"تحت خط الفقر".. رواية عن هموم النوبيين المصريين بعد غرق بلادهم

تم نشره في الأربعاء 23 آذار / مارس 2005. 10:00 صباحاً

     القاهرة  - قبل الدخول إلى عالم رواية (تحت خط الفقر) يوجه مؤلفها المصري إدريس علي تحذيرا إلى القارئ بأنها "للكبار  فقط.. إذا كنت تعاني من ارتفاع طفيف في ضغط الدم.. لا تقرأ هذه  الرواية" ربما لأنها تثير أسئلة عن غرق بلاد النوبة وعن حقوق المواطنة في  مصر.
 
    ويمكن للقارئ أن يعيد ترتيب فصول الرواية التي تبدأ بفصل عنوانه (القاهرة.. أغسطس 1994.. الوطن.. العذاب.. الرحيل)

وتحمل الفصول التالية عناوين منها (بلاد النوبة الشمالية 1947.. الجوع) و(1954 السقوط الكبير) و(1956 الموت.. الحب.. الحرب) و(يناير 1952 حرائق..  حرائق) في إشارة إلى حريق القاهرة يوم 26 يناير كانون الثاني 1952 الذي  لم يتوصل أحد حتى الآن إلى معرفة مدبريه أو منفذيه.


     وصدرت الرواية عن دار ميريت بالقاهرة هذا الأسبوع في 232 صفحة من القطع المتوسط وتحمل رقم واحد من رباعية أطلق المؤلف عليها اسم (كتابة البوح). وفي الصفحة التالية سجل ما وصفه بأنه أقوال في المواجهة منها(يا فقراء العالم اتحدوا) و(لا تقبل اليد التي لا تستطيع قطعها) و(انظر خلفك في غضب) وعنوان قصيدة الشاعر المصري أمل دنقل (لا تصالح) وبيت المتنبي (نامت نواطير مصر عن ثعالبها     فقد بشمن وما تفنى العناقيد).


     ويحتل وجه رجل نوبي بعينين حادتين مساحة كبيرة من الغلاف الذي صممه الفنان المصري أحمد اللباد بينما تطل صور صغيرة جدا للملك فاروق ومحمد نجيب وجمال عبد الناصر من فتحات في بناية تبدو في قامة النوبي.


    والراوي كما هي الحال في معظم كتابات المؤلف متمرد وساخط وذو عين لماحة لمصائر الأيام. ففي الصفحات الأولى للرواية يرصد موجة حر دفعت رجال الحكومة إلى أن "يديروا البلاد وهم بملابس البحر. عراة يحكمون عرايا. كان شاطئ المتنزه  (بمدينة الإسكندرية) يحتله ملك واحد (فاروق الذي حكم ابتداء من عام 1936) ثم وثب عليه رجال الدبابات" في إشارة إلى انقلاب ضباط الجيش في 23 يوليو تموز عام 1952.


    ويضيف معلقا "المصيبة أنهم حولوا كل شواطئ البلاد لمتنزهات خاصة... حالوا بينك وبين النيل فقررت الموت داخله كنوع من الاحتجاج المشروع... لم يعد هناك ما يستحق شرف المقاومة بعد أن باعوا الوطن وكل ما يمكن بيعه وباتت الحرة تأكل بثدييها والأيدي الغبية امتدت إلى ورقة التوت فقلت لنفسك.. ارحل مستورا أفضل."


    ويقول الراوي قبل أن يلقي بنفسه في نهر النيل "ليست هذه مصر التي عرفناها" ويعلق على مثل مصري يعزي به البعض أنفسهم هو "البلد بلدهم"  فيتساءل "لماذا تشغل نفسك بمثل هذه المنغصات.. بلدهم وهم أحرار فيها (كذا). أم هي هلوسات ما قبل النهاية.."


