فنانو مصر ينعون النجم الاسمر بالدموع وكلمات الوفاء

تم نشره في الاثنين 28 آذار / مارس 2005. 10:00 صباحاً
  • فنانو مصر ينعون النجم الاسمر بالدموع وكلمات الوفاء

تشيعه الجماهير المصرية اليوم 



القاهرة-

رحل الفتى الأسمر نجم الشاشة المصرية والعربية طوال عقدين من الزمان مخلفا مساحة فراغ ووحشة في نفوس محبيه، من الفقراء مثله، المطحونين مثله، وربما اليتامى بلا سند يصلب عودهم في معترك الحياة الصعب، رحل أحمد زكي عن دنيانا، تاركا قصة معاناة ونجاح وأسى أخير، رسم بسمات حب على وجوهنا وصاغ معاني جديدة في أذهان رواد السينما ومشاهدي التليفزيون على امتداد الوطن العربي كله، وراح دون أن تمسح محبتنا له حزن اليتم في عينيه، ودون أن تنجح كل إمكانياتنا الطبية أن تؤجل ذهابه قدر ما نريد.


فور إعلان وفاته ازدحمت مستشفى دار الفؤاد بآلاف المواطنين التي لم تسمح إدارتها لأحد سوى الفنانين والإعلاميين بالدخول إلى المكان، وأعلنت عن موعد الجنازة الاثنين من مسجد مصطفى محمود بمنطقة المهندسين.


فنان عالمي بكل المقاييس


   بصوت غير مسموع من كثرة البكاء قالت منى زكي "أنا حزينة لوفاة والدي وصديقي الفنان أحمد زكي والذي وضعته دائما في مرتبة والدي بعد وقوفي أمامه في أكثر من فيلم "أضحك الصورة تطلع حلوة وأيام السادات وأخيرا حليم".


منى أكدت أن الراحل أحمد زكي لا يمكن أن يعوض رغم أنه كان ولا زال مثلا أعلى لنا جميعا في فن التمثيل وحب هذا الفن والالتزام فيه،وأنهت كلامها بقولها: "رحم الله أحمد زكي الذي لن ننساه أبدا".


حنان ترك راحت تردد في حزن بالغ، "إنا لله وإنا إليه راجعون" ودعت له بالرحمة والمغفرة.. مشيرة إلى أن الله رحمه من عذابه، لكنه سيكون في قلوبنا جميعا "نحن وكل من عشق فن هذا الفنان العظيم الذي لا أعرف كيف سأقول أنه راحل.. فأنا لا أحتمل أن تكون هذه الكلمة مقرونة باسم أحمد زكي لأنه يعيش في قلوبنا".


كريم عبد العزيز قدم تعازيه لكل عشاق فن أحمد زكي وكل أسرته العربية من المحيط إلى الخليج، مشيرا إلى أن الحظ لم يسعفه بالوقوف أمامه إلا في فيلم واحد هو "إضحك الصورة تطلع حلوة" لكن الراحل كان دائما يسانده بالحب والنصح.
 الفنان احمد حلمي  قال  بنبرة أسى حقيقية "أحمد زكي الفنان الوحيد الذي يستحق لقب فنان.. كان فنانا عالميا بكل المقاييس رغم أنه لم يمثل في هوليوود.. فأنا لم أجد فنانا أو حتى شخصا عاديا يكره هذا الرجل رحمه الله وصبرنا على فراقه".


علمنا التمثيل


   هند صبري لم تتمالك نفسها من شدة البكاء ولم تقل سوى "رحم الله هذا الفنان العبقري الذي أحببته منذ كنت طفلة وتعلمت منه دروسا في فن التمثيل.. وقالت وهي تبكي "كنت أتمنى أن أمثل معه ولو لقطة واحدة".


