طرح كتاب جديد من سلسلة ارتياد الآفاق في الإمارات

تم نشره في الخميس 7 نيسان / أبريل 2005. 10:00 صباحاً

أبوظبي - تكشف يوميات الكاتب المصري حسن توفيق العدل المدونة في كتاب عن رحلته لالمانيا في القرن التاسع عشر عن نزاع فكري ونفسي تجلى في ثنائية الصراع بين الأنا والآخر.. بين تقدم الآخر الاوروبي وتخلف الأنا العربي وهي ثنائية حكمت جيل العدل بأسره والأجيال اللاحقة إلى اليوم.


وفي كتابه "رسائل البشرى في السياحة بألمانيا وسويسرا.. رحلة عربي من برلين إلى برلين" الذي اصدرته دار السويدي الثقافية الاماراتية في اطار مشروع  ارتياد الافاق الذي يعنى بأدب رحلات العرب الى دول العالم خلال العشرة قرون الماضية يكشف الكاتب المصري عن انطباعاته ومقارناته عن إيمان بالعلم والتقدم والحرية وعن تقدير للاختلاف الثقافي والحضاري بين الأمم والثقافات.


يقول الشاعر نوري الجراح الذي حرر الكتاب وعلق هوامشه ان انطباعات العدل عن الرحلة التي قام بها في اغسطس/ آب وسبتمبر/ ايلول من عام 1887 وطاف خلالها عشرات المدن والقرى ما بين ألمانيا وسويسرا "لا تختلف عن غيرها من اليوميات العربية في أوروبا في همومها واهتمامات أصحابها."


وقال الجراح الذي يشرف على مشروع ارتياد الافاق لرويترز "لم تكن الرحلة من الشرق العربي إلى ألمانيا في القرن التاسع عشر رائجة عندما قام صاحب هذه اليوميات برحلته فقد كانت أنظار الرحالة والمسافرين العرب مشدودة يوم ذاك إلى فرنسا وبريطانيا."


واضاف "كانت كل من باريس ولندن العاصمتين الأكثر إغراء للنخب المثقفة الشرقية المتطلعة إلى تحصيل العلم في أوروبا والعمل على إحداث تغيير وإصلاحات في نظم المجتمع والدولة ولاحقا المناداة بالاستقلال عن دولة الخلافة ممثلة بالباب العالي بالنسبة إلى العرب الذين رزحوا تحت نير الحكم التركي أكثر من أربعة  قرون."


وقال الجراح "في أيلول (سبتمبر) 1887 وعلى إثر اختياره من قبل (نظارة المعارف) في  القاهرة لتدريس العربية للطلاب الأجانب في برلين ركب العدل الباخرة من الإسكندرية متجها إلى ألمانيا وانتهى به المطاف في 20 أيلول  (سبتمبر) من العام نفسه في  برلين قادما من فيينا."


في تشرين الأول (أكتوبر) من سنة 1903 وصل إلى انجلترا لتدريس اللغة العربية  في جامعة كيمبردج بطلب من الحكومة المصرية فقضى هناك سبعة أشهر أمضاها في التدريس والبحث. وفي 31 من أيار (مايو) سنة 1904 وبينما هو في قاعة الدرس أصيب بعارض صحي أودى بحياته تحت أنظار طلابه.


 أما رحلته من برلين وإليها وسياحته في المدن الألمانية والسويسرية التي استمرت شهرا كاملا فقد كتب عن طبيعتها وناسها ومصانعها وعلومها ومدارسها.


انطلق العدل في رحلته من برلين في 16 آب (أغسطس) سنة 1889 متجها إلى مدينة هانوفر وغادرها إلى مدينة مندن وهي بلدة قديمة في ولاية فستفالن ثم زار عددا من المدن الألمانية قبل أن يعبر إلى الأراضي السويسرية.


 ورجع من سياحته بعد شهر قضاه في شوارع المدن وأحضان الطبيعة الخلابة فوصل إلى برلين يوم 15 أيلول (سبتمبر) عام 1889.


ويقول الجراح معلقا على رحلة العدل "لم يكن رحالتنا أول من دون يوميات وانطباعات عن ألمانيا أواخر القرن التاسع عشر فقد سبقه رحالة واحد على الأقل هو اللبناني سليم بسترس الذي زار ألمانيا قادما من بيروت عبر الاستانة سنة 1855 وعاصره محمد أمين فكري الذي زارها في سنة 1889 وهي السنة نفسها التي دون فيها العدل سياحته."


 ويضيف "لحقت بهؤلاء مجموعة من الأدباء والشعراء والباحثين العرب الذين زاروا أوروبا وعرجوا على ألمانيا فدونوا انطباعات شكلت جزءا من مجمل انطباعاتهم عن الحياة الأوروبية."


ويمضي الجراح "نجد أن العدل يتميز عن هؤلاء أولا: في أن سياحته انحصرت بألمانيا وبالجزء الألماني من سويسرا وبأنه قام برحلته خلال إقامة طويلة نسبيا في برلين أجاد خلالها اللغة الألمانية وقرأ في التاريخ الألماني وعبر مرارا في  كتاباته عن إعجابه بالشخصية الألمانية وبشخصية الأمير بسمارك على نحو خاص."


السمة الثانية التي تنفرد بها رحلة العدل بين أخواتها من الرحلات العربية  أنه تاريخيا يعد الأسبق الذي سعى الى تدوين سياحته بين ألمانيا وسويسرا في كتاب مستقل. وهناك سمة ثالثة هي اشتراكه مع رفاعة رافع الطهطاوي في تكوينهما الأزهري بينما تحدر الرحالة الآخرون بمن فيهم المصريون من مرجعية ثقافية مختلفة.


ورأى الجراح ان المشترك بين العدل وهؤلاء الرحالة جميعا أن نصوصهم تكشف عن  طبيعة اهتمام النخب العربية المثقفة بأوروبا من خلال تأملها في النموذج الألماني فهي تعبر عن مراحل مهمة من الاتصال المتجدد بالغرب ما بين أواسط القرن التاسع عشر وأواسط القرن العشرين.


وقال إن نصوص الرحلات تعكس انطباعات وأفكارا وملاحظات لشرقيين ينتمي أكثرهم إلى المجموعات المفكرة التائقة إلى تغيير نمط الحياة في الشرق العربي  ليساير التطور ويدخل إلى العصر وبالتالي تفصح نصوص الرحلة العربية إلى ألمانيا وأكثرها مجهول عن رؤية تلك النخبة للحياة الأوروبية كالعمران والتمدن والصناعة والفنون والتعليم والفكر والتخطيط الاجتماعي وغير ذلك مما  يشكل بنية الحياة الحديثة وتجلياتها في الثقافة والاجتماع وكذلك نظرتها إلى الشخصية الألمانية وما رأت أنها تتميز به من خصال.


 ووصف الجراح هذه النصوص بانها نصوص مسافرين "لم يهمل جلهم إعمال الفكر في  أسباب تقدم الغرب من دون إغفال أهمية المقارنة بين عناصر الاختلاف القائمة بين الشرق والغرب وعليه فإن كتاباتهم عن ألمانيا تمثل تطلعات نخبة أملت بكثير من الرومانسية في أن تستلهم حداثة الغرب وتحذو حذوه في انتهاج سبيل العصرنة للانتقال بمجتمعاتهم من حال التخلف واللحاق بركب المدنية الحديثة."

التعليق