هل أنت حضاري؟

تم نشره في الثلاثاء 8 آذار / مارس 2005. 10:00 صباحاً

 

    ماذا لو قال لك احدهم: انت غير حضاري؟ طبيعة الموقف سوف تفرض عليك سخونة الرد من عدمه, وبالطبع سوف تعلو ملامحك مهما كنت عاقلا, انفعالات الغيظ والغضب, سيما اذا كان هذا الاتهام الموجه اليك في غير محله, ومهما كانت دوافع خصمك فسوف لا يكون مقبولا لديك ان تسمع مثل هذا القول.


    في حين ولنقل مثلا ان شخصيتك ومكانتك الاجتماعية الى جانب قراءتك لهذا الموضوع يدلان قطعا على ما تتمتع به من حضارة, وهو ما لا ينطبق عليك ما رماك به جهلا هذا المفتري.


    فماذا تفعل? ربما لا تتورع عن صفعه او شتمه, وبخاصة عندما يبلغ بك الاستفزاز والتوتر حدا لا تحتمله اعصابك. اذا كان ردك عليه هو كما ذكرنا فستكون قد تخليت عن الاحتفاظ بحضارتك كما ينبغي, ولم يعد ممكنا ان تفاخر او تدعي بأنك رجل حضاري, فما قولك?


    كذلك لو لم ترد عليه الرد الذي يشفي غليلك ويريح اعصابك لفقدت الكثير من مقومات شخصيتك وانتابك الخور والاحباط.


    ان الاصرار على الاحتفاظ بالحضارة الخلقية لديك وهي اهم عناصر الحضارة أمر في غاية الصعوبة, فلأن تكون مهذبا ومؤدبا وحليما يعني هذا الا تغضب لكن كل هذا وغيره من الصفات الحسنة غالبا ما يحملانك على قمع النزوع الى الشر في نفسك, فلا تميل الى البغض والغضب وهذا اهم ما يشكل حضارة الانسان.


    فلو اطلعنا على قول السيد المسيح عليه السلام: (من ضربك على خدك الايمن فأدر له الايسر) لاعترتنا الدهشة وتولانا الذهول ما هذا القول? ولماذا يدعونا السيد المسيح الى التخاذل والاتضاع? ولماذا ينهانا عن اخذ حقنا ممن يهيننا? ثم لماذا يطلب منا الاعراض عن هذا الحق وادارة ظهورنا له?


    كما انه في قول اخر يقول لنا (احبو اعداءكم) كم من الناس يمكنه ان يتبع مثل هذا القول او يوافق عليه? وكما هو مشاهد فإن البشر جميعهم يتصرفون بعكس هذا القول.هكذا هي الطبيعة البشرية, انها ترفض الخضوع والانصياع للنصح والارشاد, كما تأبى بشدة الامان والسلامة عندما تثار وتميل الى الحدة وحب التصدي لمن يخالفها. ليس لديها ما هو امتع من التحدي واثبات الذات ولولا ذلك لما تخاصم الناس, ولما نشأت الحروب.


   على انك لو اعدت النظر وتأملت جيدا عمق كافة ابعاد هذه الاقوال لوجدت السيد المسيح يدعوك للحفاظ على حضارتك.انه ينبهك الى قمة الحضارة الانسانية ويحثك على التهذيب والتسامح تلك هي قمة الرقي, وخلاصة الحضارة التي يجب ان تتبع.فتمسك بها وكن حليما ولا تعمل على فقد حضارتك بحجة الدفاع عن نفسك.ولو لم يكن هذا هو ما عناه السيد المسيح بهذا القول فماذا عساه ان يكون اذن?


    اذا كان هذا الكلام لم يثبت بعد في ذهنك وتردد في قبوله عقلك, فتذكر ما كان عليه سلوك المهاتما غاندي الذي حقق الاستقلال والتوحد لبلاده من غير ان يرفع ولو عصا في وجه اعدائه, وكان يحبهم ويلتقي معهم.


   ثم ما معنى كلمة حضارة? وهل المقصود بها حضارة السلوك التربوي للانسان فقط?


ام ثمة جوانب  أخرى للحضارة? وما هي الحضارة في مجمل جوانبها? هل الرجل الحضاري هو من يجيد استخدام أدوات المائدة? ام هو الذي يستعمل السيارة والحاسوب?


ام هو الذي يترك بعد موت ركاما من الاطلال? أم.. أم.... الخ.


    افلا يمكن ان يكون متحضرا اذا لم يفعل كل ذلك حتى ولو كان على خلق حسن?
وهل يكون متحضرا لو سكن الحضر ولم يسكن البادية?على ان كلمة حضارة سوف تبقى عائمة وسوف تبقى انت ايضا حائرا لا تجد لها تسمية شافية وستظل تسأل دائما ما هي الحضارة?


حقا, ما هي الحضارة?

التعليق