أما منة شلبي فقالت أحمد زكي "بالنسبة ليس ليس فنانا عظيما فقط بل إنه أبي الذي رباني، منذ أن كنت طفلة فهو أحن إنسان في الكون ، فقد الفن المصري والعربي هذا الفنان الكبير أما أنا فقد فقدت أبي الذي رباني.. رحم الله أحمد زكي الذي لن أنساه أبدا ولا أعتقد أن أحدا يمكن أن ينساه لأنه دخل قلوب الجميع وتربع فيها.. وبجد هو وحشني".


لم يكن يهاب الموت


عن أيامه الأخيرة قال الإعلامي المصري عماد الدين أديب وهو يغالب دموعه إن أحمد زكي "كان يتعامل بقوة مع المرض، وكان يمزح مع ضيوفه في المستشفى باستمرار، وفي أيام يقظته الأخيرة كان يداوم على تلاوة القرآن"، ولم يكن يهاب الموت، كان يشفق على الآخرين من فراقه".


الفنانة يسرا قالت وهي تغالب حزنها "أحمد الفنان الوحيد الذي كان يمتلك مشروعا طويل المدى وإصرارا على تنفيذه فلم يكن أداؤه لشخصية طه حسين في الأيام مجرد مصادفة بل خطوة للوصول إلى ناصر 56 وأيام السادات وحليم الذي أنجز 90 بالمئة من مشاهده، وغيرها من الشخصيات التي كان يحلم بتقديمها مثل طلعت حرب وسعد زغلول التي كان يحلم من خلال تقديمها بإنجاز مشروع لتجديد الذاكرة المصرية".


آخر أساطير الفن


   وقال المخرج داوود عبد السيد "في تصوري أن أحمد زكي يعد آخر أساطير الفن في العالم العربي، فقد ساهمت الميديا في صنع نجومية حليم وأم كلثوم، ثم جاء أحمد زكي في زمن اللا نجم لكي يحفر بإصراره وحبه للفن أسطورته الشخصية، دون أي تدخل مساند من عوامل أخرى، ويؤكد حضوره في قلوب الآلاف التي تدفقت على المستشفى لوداعه".


بوابل من الدموع استقبلت نادية لطفي خبر وفاة أحمد زكي.. قالت "كان نقطة تحول في تاريخ السينما المصرية وعلامة في ذاكرة السينما، وسيظل خالدا على مدى الزمن ولن تنساه الساحة الفنية ولا جماهيره العريضة لانه استطاع أن يغوص في روح مصر بإخلاصه وتفانيه في العطاء وبموهبته التي يشهد لها الجميع".


وتابعت نادية لطفي "أحمد زكي أعطى لجمهوره في الوقت الذي شهد تألقه مزيجا من إشراقة العقل وإشراقة التجريد والروعة في الأداء والمصداقية وحلق هو نفسه في سماء الوطن بآلامه ومعاناته وصدماته فأعطى للحياة ولجماهيره رحيق العسل".


ستفتقده السينما


   المخرج السينمائي أحمد يحيي قال "أنا حزين جدا لافتقاد السينما المصرية للنجم الأسمر أحمد زكي الذي يراه من أكثر الفنانين موهبة.. من خلال علاقتي التي استمرت لسنوات طويلة بالنجم الكبير لاحظت إصراره على العطاء والتفاني في العمل والاخلاص والالتزام".


ويضيف أحمد يحيي "كان أحمد زكي يحب الفن جدا وكان شغله الشاغل هو الفن فقط، وفي أحلك الظروف وأصعبها كان دائما يصر على العطاء ويقاوم مرضه بالعمل، ورغم أنه كان ينقصه الذكاء الاجتماعي ويفتقد للعلاقات الاجتماعية بسبب انطوائه إلى حد كبير إلا أنه استطاع أن يصل إلى قمة النجومية في التمثيل وإلى قلوب الجماهير في الأداء".


