مثقفون يجمعون على ضرورة تأطير فعل المقاومة والتفريق بينه وبين فلسفة القتل المؤدلجة

تم نشره في الثلاثاء 26 نيسان / أبريل 2005. 10:00 صباحاً
  • مثقفون يجمعون على ضرورة تأطير فعل المقاومة والتفريق بينه وبين فلسفة القتل المؤدلجة

        زياد العناني-عزيزة علي


جامعة فيلادلفيا - حاول المشاركون في مؤتمر "ثقافة المقاومة الذي نظمته جامعة فيلادلفيا صباح امس تأطير فعل المقاومة استناداً الى ثقافة تؤمن بفعل المقاومة بوصفه فعلاً نهضوياً شاملاً للأبعاد السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، بهدف تميز ثقافة المقاومة تماماً عن الارهاب والتفريق بين حق الشعوب في التحرر وبين ارهاب الدول وصولاً الى تعريف الامم المتحدة للمقاومة بأنها "اداة لممارسة الحق في تقرير المصير او التحرر من قوة الاحتلال" واشتمل حفل افتتاح مؤتمر "ثقافة المقاومة" على جملة من الكلمات بدأها رئيس اللجنة المنظمة للمؤتمر د. صالح ابو اصبع قال فيها ان مشروعنا الثقافي يهدف الى تحريك الساكن لأننا ندرك ان مسؤولية المثقفين الحفاظ على الحلم الوطني والقومي وزراعة الامل في النفوس، لافتاً الى ان اختيار عنوان المؤتمر جاء نابعاً من تساؤل رئيس هو: ألسنا بحاجة الى مجابهة للتحديات التي تواجه امتنا من احتلال وفقر وتجزئة وتناحر وصراع على السلطة وتبعية وتخلف واستبداد وتعصب.


     وزاد د. ابو اصبع بأن الاجابة على هذا السؤال يجب ان تستند الى ثقافة تؤمن بفكر المقاومة مشيراً الى ان الجامعة تعد مؤتمراً تحت عنوان "ثقافة الخوف" كعنوان من عناوين الاجندة الوطنية التي عبر عنها دولة الرئيس عدنان بدران في اكثر من تصريح صحفي.


 وقدم د. عز الدين عمر موسى كلمة باسم ضيوف المهرجان ارسل فيها برقيات ثلاث : الاولى لجامعة فيلادلفيا الفاعلة والمنفعلة مهنئاً معشر الطلبة باختيار د. عدنان بدران رئيساً لوزراء الاردن المرابط. والثانية: توثب كلية الاداب والفنون بقيادة عالم عرف كيف ينزل العلم على الواقع وهو د. صالح او اصبع. والثالثة وهي الاطول لأنها لكم انتم وعبركم للأمة كلها مشيراً الى ان هذه الامة مهددة من داخلها قبل تهديدها من خارجها لافتاً الى ان هذا التهديد يأتي من داخلها بنخب مسيطرة سياسياً واقتصادياً ومتربصة بأوضاع بالية افضت الى ضعف مدمر ومع هذا فهي عليه مبقية وبه متشبثة وعليه حريصة ولهذا فهي تقاوم كل سعي بل كل نداء للإصلاح والتجديد فضلاً عن التغيير.


     من جهته قدم رئيس جامعة فيلادلفيا د. مروان كمال كلمة قال فيها: لعل من المسلمات التي تتوافق عليها الامم والشعوب ان المقاومة وعي وفعل انساني يأخذ صيغة رد الفعل على الاعتداء والعدوان فالمقاومة بهذا المعنى سبيل لحماية الذات.
      واضاف د. كمال بأن تجارب المقاومة موجودة في سجلات الشعوب جميعها وليست حكر على العرب او المسلمين وحدهم مشيراً الى ان ثقافة المقاومة تتضمن البحث عن الامان والاستقرار والسلام اما خطاب الارهاب فهو بعيد عن المقاومة ومختلف تماماً عنها لافتاً الى ان الارهاب ترويع واعتداء وعدوان غير مشروع وهو مرفوض في شريعة الاسلام وكل الشرائع السماوية والارضية.


