض: الأدب الفلسطيني "بعد أوسلو" ابتعد عن البطل "الأسطوري"

تم نشره في الأربعاء 18 أيار / مايو 2005. 10:00 صباحاً
  • عوض: الأدب الفلسطيني "بعد أوسلو" ابتعد عن البطل "الأسطوري"

روائي فلسطيني حائز على جائزة الملك عبدالله للابداع يرى "ان الفن غايته الجمال"
 

      حاوره: يوسف الشايب

    رام الله - رغم أن رواياته كانت تلقى حضوراً ملفتاً على الصعيد المحلي في فلسطين، وخاصة "العذراء والقرية"، إلا أن رواية "القرمطي"، والتي حققت اهتماماً كبيراً على الصعيد المحلي، فور نشرها، ومن ثم على الصعيد العربي، إثر فوزها بجائزة الملك عبد الله الثاني في العام 2003، كانت هي نقطة الانطلاق الجديدة للروائي الفلسطيني، أحمد رفيق عوض، المغرم برصد لحظات الهزيمة، ومحاولة البحث عن أسبابها، وتجلياتها، مؤكداً أنه لا يكتب "روايات تاريخية"، بل "تستند إلى التاريخ".

    ويعد صاحب "القرمطي"، وبعدها "عكا الملوك"، وقبلها روايات عدة، لرواية جديدة، ينبش من خلالها، ليس فقط عن حفريات لغوية غائبة، من خلال البحث في مناطق لم يسبقه إليها أحد، بل عن تقنيات روائية وقوالب جديدة، "تتناسب مع فكرة العمل الروائي"، حسبما يقول ..  كان لنا معه "اللقاء التالي":

بداية .. لماذا "القرمطي" بالتحديد؟

بسبب بحثي المستمر والدؤوب عن أسباب الانهيارات، والعوامل الأولية التي حولت المجتمع إلى محض روابط بيولوجية أكثر منها جمعانية عليا، وبسبب رغبتي في الاستمرار بالتنقيب عن أسباب الهزائم، من خلال التركيز على علاقة السلطة (بمفهومها المطلق) بالشعب، والسلطة بالتاريخ، والفرد بالسلطة، من باب "من يضع أجندة من؟!".

     في القرمطي ذهبت إلى مناطق إشكالية في محاولة للإجابة على تساؤلات تقلقني شخصياً، رغم أنها لم تخرج بإجابات.

حسناً فلنتحدث عن أن الإجابات الغائبة كانت من بين الانتقادات الموجهة للرواية؟

طبيعي ألا تكون ثمة إجابات، فأنا روائي ولست مؤرخاً، بمعنى أنني قد أستعين بالتاريخ والفلسفة، دون الانجراف إليهما، وربما لذلك لم تبد الشخصيات "حاسمة"، فقد انفلت من بين يديّ، حيث خرجت هذه الشخصيات من قيودها التاريخية وجثثها الهامدة .. الأشخاص أكثر جاذبية لي من الأفكار.

ولكن هل هناك حادثة معينة جعلتك تتجه نحو القرمطي؟

الهجوم المبرمج ضدنا كعرب ومسلمين، لا سيما بعد 11 أيلول (سبتمبر)، وخاصة ما يحدث في فلسطين، والعراق، وما حدث في افغانستان، والإهانات المتكررة بحقنا، والتي تخطت أنوفنا .. وجدت في هذه الصفعات المتكررة، ما يشبه الصفة التي وجهها أبو طاهر الجنابي المعروف بالقرمطي إلى المسلمين، عندما نزع الحجر الأسود، بقدسيته ورمزية من الكعبة، لأكثر من عقدين .. هذه الإهانة الكبرى تشبه إلى حد ما الإهانات التي كنت ولا أزال أعيش في ظلها.

    ما فعلته في القرمطي، هو أنني توجهت إلى إهانة سابقة، لأطابقها، وأقاربها مع هذه الإهانات، في محاولة لتفهم الظروف التي تجعلنا نقبل الإهانة، كأن شيئاً لم يكن .. تساءلت في نفسي: أين المثقف، والجماهير، والحاكم، كما حاولت أن أفهم أوهام القرمطي، وأحلامه، وأفكاره، والواقع الذي ساعده في ذلك الوقت على فعل ما كان يريد .. كنت أسعى لإدراك ماذا إذا كانت اللحظة التاريخية في تلك الفترة ناضجة لدرجة سقوط الثمرة، أم نموها فحسب؟! .. لكني انصعت للفن والجمال.

