فنانو مهنة النجارة: المزاوجة بين الابداع والحاجة

تم نشره في الثلاثاء 10 أيار / مايو 2005. 10:00 صباحاً
  • فنانو مهنة النجارة: المزاوجة بين الابداع والحاجة

       رأفت سارة

 

   كانت الحرب العالمية الثانية تلملم أوراقها ،حين قدم بائع خضار يهودي نصيحة لمحمد إبراهيم عامر يحثه فيها على تعليم ابنيه عامر (1931) وإبراهيم (1934)  مهنة تنفعهم. لذلك انضم عامر وإبراهيم لمدرسة ثيودور شنلر بالقدس، لتعلم مهنة النجارة ،على يد يعقوب احمد بدوي الذي غرس فيهما تعاليم المدرسة الألمانية، التي تحذر الكذب والنصب والاحتيال والخداع لتعطي بعد ثلاث سنوات شهادة ذات قيمة معنوية ومالية كبرى..!!

وبعد عام قصير في عمر الدراسة ،ولكنه كان كافيا كي يتشرب إبراهيم، أصول المهنة التي رافقتة مدى الحياة، لتكون المشعل الذي أضاء به نور حياتة العملية ،التي بدأت من جديد اثر اللجوء القصري لعمان، حيث اخذ عبد الله البندك بيد إبراهيم ،ليعملان معاً في منجرة قوي فيها عود الاخوين عامر وإبراهيم واجتهدا حتى انفصلا عن البندك، وأقاما بالتزامن مع العدوان الثلاثي على مصر يوم (29/10/1956) منجرة في بيت محمد بشير كاتبة تحت عمارة دائرة الجوازات القديمة بشارع سينما الأردن.

    المنجرة التي رسمت منذ ذلك الحين، تاريخاً جديداً للمهنة حيث ظل صاحبها ممسكاً "بصولاجان" المهنة التي تتأسس على إبداعات العامل نفسه،حيث يقوم بتطويع الأخشاب، بعد تقطيعها حينا وضربها أحيانا أخرى، لعمل مجسمات وتراكيب ما تلبث بكثير من الخيال والإبداع ان تصبح أثاثا نستخدمه في بيوتنا او مكاتبنا لتلبية كافة الاحتياجات التي تقبلها أذواقنا ورؤانا للأشياء التي تملء حياتنا بالراحة والاسترخاء!

وما لبثت المنجرة التي بدأت صغيرة ، ان كبرت وإتسعت وباتت (10 مخازن) بعد الانتقال الى منطقة التاج (1959) فطريق الإذاعة التي تم شراء عشرة دونمات عليها (1976) لعمل مصنع يزود البلاد، بأرقى أنواع الأثاث الفاخر، الذي يعرض على أربعة دونمات بطريق المطار (1/1/2000) والذي يعكس قدرة العامل الأردني على الإبداع وبهذا الصدد يصف إبراهيم العامر كفاءة اليد المحلية بـ(الذكاء) وان اخذ عليه (إهماله بمصلحته والتزاماته)!!

وبهذا الصدد فهو يؤكد بأن ايطاليا وبعض دول أوروبا باتت تتطلع بعين الرضا للبلاد المليئة  بالمذاهب والتي يرفض الكثير فيها بيع خشب (مغشوش) كما يصف "أبو خالد" حال بعض الدول الأوروبية؟

   ويرى إبراهيم الذي علم أبناءه "خالد وخلدون وجمال" كيف يسيرون على خطاه، بأن مهنة النجارة تعطي لمن يعطيها وشبهها بالشجرة التي تحنو وتكبر كلما زادت العناية بها.

 ويبرر إبراهيم اسباب خفوت صناعة (الأرابيسك) بارتفاع كلفتها المادية، نظراً لاحتياجها لدقة عالية وعمل يدوي كبير بعكس الكثير من التصاميم التي باتت أسهل وأيسر بعدما تطورت الماكنات وباتت تقدم كل شيء تقريباً.

ورغم غزو الشعر الأبيض رأس إبراهيم محمد عامر (1934) وتجرأ مرض (الظفر اللازج) على ركبتيه ،جراء الوقوف الطويل وراء الماكنات فإن أشياء كثيرة لم تغيرها السنوات الـ

" 75 ""حيث حدة ملامح الوجه المشرق, وصلابة الهمة، وقوة الشكيمة, والصحو قبل ان تبرح قطرات الندى أوراق الشجر.

   برع الإنسان قديماً في مهنة النجارة، التي كانت قريبة منه بحكم وجود الأشجار ،التي بدأ يصنع منها الأقداح والمحاريث ومعدات الأكل ومستلزماتها، ناهيك عن عمل أبواب وشبابيك وسقوف تقي الإنسان البرد والحر، وبما ان الحاجة ام الاختراع فقد سبقت الآلات التالية (المنشار- القدوم, المقص , الفأس, المنقب وما يسمى مجازاً بالفارة) الكثير من الآلات الحديثة في الظهور. ويبدو ان لمدرسة ثيودور شنلر التي بدأت رحلة التعليم من القدس قبل ان تنتشر في مناطق ودول أخرى كالأردن،دورا رياديا كبيرا، وهذا ما يؤكده مدرس مادة النجارة" نبيل  خوري" الذي كان طالباً بالمدرسة قبل ان يدرس فيها قبل نحو أكثر من 40 عاماً وتحديداً منذ العام 1964.

ويقوم مع طلابه بعمل الكثير من الأشياء المميزة، التي تتسم  بالجودة والمتانة، وهذا أهم ما يتعلمه طلاب المدرسة الحرفية حيث يشير رمزي " هناك 15 طلبا من شركات محلية، بالاضافة للسوق الخليجية، تطالب بطلاب من خريجي المدرسة لما يتمتعون به من سمعة و خبرة  جيدتين" ويضيف "نتبادل مع ألمانيا ولبنان الخبرات والزيارات ولهذا فيسهل ان تجد عشرات النجارين المميزين ممن يتأهلون للعمل في مشاغل كبيرة".

تصوير: اسامة الرفاعي

 


التعليق