       واختتمت العين ليلى شرف حفل الافتتاح بكلمة قالت فيها بأن الفكر العربي سواء القانوني او الفكري الفلسفي لم يتصد بعد بجدية ووعي ومتابعة للمخاطر الناجمة عن مساواة المقاومة الوطنية بالارهاب. واعتبرت العين شرف ان معظم معالجات هذه الظاهرة لا تزال اقرب للمناقشات في صالونات المثقفين او حوارات المفكرين منها الى الدراسات العلمية المعمقة التي يمكن ان تعطي البدائل لما تطرحه القوى الفاعلة في العالم وتنغلب على احرارها رفض تعريف الارهاب يتضح الفرق بين الارهاب والمقاومة المشروعة.


 الى ذلك شارك المؤتمرون في افتتاح معرض الفنان عبد الحي مسلم الذي انسجم مع توجهات المؤتمر في ابراز الذاكرة الشعبية اليومية الفلسطينية التي سعى الاحتلال الصهيوني الى طمسها.


الجلسة الاولى


    عقدت الجلسة الاولى للمؤتمر "ثقافة المقاومة" ضمن الاطار النظري برئاسة د. يوسف بكار ومشاركة كل من : د. حسن حنفي "مصر" و د. حسن برقاوي "سورية" د. مسعود ضاهر "لبنان" .


    وقدم د. حسن حنفي ورقة بعنوان "ثقافة المقاومة" حاول فيها البحث عن الاجابة على ثلاثة اسئلة : الاول لماذا العجز العربي مشيرا الى تحول الهزائم العربية المتكررة منذ العام 1948 الى عقدة تحد من المقاومة. والثاني: هل هناك ثقافة للمقاومة في تراثنا القديم؟ لافتاً الى نشأة الاسلام كثورة على الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية في شبه الجزيرة العربية وكذلك انواع المعارضة للحكم الاموي المسلحة في الخارج "الخوارج" والفكرية في الداخل "المعتزلة" والسرية تحت الارض "الشيعية" والخروج على الحاكم الظالم. والثالث: كيف وجدت ثقافة المقاومة في الفكر الغربي؟ مشيراً الى اليوتوبيا كمقاومة "جمهورية افلاطون" والمقاومة السلبية "عصر الشهداء" والمقاومة بحرية الفكر والمقاومة بالحوار "سقراط" ومقاومة السلطتين الدينية والسياسية "اسبينوزا" والأنا الوطنية "جرامشي" ومقاومة العالم بالجسم "مين دي بيران" ومقاومة الشباب مايو في العام 1968 .


     واعتبر د. حسن حنفي ابعاد الجماهير عن المشاركة السياسية وغياب الخيال السياسي والاهانات المتكررة للعرب قد اثرت على وحدة النضال العربي وادت الى التعود على اخبار المقاومة كحدث يومي وطبيعي.


       وجاءت ورقة د. احمد برقاوي لتبحث بين ايديولجيا القتل وفلسفة المقاومة وتشير الى ان المشكلة التي نحن بصدد فضها هي ايديولوجيا القتل- اي التبرير الايديولوجي لفعل القتل- قتل الاخر- معتبرا ان هذه الايديولوجية هي التي تقدم هذا الافناء ضمن مبررات تصل حد وصفه بالفعل البطولي. وطالب د. برقاوي بالتمييز بين فعل القتل الذي تقف وراءه ايديولوجيا تدعو اليه وتبرره ومشيرا الى ان قتل اللص صاحب البيت بدواعي السرقة فعل يلقى الاستنكار العام اذ ان دوافع القتل واضحة لا لبس فيها. وتساءل د. برقاوي هل كان لايديولوجيا القتل ان تغدو عام تأثير على البشر لو لم يكن الانسان ينطوي بالاصل على نزعة عدوانية تجاه الاخر؟


       وفي المقابل اعتبر د. برقاوي ان فلسفة المقاومة تقف في مقابل ايديولجية القتل وتبرز لسبب بسيط هو ان المقاومة فعل عار من اي كذب ومن اي حمولات ايديولوجية خفية لأنه ببساطة موقف من العالم وبالتالي فإن فلسفة المقاومة فلسفة بمعنى الحياة المليئة بالكرامة والحرية.