عن زكي قال السيناريست وحيد حامد "كان مثالا للصبر والإيمان في مقاومته للمرض القاتل، كان من أعز أصدقائي ولا يمر يوم إلا ونحن معا إما بلقاء مباشر أو على الهاتف ليطمئن علي أو ليستشيرني في أمر يهمه. وكنا في الغالب نلتقي للحديث عن عمل جديد أو عمل سيقوم هو ببطولته أو أقوم أنا بكتابته، كنت أعتز بآرائه وصداقته وإخلاصه لعمله ولمن حوله، عندما علم بمرضه كان استقباله للخبر في البداية عبارة عن خوف شديد وتوتر بالغ وعدم تركيز ثم بعد يوم أو اثنين من التفكير عاد ليقول أنه كان سيموت سواء بالسرطان أو في حادث سيارة أو وهو نائم المهم الآن أن ينتهي من الأفلام التي تعاقد عليها وكان من بينها فيلم حليم ورسائل البحر مع المخرج داود عبد السيد وكان هناك مشروع يتمنى إنجازه وهو فيلم المشير لكن اهتمامه بفيلم حليم فاق كل اهتماماته الأخرى، الفيلم كان حلمه الخاص لأنه درس حياة العندليب وأعجب بمشواره وحياته وكان يشعر بعذابات العندليب مع المرض واليتم ورحلة كفاح مثلت له نموذجا فريدا لقدرة الإنسان على هزيمة الصعوبات وتحقيق أحلامه حتى آخر نفس في حياته. رحم الله هذا الفنان الكبير الذي لن تنجب مصر شبيها له بسهولة لقد فقدنا اليوم فنانا حقيقيا مصنوعا من حب الفن والأرض وكان شديد الإيمان بقدسية مشواره الذي اختار".


 خسارة كبيرة


   وقال المخرج "عادل أديب" "كانت بداية معرفتي بالراحل من خلال فيلم هيستيريا الذي قدمه معنا بحب شديد وأقول هذا لأن كل من اشتركوا في هذا الفيلم كانوا هواة، عن نفسي كان أول أفلامي الروائية، ومع هذا كان يستمع لتوجيهاتي أثناء التصوير بشكل فاجأني، كان مطيعا جدا، ودودا جدا، منضبطا بشكل يجعلك تشعر أن السينما هي كل يومه، لا يفكر في شيء آخر، كل كلامه قبل التصوير أو بعده كان عن الفيلم، إما عن المشاهد التي انتهت وتخيلاته لها وإما عن المتبقية وكيفية تضمينها مشاعره وأحاسيسه التي يشعر بها من بطل الأحداث الذي يجسد دوره، كان إنسانا نقيا جدا ومخلصا جدا لمهنته، يحب الفن بجنون وكانت أغلب مشاكله مع المحيطين به لهذا السبب، فهو عندما يقتنع بسيناريو ينعزل تماما عن العالم حتى وهو جالس مع أصدقائه وفي لحظات تجده يتصرف تصرفات غريبة، مع الوقت أدرك المحيطون به انه قبل أي فيلم يتوتر جدا وقد يتصرف دون وعي نفس تصرفات تلك الشخصية".


   وقال الفنان فتحي عبد الوهاب "خسارتنا اليوم كبيرة، فقدنا فنانا نادرا، كان يمثل لجيلنا مدرسة كبيرة، كنا نتابع أداءه لنتعلم وكنا نتابع أخباره كالمتفرجين تماما، فقد كان حالة فنية خاصة جدا، ورغم كل الشهرة التي لقيها كان يكره الأضواء، وهذا ما كنا نعرفه عنه، متعته الوحيدة كانت أمام الكاميرا، أما خلفها فهو إنسان بسيط جدا لا يحب أن يقتحم عليه أحد حياته ويحاول أن يعيشها بهدوء بعيدا عن الصحافة والإعلام ولهذا كان مقلا في حواراته الصحفية ولهذا كان يتهم بالغرور لأنه دائم الاعتذار لكل من يحاول الاقتراب منه والحقيقة غير هذا تماما، يرحمه الله".


