كتاب جديد يكشف نواحي شخصية وعامة لمنيف

تم نشره في السبت 14 أيار / مايو 2005. 10:00 صباحاً
  • كتاب جديد يكشف نواحي شخصية وعامة لمنيف

بيروت - في كتاب ماهر جرار الذي حمل عنوان "عبد الرحمن منيف والعراق - سيرة وذكريات" قراءة ممتعة تبرز الروائي الكبير من نواح متعددة عبر نسيج يتداخل فيه الشخصي والعام والادبي والاجتماعي والتاريخي والسياسي والحزبي في بعض المراحل.

     وقد استطاع الدكتور جرار الاستاذ في الجامعة الاميركية في بيروت ان يجعل من مقابلاته مع الكاتب الراحل وعلى رغم استنادها الى اسئلة واجوبة واشكال من الحوار والنقاش، تتحول الى سيرة متلاحمة الاجزاء تنساب بروح سردية ويشكل العراق نقطة ثقل فيها.

    واتبع جرار ذلك بدراسة طويلة عميقة الغور لثلاثية منيف "ارض السواد" بلغت حصتها نحو 60 صفحة من الكتاب الذي جاء في 215 صفحة متوسطة القطع بينها عشر صفحات للهوامش شكلت تثبيتا لمصادر ومراجع عربية واجنبية. وقد صدر الكتاب عن المركز الثقافي العربي.

    قال جرار في المقدمة ان الكتاب يصدر في الذكرى السنوية الاولى لرحيل منيف و"يضم الحوار الاخير معه" بالاضافة الى دراسة عن ثلاثية ارض السواد فضلا عن شهادة لطلال شرارة "رفيق درب عبد الرحمن منيف في السياسة والحياة" ارتأت عائلة الراحل ان يشتمل الكتاب عليها.

     اضاف جرار ان المقابلة مع الدكتور منيف اجريت بتكليف من مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت اذ ارتأت رئاسة تحرير مجلة الدراسات الفلسطينية ان تجري حوارا مع منيف "احد ابرز رموز النضال القومي العربي والروائي الكبير والمثقف صاحب الموقف الجريء والحزبي السابق.. حوارا مع شاهد على عصر عربي يعيش مخاضا اليما وتحولات مفتوحة على المجهول."

    جرى اللقاء الاول مع منيف في منزله بدمشق خلال تشرين الثاني (نوفمبر) 2003 واداره جرار بحضور معاذ الالوسي وغانم بيبي اما اللقاءات الاخرى فأجراها جرار على فترات متباعدة بين السنة ذاتها واوائل عام 2004 قبل وفاة منيف في 23 كانون الثاني (يناير) 2004.

    واوضح جرار انه حاول ان تكون "علاقة عبد الرحمن منيف الحميمة مع العراق هي المنطلق من خلال اطلالته الجميلة والاستشرافية على فضاء العراق في ثلاثيته "ارض السواد" الصادرة عام 1999 "وقد غطى الحوار البدايات في عمان وبغداد والقاهرة ويوغوسلافيا. والمرحلة الانتقالية التي تناولت مؤتمر حمص عام 1962 لحزب البعث العربي الاشتراكي وخروج منيف من الحزب ثم مراحل بغداد ودمشق وبيروت. وشمل بعد ذلك العراق انطلاقا من المشروع الاصلاحي الذي عمل عليه داود باشا (الذي حكم العراق بين عام 1817 وعام 1831) مما تناولته ارض السواد.. وصولا الى "الاستعمار الجديد." وتناول ايضا "فلسطين والعراق" و"دور المثقف العربي اليوم".

    جرار يصف منيف صاحب المنزلة الادبية والفكرية الرفيعة ودرجة دكتوراه في علوم النفط بانه "يجمع اكثر من ارومة عربية الجذور من نجد ومن العراق" فجدته لامه عراقية ويختلط في هذه الارومة العشائري بالمديني. وقد امضى طفولته وسنوات شبابه الاولى في عمّان وغادرها سنة 1952 الى بغداد للدراسة الجامعية. قال منيف ردا على سؤال "في اطار البيت كان الاوضح والاكمل هو الاطار البغدادي ولكن خارج البيت كان المناخ نجديا كون اهل نجد موجودين بكثافة اكثر من اهل العراق. العراقيون في عمّان كانوا قلة." وكانت جدته تتردد الى عمان حاملة "بعضا من حياة بغداد."