وأي جمال يمكن أن يخرج من حكاية تصفها بالبشاعة والقبح؟

الفن غايته الجمال .. نعم تعاملت مع حكاية قبيحة، ومرعبة، مع جثة هامدة ذات رائحة كريهة، لكني عملت على إعادة تشكيلها من جديد، بحيث أنتصر للحيوي والفاعل فيها .. عملت في القرمطي على وضع القبح في مكانه، دون مبالغة أو انتقاص، وأنا أرى أن الجمال يكمن في وضع الأشياء في أماكنها، كما أنني لا أرى في البشاعة أو القبح نقيض الجمال، بل متممه ومكمله، بل أن البشاعة هي من تكشف لنا فوضى العالم، كما أنها ضرورة فنية .. أستطيع أن أدعيّ أنني استعدت حكاية بشعة، ولكن بشكل جميل.

البعض قارب بين القرمطي وشخصيات معروفة فلسطينياً وعربياً وحتى عالمياً .. أنت أين من هذا كله؟

عندما كتبت القرمطي لم يتبادر إلى ذهني على الإطلاق أن أقوم بإسقاط تاريخي ما على الواقع، بمعنى أنني لم أكتب شيئاً لأحلل شيئاً آخر .. أردت أن أكتب رواية تستند إلى التاريخ، وليست تاريخية، وبالتالي لم تكن القرمطي مقاربة لواقع أعيشه، رغم تشابه وارتباط زمن القص بالزمن الروائي، فهناك تقارب في المحيط الزمني بين العامين 2001 و971 للميلاد.

    النقطة الأهم في رأيي، أن ثنائية القرمطي والخليفة المقتدر، كانت لنقاش علاقة الأنا بالأنا، وليس الأنا بالآخر .. كنت أحاول البحث وراء هذا القتال المميت، والتفكك، والانتحار، الذي تحمله الثقافة نفسها، من خلال "إهانة الحجر الأسود"، التي لم تتكرر، وأرجو ألا تتكرر، كنت أتساءل: كيف احتملوا غياب الحجر الأسود 20 عاماً عن الكعبة .. أدركت أنه لا يعول على الجماهير، في لحظات تاريخية معينة، فقد تكون ميتة، أو مختفية، أو غائبة، أو مهمشة، وبالتالي تنتهي الثورة، كما هو حاصل الآن تماماً.

لكن البعض قال بأنه كان عليك أن تبحث عن قصص أكثر "إنسانية" تعبر عما كنت تريده، فالحجر الأسود، ورغم قدسيته، يبقى حجراً؟

ليس صحيحاً، فالحجر الأسود ليس حجراً فحسب، بل هو رمز جمعاني للمسلمين، وبالتالي هو أكثر إنسانية مما يعتقدون، ليس فقط رمزا إنسانيا، بل دينيا، والدين، كما أراه، أقوى الروابط، وأهمها في حفظ الجماعات .. لقد تمت إهانته ولم يتحرك أحد.

فازت "القرمطي" بجائزة الملك عبد الثاني بن الحسين للابداع العام 2003، ماذا أضافت لك هذه الجائزة؟

الكثير .. أضافت لي نوعاً من الشهرة اللطيفة والمحببة، شهرة ربما كنت أتوق إليها، كنت أحب أن أكون اسماً معروفاً على المستوى العربي، وحققت لي الجائزة ذلك، خاصة أننا ككتاب فلسطينيين، وبالتحديد من كنا نقيم في الأراضي المحتلة قبل أوسلو، نعاني من "التعميم"، فجيلنا لم ينل الاعتراف من أحد.. هذه الجائزة كانت بمثابة الاعتراف بي وبجيلي، خاصة أن لجنة التحكيم كانت تتألف من نقاد ذوي أسماء معروفة، ولهم وزنهم على الساحة العربية .. عموماً أنا شاكر لكل ما حدث بخصوص هذه الجائزة.

    على المستوى الإبداعي، دفعتني هذه الجائزة إيجابياً، منحتني مزيداً من الثقة، التي كنت أحتاجها في ذلك الوقت .. بت أكتب بثقة أكبر، وبجرأة أكثر، وأبحث عن مناطق أكثر وعورة، وربما أقل لمعاناً.

    عموماً الفنان آخروي بطبيعته، بمعني أنه يريد الآخرين، حتى لو لم يبد ذلك .. الفنان في داخله آخر، وبالتالي يسعده الاعتراف بجماليات ما يقدمه.

قبل الجائزة حققت "القرمطي" حضوراً جيداً في فلسطين .. لماذا برأيك؟

ربما لأنها تبحث في مناطق جديدة على الرواية الفلسطينية، فلم يسبق أن كتب روائي فلسطيني عن التاريخ بهذه الرؤية المختلفة، وربما لعوامل سيكولوجية على رأسها أن الرواية تتحدث عن لحظات متردية ورديئة، تشبه اللحظات التي يعيشها الفلسطينيون، وربما (وأقولها بتواضع) لأن الرواية مكتوبة بشكل جميل.

