جورج شامي: بيروت بين هجرتين داخليتين.. وروايتين

تم نشره في السبت 30 نيسان / أبريل 2005. 10:00 صباحاً

 بيروت - رواية "أول الذهب" للكاتب اللبناني جورج شامي تحكي بطريقة واقعية تصل الى حد التحول الى تقريرية احيانا قصة نزوح مبكر او هجرة داخلية لمجموعة من سكان جنوب لبنان الى "المصهر" الاجتماعي الذي تمثله العاصمة بيروت.

    الرواية التي تحكي وان بسرعة شديدة احيانا قصص ثلاثة اجيال على نمط قد تكون ثلاثية نجيب محفوظ اطلقت بعض سماته عربيا.. تتسم بواقعية واضحة وتكاد لولا قدرة جورج شامي على القص.. تتحول احيانا الى شبه تقرير اجتماعي سردي.

    وقد يصعب على قارىء الرواية الا يجد نفسه في اجواء تشبه الى حد كبير اجواء رواية "حي اللجى" للكاتبة اللبنانية بلقيس الحوماني الى درجة يشعر فيها القارىء احيانا بان الكاتب وضع رواية الحوماني نصب عينيه وجعلها مثالا لروايته على رغم ما نجده بين الاثنتين من اختلاف.

    ومع قدرة الشامي على "هضم" موضوعات مختلفة ونقلها الى القارىء في سرد مشوق وان طغت عليه برودة احيانا فان رواية بلقيس الحوماني جاءت متميزة بقدرة مؤثرة لا تقع فريسة سرد ميكانيكي بل تحفل بمشاعر انسانية حارة.

    وبينما عمد شامي اجمالا الى وصف شخصياته من "الخارج" مركزا على بعض سماتها بما يخدم الصورة "الكبيرة" للنسيج الروائي فقد تناولت الحوماني اشخاص روايتها الرئيسية بصفة كل منهم كائنا ذا نفس متعددة الاغوار.

    الا ان الروايتين "تتكاملان" من ناحية هي ان كلا منهما ركزت على مشكلات مجموعات بشرية نزحت من الجنوب اللبناني الى العاصمة بيروت لاسباب جامعها المشترك الفقر وان بدت تفاصيلها مختلفة. لكن الشريحة التي قدمتها الحوماني كانت من المسلمين الشيعة الذين نزحوا الى بيروت للبحث عن فرصة عمل على امتداد السنوات الواقعة بين الحربين العالميتين الاولى (1914 - 1918) والثانية (1939 - 1945).

    اما عند الشامي فالحقبة الزمنية امتدت بين هاتين الحربين اي من فترة الانتداب الفرنسي في عشرينيات القرن الماضي وصولا الى الحرب العالمية الثانية ومنها الى الحرب الاهلية في لبنان بين 1975 و1990 وتناولت مجموعة من الجنوبيين المسيحيين الموارنة.

    رواية الحوماني نشرت مسلسلة عام 1964 ثم صدرت في كتاب عام 1969 وقد اهدتها الكاتبة الى "الطبقة الموسرة جدا والمتعلمة جدا المسؤولين عن سباق الخيل وتفشي القمار والمخدرات.. اذ اضع تحت ابصارهم تعاسة قسم من شعبهم الجأه الحرمان.. الى هجر اراضيهم العطشى وبيوتهم في الجنوب ليبحثوا عن لقمة العيش كيفما وحيثما توافرت في بيروت.. بيروت الساحرة الفاتنة والخداعة الغادرة."

    تضيف الحوماني عن روايتها "الواقعية" التي لا تخلو من اجواء رومانسية قولا يبرز الروح التي تحركت فيها الرواية "وكان ان ازدحمت الاحياء العتيقة والدور المتآكلة بالاسر منهم والافراد وانتشر اطفالهم في الازقة وقد سلب جو بيروت الخانق الرطب وجناتهم الغضة رواءها ونضارتها بينما تساقط الكثير من آبائهم واخوانهم في شباك القمار وسباق الخيل ثم بعد ذلك المخدرات بانواعها.

   رواية جورج شامي الاستاذ الجامعي والصحافي وكاتب القصة القصيرة والرواية.. وهي كتابه الحادي عشر منذ 1956 صدرت عن دار "رياض الريس للكتب والنشر" في 140 صفحة متوسطة القطع. وقد يكون ذلك سبب السرعة احيانا في تناولها السنوات الطويلة والشخصيات العديدة.