      الناقد أحمد رأفت بهجت قال إن "موهبة احمد زكي فرضت نفسها على كل الأشياء الصغيرة التي كانت تقف عائقا أمام تقدمه.. احمد زكي كانت له قدرة عجيبة على قلب موازين النجومية بصورة ايجابية وهناك عناصر كثيرة جعلته يتفوق على نفسه ويصنع مجده بعيدا عن الطرق المعروفة للنجومية". وأضاف بهجت "لم يكن لزكي علاقة بالسلطة في يوم من الأيام لكنه تصدى لأعمال رصدت التغيرات والانعكاسات الاجتماعية والسياسية في مصر، ففي الوقت الذي علت فيه الألسنة لتنال من الزعيم جمال عبدالناصر وجدناه يتصدى لفيلم كبير يبين لحظة من لحظات النضال المصري والوطني ثم وجدناه بعد ذلك يقدم شخصية الزعيم أنور السادات بنفس الروح ونفس الحب". وتابع بهجت "كان لزكي دور في التذكير بالانتماء إلى زعماء هذه الأمة في أفلامه وهو الشيء الذي فعله عندما قرر تقديم سيرة حياة عبدالحليم حافظ في فيلم وعبد الحليم وأحمد زكي دخلا من خلال الفن الى عمق نسيج الوطن وانحازا للمواطن الذي أحبهما وجعلهما نجمين على القمة وهما يستحقان ذلك بالتأكيد".


نموذج لافناء الذات


   وقال السيناريست محفوظ عبد الرحمن وهو كاتب فيلمي حليم وناصر 56 "قررت منذ أسبوعين أن اكتفي بالاتصال والاطمئنان عليه.. وإن كنت لم استطع أن أمنع نفسي من الذهاب إلى دار الفؤاد عدة مرات لكن الغريب أنني عندما ذهبت لم استطع أن أدخل.. والحقيقة أن أحمد زكي بالنسبة لي ليس مجرد فنان كبير لكن تربطني به علاقة خاصة قبل أن يجمعنا أي عمل بسنوات، وبدأت هذه العلاقة أوائل الثمانينيات عندما وجدت صديقا يبلغني أن أحمد زكي يريد أن يقابلني، فرحبت بزيارتهما ونشأت علاقة بيننا من اللحظة الاولى.. وبشكل عام أنا لم أعمل معه كثيرا فكل ما كتبته وقام بتمثيله هو ناصر 56 ثم حليم لكن علاقتنا حميمة ومركبة جدا وفيها قدر من التفاهم الكبير واعتقد أنها علاقة نادرة لا تتكرر كثيرا".


وتابع محفوظ "أحمد زكي نموذج لإفناء الذات فمثلا في ناصر 56 كانت لديه رغبة في إجراء جراحة تجميل في أنفه.. ولو أنه يقوم بدور شخص سمين فهو مستعد أن يزيد وزنه ثلاثين كيلو في شهرين.. وليس عنده أي مانع في أن يقطع أحد أصابعه لو أن الدور متميز!!.. أذكر في إحدى الأزمات التي عشناها مع فيلم 'حليم' ذهبت معه الى فندق ووجدت اننا نتحدث في الأزمة لمدة ست ساعات.. وفكرت أنه لابد أن تحدث لنا أزمة قلبية أو أزمة صحية أخرى بسبب التركيز كل هذا الوقت على موضوع كئيب.. لذلك قررت أن أغير الموضوع فوجدته يثور لتغييري الموضوع، فقلت له أن الحديث لو استمر في نفس الموضوع لتعرضنا لأزمة قلبية أو سكر أو ضغط، وكأني لم اقل شيئا وعاد أحمد لنفس الموضوع وبعد ساعة إلا ربع قررت أن أتركه وعندما قابلته في اليوم التالي استأنف معي نفس الموضوع!! فهو عاشق للفن والعمل وهذا هو عالمه.. كما انه عاشق للشخصيات التاريخية" وأنهى عبد الرحمن كلامه بقوله: "الابداع مرتبط بشكل من أشكال إفناء الذات.. وأحيانا ينتصر افناء الذات على الاستمرار في الحياة".
 
 

التعليق