    وتحدث عن انتسابه الى حزب البعث عندما كان طالبا ثانويا في العاصمة الأردنية. ورد على سؤال لجرار بقوله انه كان يتمتع بوعي تاريخي محدود "كنا نقرأ كثيرا. ومن جملة العوامل المحفزة لنا اننا درسنا التاريخ كقصيدة طويلة مليئة بالبطولات والاهتمام. علينا النظر الى الامور بمقاييس تلك المرحلة."

    ومن بغداد في المرحلة الجامعية الثانية انتقل الى القاهرة بين 1955 و1958 ووصف تلك الفترة بانها كانت "فترة بهية جدا وهامة في تاريخ المنطقة. القاهرة كانت قد غدت عاصمة العالم الثالث تقريبا وملتقى لكل حركات التحرر والنضال والمتغيرات الهامة."

     وسنة 1958 غادر بغداد بمنحة من الحزب الى يوغوسلافيا حيث بقي الى سنة 1961 وحصل على الدكتوراه في الاقتصاد. سأله جرار عن سبب عودته الى بيروت بعد يوغوسلافيا فرد قائلا "طبيعة عملي السياسي وعلاقاتي كان تملي علي ثلاثة اختيارات هي بغداد وبيروت والسعودية. اسرتي تحديدا كانت تلح علي بضرورة العودة الى السعودية. وكان عدد المتعلمين قليلا في ذلك الزمن ولم يكن ثمة عمل سياسي فلم يكن الامر مغريا او مقنعا."

     سأله جرار اذا كان خياره الاتجاه الى كتابة الرواية (ابتداء من 1971) هو بسبب شعوره بانه وصل الى طريق مسدود في العمل الحزبي فأجاب منيف "كان الحزب والعمل السياسي هما نافذتي للصلة بالآخرين.. كأنه محاولة لتغيير العالم من خلال تنظيم علاقات فكرية - سياسية. هذا ولم اكن في الحزب من الاشخاص المنضبطين تماما. كنت متهما "بتخريب" شبيبة الحزب عبر اغرائهم بالقراءة والاهتمام بالمسرح والرواية واجراء مناقشات ادبية وفكرية فالكتاب الادبي جزء من الثقافة السياسية. وعندما اصطدمت بحاجز لم يعد ممكنا لي تخطيه كان لابد من ايجاد وسيلة للتواصل مع الآخرين."

   وسأله جرار هل كانت "ارض السواد" تستشرف "الرعب الاستعماري الجديد القادم الى العراق بكل جبروته" فرد بقوله "عندي قناعة بأن هذه الموجة لا بد ان تنحسر وتنكسر. ربما كان الاحتلال الاميركي اليوم هو من أغبى الاحتلالات، فهو يقوم على صورة وهمية عن الآخر بما فيه العراق." واضاف ان المرء "يتمنى لو حصل التغيير عن طريق القوى الوطنية."

    ورأى أن "اميركا تحاول ان تجد بؤرا اخرى في سورية وايران وربما لبنان ايضا من اجل ان تشتد الحاجة الى اميركا لمحاولة اطفاء الحرائق وتهدئة الاوضاع. يعني اذا اقتصرت على العراق تتعب.. اعتقد ان اميركا يهمها اذا لم تستطع ان تصل الى نتائج معينة في ضبط الوضع في العراق ان توسع دائرة البيكار وفضائه حتى يمتد الحريق ما يقتضي تدخل اميركا بشكل خاص وتدخل آخرين من اجل اعادة صياغة المنطقة وترتيبها بشكل جديد."

     ختم جرار الحوار بالعودة الى موضوع الرواية فسأل منيف قائلا "كتابة الرواية عملية شاقة اذن؟" فرد الروائي الكبير بقوله "طبيعي لولا المتعة الموجودة فيها لكان جميع الروائيين هجروها. انها لسيت سهلة. لكنها مثل الحب. الحب تعاني منه احيانا غير انه يولد شعورا بالغبطة الداخلية فيه الكثير من التعويض كما ان في استجابة القارئ تعويضا."

التعليق