      اما د. سعود الظاهر فاختار في ورقته البحث في مسألة "ثقافة التغيير في مواجهة ثقافة التبرير السائدة في الوطن العربي" هادفا من دراسته تسليط الضوء على اولوية مقولات التنمية الثقافية وقاعدتها المركزية ثقافة التغيير الشمولي التي تساهم في مواجهة ثقافة التبرير السائدة.


      وأكد د. ضاهر على ان ثقافة التغيير تحافظ على كل ما هو ايجابي في الثقافات الوطنية والقومية مشيرا الى ان مثقف التغيير في الوطن العربي مطالب اليوم اكثر من اي وقت مضى بأن يكون على معرفة علمية دقيقة بأصول الثقافات الغربية من منابعها وبلغتها الاصلية.


     وضمن د. ضاهر دراسته بجملة من النقاط التي ناقشت ثقافة الغير كامتداد للتراث العقلاني العربي وثقافة التغيير وكيف تحصن الموقف العربي في مواجهة العولمة ومثقف التغيير والقلق الايجابي على مستقبل الامة العربية والمثقف العربي وتحديات ثقافة عصر العولمة.


 الجلسة الثانية: الاطار النظري والفكري


     وتابع المنتدون مناقشة الاطار النظري والفكري لثقافة المقاومة في الجلسة الثانية التي ترأسها د. هشام غصيب. وقدم د. عزالدين عمر موسى ورقة بعنوان "المقاومة بين الفطرة البشرية والفريضة الشرعية" اشار فيها الى ان الناظر نظرة مستبصرة في التاريخ البشري تنحبس انفاسه من تفشي ظاهرة تبدو وكأنها جبلة بشرية فلا يملك الا ان يصنفها (فطرة انسانية) تلكم هي ظاهرة الظلم الامر الذي دفع بعضهم الى بلورة فلسفة او نظرة مبررة للظاهرة بل حاضا عليها وحسبكم قولهم: "من لا يظلم الناس يظلم".


      وتطرق د. موسى الى الاسلام معتبرا انه في نصوصه الربانية قد جعل مقاومة الظلم فريضة شرعية ناجزة التنفيذ وذلك بعد اعداد القوة اللازمة المرهبة للظالمين الذين هم اعداء الله واعداء المسالمين القائمين بالقسط مشيرا الى ان مقاومة الظلم فطرة بشرية وفريضة شرعية في الوقت نفسه.


        فيما قدم د. عزت قرني ورقة بعنوان "اصوليات المقاومة الشاملة واطار بناء الحضارة الجديدة- من يقاوم من? ولأجل ماذا? وعلى اي اسس؟ معينا الحديث عن المقاومة تأصيليا مع عين على الدفاع واخرى على البناء بحيث تكون المقاومة اليوم مقدمة نحو البناء والخلق الذي هو هجوم ثقافي مبدع للثقافة الجديدة جوهريا.
        وتطرق د. قرني الى ان صياغة هذا الحديث التأصيلي يجب ان تبتعد عن الاقوال الخطابية والتقديرات الانفعالية والتعميمات المجانية والتقديرات الجزافية التي هي من باب التمني لا من باب التنبؤ المعقول المبني على الدراسة داعيا الى استخدام المصطلح المنضبط المستعين بالواقع لا الاوهام.


        واختتم د. محمد الحارثي الجلسة الثانية بورقة بعنوان "مفاهيم عربية مخصبة" دعا فيها الى النظر في التخصيب من حيث المعنى لافتا الى ان في التخصيب معنى تحول المفاهيم من دلالات وظيفية الى اخرى تملأ بها الذاكرة عندما تفرغ من المفهوم الاصل ليحل محله الفرع. وأكد د. الحارثي الى سيلان المادة الثقافية الى مستوى اشعاعي تتلاشى فيه حقيقة المادة لتقوم مقامها الصورة او الظل وتتولد من المفاهيم مفاهيم جديدة تشكل منها ذهنيات جديدة تنظر الى الاشياء بمنظار المفهوم المخصب. وحث د. الحارثي الى النظر الى مفهوم الجهاد وكيف فرغ من محمولاته اليقينية وحشي بمحمولات تقترب وتبتعد عن وظيفته الاساس لافتا الى ان الكثير من المفاهيم قد اصبحت الان لا تفهم من خلال سياقها الصحيح.