صياد الهزائم

أحمد رفيق عوض مهووس بلحظات الهزيمة .. حتى يمكنني القول بأنك "صياد الهزائم"؟

صحيح، في كل رواياتي تشغلني لحظات الهزيمة، فالسقوط يبدأ بانشقاق الأنا على نفسها، والمدن تسقط من الداخل، وهذا ما قالته أخيراً روايتي "عكا الملوك"، وما قالته رواياتي السابقة جميعاً، فانا أرى أن السقوط يكون داخلياً على الدوام.

      دعني أقول لك شيئاً: في التاسعة عشرة من عمري، قرأت كتاباً للروائي والأديب الأردني تيسير السبول بعنوان "أنت منذ اليوم"، وشدني فيه تساؤله الذي لا يزال يلسعني، رغم أنني في منتصف عقدي الرابع، والذي يقول فيه: لماذا نحن "الحشية" التي يتدرب عليها الآخرون؟! .. أستطيع أن أقول، وبكل ود وحب، أن مشروعي الروائي بأكمله قائم للرد على هذا التساؤل، والغريب أن السبول نفسه انتحر على إثر هزيمة العام 1967، ما شكل صدمة كبيرة لي.. أنا مهووس في رصد لحظات الهزيمة، وهي كثيرة.

وأين أنت من الهزيمة؟

لست مهزوماً على الإطلاق، وإلا لما كتبت، فالعمل الإبداعي عمل متفائل عموماً، وبالتالي ما دمت أكتب، ما دامت الهزيمة لم تتسلل إليّ بعد .. أنا أكتب لأقول أن للهزيمة أسبابها الموضوعية إلى حد ما، وأنها الاستثناء، وأنه بالإمكان استيعابها وتحويلها إلى جملة من الانتصارات، فعوامل النهضة أكثر من عوامل التفكك، خاصة في هذه الأمة.

    عندما نحدق بالتاريخ فنحن نرغب في تغييره، وكتابتنا عنه نقطة البداية لذلك، والمهزوم لا يحدق، بل يغمض عينيه .. أنا لست مهزوماً على الإطلاق، رغم أن الهزيمة تحيط بي من كل جانب.

يقال بأن أحمد رفيق عوض يستسهل اللجوء إلى قوالب وتقنيات جاهزة في الرواية؟

ليس صحيحاً، فرواية العذراء والقرية سرد كلاسيكي، وفي مقامات العشاق طغى التحليل، وفي آخر القرن استخدمت تقنيات السرد الصحافي والتلفزيوني، وللقرمطي وعكا والملوك قوالبها المختلفة.

     شكل الرواية قضية كبيرة بالنسبة لي، فهناك محاولة دائمة للتجديد، لكن المضمون هو من يفرض شكلاً جديداً للرواية، بمعنى أن المضمون يختار شكله .. أنا من أنصار التجريب في شكل الرواية، فلا آباء روائيين لي .. لا مرجعية روائية لي، وهذا ما يجعلني حرا في اختراع ما أريد، خاصة أن الفن شكل وكيفية، وبالتالي عليك كفنان أن تعمل بكيفية جميلة وممتعة، لكن المضمون أيضاً يجب أن يكون على مستوى جمالية الشكل.

أدب حديث

برأيك ما هي ملامح الرواية الفلسطينية "الحديثة" والأدب الفلسطيني "الحديث" عموماً؟

هناك اختلاف كبير بين أدب ما قبل وما بعد "أوسلو"، وهي المرحلة التي تحولت فيها الرواية الفلسطينية، والأدب عموماً نحو الذاتية، وبات أكثر قرباً من الأسئلة الشخصية، والوجودية التي لم تكن سائدة في السابق، وهو أدب "هامشي وليس مركزياً"، يركز على الأحلام والكوابيس والشبقية العالية والمساءلة، ويبحث ببساطة في الغامض والمجهول والمتواري .. هو أدب تخلى عن الهم السياسي، وربما عن فكرة المقاومة أيضاً، باتجاه الحديث عن المجتمع المهشم، والمدينة المهشمة.

    "بعد أوسلو" بدأ الأدب الفلسطيني ينتصر للبطل العادي، وربما المأزوم، والمهزوم، والمتردد، والخائف، بعيداً عن البطل "الأسطوري"، و"السوبر مان" .. شعر محمود درويش نفسه اختلف بعد "أوسلو"، وهذا واضح في "لماذا تركت الحصان وحيداً؟"، و"سرير الغريبة"، و"لا تعتذر عما فعلت".

