الناقد المصري رجاء النقاش يرصد علاقة المبدعين بالتاريخ

تم نشره في السبت 19 آذار / مارس 2005. 10:00 صباحاً

 

   القاهرة  - في رأي كثير من رموز الحركة الثقافية في مصر أن الكاتب المصري المرموق رجاء النقاش يقف في مقدمة نقاد عرب نجحوا في تبسيط النظريات النقدية بصورة دفعت القراء إلى حب الإبداع والنقد معا.


   وليس النقد الأدبي في منهج النقاش مجرد شرح أو تفسير للروايات والقصص والأشعار ولكن له دورا في تنوير القارئ بالسياق العام للعمل الإبداعي وكاتبه وقارئه أيضا بهدف إشراك المتلقي في نقاش ثقافي يحمل الجدية والمتعة معا حول اللحظة التاريخية التي يعيشها.


    ويلقي النقاش في كتابه الجديد (شخصيات وتجارب) أضواء على لحظات ومواقف تاريخية ألهمت عددا من المبدعين العرب والأجانب بأعمال لا يزال لها حضورها وتأثيرها حيث يرى في التاريخ مصدرا مهما "ونبعا من ينابيع الفن الجميل. والتاريخ مليء باللحظات الشعرية الرائعة بالنسبة لأي شاعر موهوب."
    فعلى سبيل المثال يشير إلى أن الاهتمام بالتاريخ أفاد الشاعر اليوناني قسطنطين كفافي (1867 - 1923) الذي ولد ودفن بمدينة الإسكندرية بمصر حيث تعمقت رؤاه وزادت ثراءه على الرغم من أنه "لم  يفكر لحظة في أن يكون مؤرخا يسجل الأحداث أو يقوم بتفسيرها وتحليلها ولكنه يتعمق في قراءة التاريخ ليستخرج منه اللحظات الشعرية التي كان يجد فيها مادة لقصائده."


    والكتاب الذي صدر بالقاهرة عن دار أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي  يقع في 286 صفحة من القطع الكبير ويضم فصولا متفرقة عن الشاعر المتنبي وعميد الأدب العربي طه حسين وشوقي ضيف رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة الذي توفي هذا الشهر.


    ويرى النقاش أن في التاريخ العربي صفحات تصلح لقصائد تخاطب النفس الإنسانية ولكنها لا تزال تبحث عن شعراء. وقال لرويترز إن الشاعر البريطاني الأكثر شهرة وليام شكسبير (1564  - 1616) الذي ترجمت أغلب أعماله إلى معظم اللغات استلهم أحداث كثير  من مسرحياته من وقائع وشخصيات تاريخية بعد إخضاعها لعملية اختيار  وتأمل وجداني بهدف تخليصها من التفاصيل التي لا تخدم الدراما.


    وفي التاريخ المصري الحديث هناك واقعة إعدام بعض الفلاحين في قرية دنشواي شمالي القاهرة في يونيو حزيران عام 1906 بتهمة الاعتداء على بعض الضباط البريطانيين حيث كانت بلادهم تحتل مصر آنذاك. ونفذ الإعدام أمام الأهالي.


    واختار الشاعر المصري صلاح عبد الصبور (1931 - 1981) أحد الضحايا وكتب فيه قصيدة عنوانها (شنق زهران) عام 1954.


    واعتبر النقاش في أحد فصول الكتاب تلك القصيدة "رواية بديعة للمحات إنسانية مؤثرة من مأساة الشاب المصري الفلاح محمد درويش زهران الذي صدر ضده حكم بالإعدام مع ثلاثة آخرين من الفلاحين."


    وأشار إلى أن زهران وأمثاله لا يزالون مستهدفين ولو بعد عشرات السنين بمحاولات "غير أمينة ولا شريفة هدفها تجريد زهران من صورته كشهيد بريء. هذه المحاولة تقول لنا إن زهران لص وقاطع طريق وزعيم عصابة وإنه لم يكن شهيدا بل مجرما نال جزاءه بإعدامه شنقا."


    وأضاف هذه المحاولة التي وصفها بالعجيبة جاءت ضمن سياق رواية (أمريكانلي) أو (أمري كان لي) التي صدرت في مصر عام 2003 للروائي المصري صنع الله إبراهيم الذي سجل ملخص محاضرة حول حادثة دنشواي  للباحث الإسرائيلي ماتيتياهو بيليد أستاذ الأدب العربى الحديث بجامعة تل أبيب.


    وقال النقاش إن بيليد اعتبر زهران "مجرما ذا تاريخ طويل في خرق القانون وقد وصفته محاضر التحقيق في حادثة دنشواي بأنه زعيم العصابة الذي حرض الفلاحين على الإساءة إلى الضباط الإنجليز مما أدى إلى قتل هؤلاء الضباط... واتهم (بيليد) المصريين بأنهم هم الذين قدموا بأنفسهم إلى محكمة دنشواي شهادات ومعلومات دفعت المحكمة إلى إصدار حكمها بشنق  زهران وزملائه الثلاثة كما حكمت بسجن 17 آخرين."


    واعتبر النقاش محاضرة بيليد عضو الكنيست الذي كان جنرالا في الجيش الإسرائيلي "جزءا من حرب قاسية واسعة النطاق يتم شنها علينا الآن، حرب عدوانية سيئة النية ومحاولة لإفقاد المصريين والعرب جميعا ثقتهم بتاريخهم واحترامهم لأنفسهم."


    وأطاحت حادثة دنشواي باللورد كرومر (1841 - 1917) المندوب السامي البريطاني الذي كان يحكم مصر منذ احتلال بريطانيا لها عام 1882  وبعد 24 عاما تم إقصاؤه عن منصبه بعد أن أثارت الحادثة "غضب الكثيرين حتى في بريطانيا نفسها."


    وللنقاش كتب نقدية منها (نساء شكسبير) و(ثلاثون عاما مع الشعر والشعراء) و(أبو القاسم الشابي شاعر الحب والثورة) و(الاعتزاليون في مصر) و(عباقرة ومجانين) و(قصة روايتين) وهو دراسة نقدية فكرية مقارنة لروايتي (ذاكرة الجسد) للجزائرية أحلام مستغانمي و(وليمة لأعشاب البحر) للسوري حيدر حيدر.
    وكتب النقاش عام 1958 مقدمة ديوان (مدينة بلا قلب) أول أعمال الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي كما كان من أول من تحمس للشاعر الفلسطيني محمود درويش وأصدر عنه عام 1969 كتاب (محمود درويش شاعر الأرض المحتلة).


    واكتشف رواية صارت من كلاسيكيات الأدب العربي هي (موسم الهجرة إلى الشمال) للسوداني الطيب صالح حيث أعاد النقاش نشرها في سلسلة (روايات الهلال) حين كان رئيسا لتحريرها في نهاية الستينيات.

التعليق