الجلسة الموازية تبحث الواقعية الاشتراكية


     وكانت عقدت جلسة موازية في قاعة الندوات في الجامعة، ترأسها د. إبراهيم ابو هشهش، وشارك فيها كل من: د. سليمان الأزرعي من وزارة الثقافة الأردنية، ود. سلوى العمد من جامعة فيلادلفيا، فيما تغيب عنها د. صالح السنوسي من جامعة قار يونس الليبية.


وقدم د. سليمان الأزرعي ورقة بعنوان "ثقافة المقاومة في المنظور الماركسي"، تحدث خلالها عن تحولات المنظور الماركسي إزاء موضوعة الثقافة، ابتداء من ظهور ماركس وانجلز على ساحة الفكر والفلسفة الحديثة، وطرحهما منظومة فكرية متكاملة للمجتمع الاشتراكي الذي كان على وشك التشكل.


       وأوضح الأزرعي تعريف ماركس وانجلز في البيان الشيوعي (الأدب الاشتراكي والشيوعي) من وجهة النظر الخاصة لموضوعة الأدب، ليضعا حجر الأساس للمدرسة الواقعية الاشتراكية، كما ركزا على الآداب الاشتراكية والشيوعية الفرنسية، مستمدين منها أدلتهما على منهجهما في النظر إلى الثقافة.


        وبيّن الأزرعي وجهة نظر (تروتسكي) من حيث تصديه للشكلانيين الروس وزعيم منبرهم (جاكوبسون)،الأمر الذي أدى إلى انتشار تجليات تلك المدرسة في أقطار أوروبا وخارح روسيا التي لم تكن لتسمح بغير الماركسية فلسفة وبغير الواقعية الاشتراكية نهجا في الثقافة والإبداع".


         وفي ورقتها التي حملت عنوان "قوة الضعفاء: الذات والهوية" ركزت د. سلوى العمد على أن موضوعة مقاومة الضعفاء لسطوة الأقوياء غالبا ما عولجت في حقل الدراسات عن الفلاحين، وفي ميدان المقابلة ما بين التمرد والثورة، مؤكدة بأن المجتمعات الفلاحية تم تصويرها كمجتمعات تصنيع للتمرد، مشيرة في السياق ذاته إلى أنها غالبا ما كانت تفتقر لمقومات الثورة، مبينة أن هذا التفسير نوع من المركزية الثقافية- الإثنية والطبقية- التي ترى في المجتمعات الفلاحية حركات تمرد تعيد انتاج واقعها البائس دون أن تصل –مع استثناءات قليلة- إلى الفعل الثوري الذي يقودها إلى تحقيق غاياتها الكفاحية.


         وأكدت العمد أن المختصين في هذا الميدان، يرون أن المجتمعات الفلاحية قد تسعى إلى التخفيف من أعباء الواقع عليها، دون أن تخاطر بالذهاب بعيدا إلى حد التغيير الجذري له وهناك اقرار عام بأن النشاط السياسي المنظم- السري الثوري والمعلن، هو من فعل الطبقة الوسطى والمثقفين الواعين لأهمية التنظيم والنظرية السياسية التي تؤطر طاقات العامة وتسهم في تحديد أهدافها السياسية..


         وتساءلت العمد حول قدرة شعوب "كالشعب الفلسطيني أوالشعب العراقي- مثلا- على مقاومة التغول (الإمبريالي- الصهيوني) بأسلحة بسطية"، فيما المقاومة مدانة تحت بند الارهاب؟ كما تساءلت المحاضرة حول الأفق الذي تنطلق إليه المقاومة في الزمن الراهن: "هل تستسلم الشعوب المضطهدة؟ وكيف تواجه وضعا كهذا في ظل الهيمنة الأميركية على العالم؟".

التعليق