وكيف ترى هذا التوجه الجديد؟

لا أدري .. الأدب والفن الفلسطيني بعد "أوسلو"، كأنه قادم من المريخ، فالألوان انتصرت على الوجوه في لوحاتنا، واللون الرمادي بات مسيطراً، والقصيدة انغمست في الإبهام، والغموض، والكتلوية، فلا جمل بؤر فيها، والرواية اتجهت إلى العادي لا البطل، إلى اليومي وليس التاريخي، وأنا أرى في ذلك تعبيراً سوسيولوجياً وسيكولوجياً عن مجتمع لم يعرف نفسه بعد.

وأين أنت من ذلك؟

أقول (بتواضع) أنني أدرك اللحظة التاريخية، وبعضاً من دوري كمثقف ومبدع، وبالتالي أصف نفسي بمن يعرف الذاهب وملامح الآتي، وكأني في منطقة "ترانزيت" بين المغادر، والمقبل.

نجومية

وكيف تصف المشهد الروائي الفلسطيني، الآن؟

متعدد الأولويات والمرجعيات، وفيه مغامرات جديدة، وأبواب تشرع لأول مرة، وهناك تجارب تحاول أن تقوم بمهمتها التاريخية، بالمعنى الفكري والاجتماعي، أي لم تعد محكومة بالسقف السياسي .. هناك روايات عدة، وتجارب صادقة مع نفسها، بالمعنى التاريخي والفكري والسياسي، كتجربة الراحل حسين البرغوثي، وتجارب غريب عسقلاني، وأحمد حرب، وغيرهم.

لكن لماذا غابت الأسماء الفلسطينية عن "نجومية" الساحة الروائية العربية؟

لا أعتقد أننا نعاني من نقص في الإبداع، لكن جيل الروائيين الفلسطينيين العظماء ككنفاني، وحبيبي، وجبرا، وغيرهم، كان محمولاً بإبداعات ودوافع سياسية، وظروف تاريخية محيطة، لم تعد قائمة، فلكل عصر لغة، وعقل، وذائقة .. كانوا يكتبون في زمن المد الجماهيري الثوري، ونحن نكتب الآن في زمن "الفيديو كليب"، حيث لم يعد للكلمة أهمية تذكر، فشهرة أية فتاة تحمل شيئاً من جمال الشكل، وتملك صوتاً ولو متواضعاً، باتت تفوق شهرة كنفاني، وإيميل حبيبي، وحتى طه حسين.

هناك رأيان أحدهما يقول بأن الأدب لغة عالمية، وبالتالي لا يجب أن يحدد بحسابات قومية، أو عنصرية، أو يؤطر بمواقف سياسية، في حين يرى البعض الآخر في بعض هذه التوجهات "تطبيعاً"، خاصة إذا ما كان ذلك يتطلب التعاطي مع "الآخر المحتل".. أين أنت من ذلك؟

أنا ضد "التطبيع" بشكل مطلق، فلا يمكن أن أطرب لأغنية قاتلي، أو أن أروج لأكاذبيه، فلو كان شاعراً، بالتأكيد لن اسعد بغزله لبلادي التي احتلها، وبات يعطيها أسماء جديدة، لكن إذا كانت العلاقة تدخل في باب "الاشتباك"، فلا ضير في ذلك، هنا الأمور تتجه نحو مقاومة المحتل، وليس التعاطي معه، فنحن مشتبكون على الأرض، وهذا بالضرورة يستدعي مواجهات ثقافية، من باب "الاشتباك على المفاهيم أيضاُ"، إذا كنا نشتبك على الجغرافيا، فإننا نشتبك على التاريخ والرواية أيضاً .. برأيي، القبول بوجود الآخر مرفوض تماماً، لكن هذا لا يلغي حقنا وحدنا فقط، في مقاومة الاحتلال ثقافياً والاشتباك معه، وللاسف هناك من فتحوا أبواباً على المحتلين، تحت ذرائع مختلفة، من بينها "أن الأدب يسمو فوق الصراع" .. هذا "تطبيع مرفوض".

أخيراً، ما هي مشاريعك القادمة؟

أعد رواية عن الملك الأشرف، وهو من طرد آخر صليبي من فلسطين، من خلال صحافي يعيش في رام الله في ظل السلطة الوطنية الفلسطينية، و"يرى الأعاجيب"، وما بين لحظة انتصار ولحظة هزيمة كاملة، تقع روايتي، بلغة كوابيسية، بشكل يسمى "المنامة"، وهو شكل أدبي مغمور لصاحبه الطرطوسي، والذي عاش في القرن العاشر الميلادي، في بلاد الشام.

التعليق