    يتحدث شامي عن الاب ثم الجد في الرواية وهو فلاح يعمل في اراض لا يملكها فيقول "كان دياب الصفراوي فلاحا يتقاسم المواسم مرابعة مع اصحاب الارض مالكي القريتين.. علمات والقصير في اقاصي الجنوب اللبناني ولكن عصابات القتل والنهب والسرقة عاثت في تلك المنطقة تدميرا وحرقا تحت شعار الثورة ومناهضة الاحتلال الفرنسي الذي اعقب نهاية الحرب الاولى المعروفة باسم حرب (الاربعتش) في القاموس البلدي قاموس القهر والموت جوعا... "ولم تكتف العصابات بنهبه وسرقة مواشيه وغلاله وحرق بيوته بل خطفته وابنه البكر لمدة تزيد على الشهرين اتخما خلالها ضربا وتنكيلا وتعذيبا.. واضطر مع افراد عائلته اطفالا ورضعا الى الهرب... الى بيروت مع قوافل النازحين... الذين احتضنتهم بعض المنظمات الانسانية وجمعيات الاغاثة"

    العائلة التي جمعتها "المصيبة" في البداية لم تلبث بعد استقرارها ان بدأت الاختلافات تدب فيها. الابنة الكبرى التي هربت تحت لباسها "الليرات الذهبية" التي كان والدها قد جمعها بشقاء العمر انقذت العائلة اذ استطاع الوالد بناء بيت انحشرت الذرية في غرفه الدائمة الازدياد. وسرعان ما نشبت الخلافات مع زوجة الاخ بداية ثم بين الاخوات انفسهن ففرضت احداهن سلطتها على الجميع.. وبين الاخوة الى اولاد الاخوة لاحقا.

    يختصر شامي بعض "الارث من المشكلات" عند العائلة من خلال ناصيف الشرفاوي زوج احدى بنات دياب الصفراوي والذي كان يخشى ان يدب الخلاف بين ابنائه بقوله "لقد صدق حدسه اذ بعد مرور عشرين سنة على وفاته وهو في الثالثة والتسعين من العمر لم يكن اولاده قد اتفقوا على قسمة البيت والارض الملحقة به" بسبب التنازع على الحصص. اما سعد الله الصفراوي الاخ الاكبر والاكثر نفوذا في العائلة فكان بارا بوالده من ناحية وظالما لمعظم اخوته واخواته من ناحية اخرى.

    وقد يكون شامي من خلال شخصية سعد الله قدم صورة مميزة وغريبة لنمط "نموذجي" لبناني بل انساني تجتمع فيه صفات متناقضة. وهو يصفه بمحدودية ثقافته ويقول "وعلى الرغم من تحزبه السياسي لمارونيته ولفرنسا (الام الحنون) لم يكن متدينا ممارسا ولم يشاهد يحضر القداس لا في الايام العادية ولا في الاعياد ولم يشارك يوما في تساعية الميلاد وفي صلاة الستار قبيل الفصح ولا في الصوم.

"وكانت له تفسيرات وتأويلات واجتهادات ايمانية خاصة به لا تلقى قبولا لدى كثيرين وتتناقض احيانا مع الثوابت في العرف الكنسي. ومع هذا كان ملتزما بقوانين الصدق والاستقامة فهو (في دكانه) لم يكن يطمع بربح فاحش او غير معقول ولا كان يتلاعب بالجودة ولا كان يتلاعب بالمقاييس والمكاييل والموازين.."

    ينهي شامي روايته بحكم قاس على شخصياته هذه فيقول "ما قيمة عائلة هذا حالها لا تنفعل بالاحداث ولا تلتزم بالمواقف ولا تنتسب لاي حزب وليست عندها ايديولوجية وولاؤها باهت وشاحب. ما قيمة خياراتها هذه. خيارات الانكفاء والتقوقع.. والتمسكن المستتر بالعبادة والتقوى والصلاة. تحترق باحتراق البخور في المجامر وتتلاشى بانتحار التراتيل في الحناجر وتذروها رياح التشتت كما تذرو الرياح المحاصيل على البيادر."


 

 

التعليق