    وبعد إنقاذ الراوي يسأله منقذه عن سر الغضب فيروي له حكايته وحكاية بلاده التي غرقت أكثر من مرة آخرها عند تنفيذ مشروع السد العالي.  كما تساءل عن أسباب توقف قطار مصر عند أسوان "لماذا اختزلتم الحدود عند  أسوان؟." ويعلو صوت الراوي مشيرا إلى وقائع مشهورة في العالم العربي فيدينها كلها من الجوائز الثقافية العربية المشهورة الى الفتح العربي لمصر.


    وتبريرا أو تفسيرا للصوت العالي لبطل الرواية سجل المؤلف في مصارحة قبل سرد أحداث الرواية أنه فقد السيطرة على الراوي الذي أصبح "يهلوس وكأنه يتحدث في غابة وبلا ضوابط. وقد حاولت توجيهه بلا جدوى. بدا وقحا جارحا قاسيا... وكأنه لم يسمع عن الرقابة ونواب التكفير ولا عن التسامح وقبول الآخر."
    وصدرت لعلي خلال عشرين عاما مجموعات قصصية وروايات منها (المبعدون)  و(واحد ضد الجميع) و(اللعب فوق جبال النوبة) و(النوبي) ولكن روايته (دنقلة) التي صدرت عام 1993 كانت سببا في تفجير قضايا النوبة والنوبيين المصريين الذين يشعر بعضهم بالظلم بسبب إغراق بلادهم عند بناء السد العالي. وقد أنشئت وقت غرق النوبة قرى بديلة للنوبيين الى الشمال من النوبة القديمة. وتقع مدينة دنقلة شمالي السودان.


     وتعمد الكاتب أن يضع على غلاف رواية (دنقلة) تعريفا يوضح أنها "رواية نوبية" ثم أهداها إلى "أصدقائي وأحبائي أهل الشمال.. هذا صوتي فلا تسكتوه وهذا أنا فلا ترجموني لأني عشت بينكم وأكلت معكم وعشقت حضارتكم وما زلت. إنما أنقل لكم وبصدق جارح بعض أوجاعي وأوجاع قومي."


     وفي مقدمتها سجل تحت عنوان "وصمة" سطورا من كتاب (أسوان في العصور  الوسطى) لمحمود محمد الحويري جاء فيها أن القبائل العربية التي أقامت في منطقة المريس شمالي النوبة في القرون الأولى للإسلام تاجرت في رقيق النوبة إذ "كانت تقوم بخطف بعض النوبيين وبيعهم للتجار في مصر... ويروي المقريزي أن عبد الرحمن العمري عندما انتصر على النوبيين في الموضع الذي يعرف بشنقير  بين بربر وأبي حمد كثر السبي عند أصحابه حتى أن أحدهم كان يحلق رأسه فيعطي الكزين رأسا."


    وأثارت رواية (دنقلة) غضب مثقفين مصريين رأوا فيها ما اعتبروه دعوى انفصالية كما أغضبت بعض النوبيين من المؤلف الذي اتهموه بالتطاول على التقاليد الاجتماعية في منطقتهم وهو ما أدى به إلى انتحار لم ترد الأقدار أن يتم.


     وقال علي  إنه واجه ظروفا قاسية من الطرفين دفعته عام 1994 بعد صدور الرواية إلى إلقاء نفسه من فوق جسر قصر النيل ولكن أحد الصيادين أنقذه مصادفة من الغرق في النهر "كنت غائبا عن الوعي وهذا منحني شجاعة الانتحار بلا خوف من الموت أو الأسى على أي شيء."


    ونظر بعض المثقفين المصريين ببعض الريبة إلى تنامي ما وصفوه بالتوجهات النوبية وخاصة مصطلح "الأدب النوبي" إضافة إلى ندوات للحفاوة بهذا التيار نظمت إحداها الجامعة الأمريكية بالقاهرة منذ بضع سنوات.


    ونفى علي أن تكون كتابته أو غيره من الأدباء ذوي الأصول النوبية تدعو إلى الانفصال مشيرا إلى أن الجيل الجديد لا يعرف اللغة النوبية وهي شفاهية "والأغرب أن الأطفال الذين ولدوا في النوبة ولا يزالون هناك يتكلمون اللهجة القاهرية فأين الخطر؟ .."

التعليق