الحق يعلو: صحيفة الأردن التي عادت إلى الحياة

تم نشره في الخميس 3 آذار / مارس 2005. 10:00 صباحاً
  • الحق يعلو: صحيفة الأردن التي عادت إلى الحياة

    معان - الزمان: العقد الثاني من القرن العشرين. المكان: مقر الدفاع الوطني، منزل الملك عبد الله الأول في معان. والنتيجة: صدور أول صحيفة أردنية عام 1920، يوشحها الاسم العربي "الحق يعلو" تحمل أنباء غضبة العرب ضد الاستعباد وشوقهم إلى الانعتاق والحرية.


فصحيفة "الحق يعلو" أول صحيفة تحمل الصوت الأردني وصداه القومي مبشرة بمشروع الأمة المعاصرة، ترفع راية الدعوة إلى التحرر والوحدة والحياة الفضلى والانعتاق العربي. فالمؤسس كان يدرك بحاسته التاريخية وبفطرته القيادية أهمية الحرف المكتوب ودورة في التأسيس والبناء لتكتمل حكمته بإيجاد أداه أخرى من أدوات النضال تستند الى مخزون الحرف العربي ودورة التاريخي الفعال.


    وتتكرر فصول الرواية من جديد. فيتأخر الزمان ثمانية عقود، ويصير المكان جامعة الحسين بن طلال، وتكون النتيجة اكتمال مسيرة الصحيفة.


كان لوصول الأمير عبد الله الى معان أثر كبير في بلاد الشام. إذ على الرغم من أن الذين جاءوا معه بالقطار والذين لحقوا به على الإبل لم يكن عددهم كبيرا، إلا أن الإشاعات ضخّمت الأمر، وبعث الفرنسيون بتقارير إلى المندوب السامي البريطاني مفادها أن نحو 6-7 ألاف مسلح وصلوا الى شرق الأردن، وأن هذه القوة جاءت لتقاتلهم وهددو بمقاتلتهم إذا لم يوقفوهم. وما كان من الإنجليز إلا أن أرسلوا إلى الأمير طالبين منه العودة، فأجابهم بأنه في أرض حجازية.وكان الأمير عبد الله وقتذاك يتمنى من البرقيات التي أرسل بها أن يتوارد لاحقا عدد كاف من المسلحين لكي يزحف بهم لمقابلة الفرنسيين، ولكن رد الفعل كان ضعيفا ولم يحضر إلا العشرات فقط.


الآلة الدمشقية


    ومن الأحرار السوريين الذين حضروا كان هناك شخص اسمه محمد الأنسي وهو من مواليد بيروت، وكان معه شخص آخر اسمه عبد اللطيف شاكر من دمشق. الأنسي جاء أولا إلى اربد، ثم مضى على ظهور الخيول مع أبناء الأردن ومنهم خلف التل, بهجت طبارة، ومحمد علي العجلوني إلى معان. وعمل محمد الأنسي وعبد اللطيف شاكر فيما بعد على إنشاء جريدة "الحق يعلو"، وكانت مكونة من أربع صفحات كتبت بخط اليد على الورق ثم تطبع على آلة يعتقد أن الأنسي وشاكر جاؤوا بها من دمشق.


وتعمل هذه الآلة بمبدأ بسيط، فهي أرضية يوضع فوقها الصفحة المكتوبة ويتم الضغط عليها بواسطة كرتون مقوى فتخرج الصفحة طبق الأصل عن النسخة التي كتبت بخط اليد.


ونشر في العدد الأول قصيدة للملك عبد الله الأول، وبعد ذلك عاد عبد اللطيف شاكر إلى الحجاز، وقتل بالحرب سنة 1924. أما محمد الأنسي فبقي مع الأمير عبد الله، وكان على قدر من الذكاء، فاستطاع أن يكسب ثقة الأمير عبد الله وعينه كاتبه الخاص، وبقي في الديوان الأميري وتقلد مناصب عدة، وأصبح رئيسا للديوان ثم وزيرا للتربية والتعليم وعضوا بالمجلس التشريعي، وظل يقيم في عمان والأردن حتى توفي سنة 1945.


   وتنبع أهمية هذه الصحيفة باعتبارها أول وثيقة إعلامية تؤرخ للدولة الأردنية، وتعبر عن اتجاهات الرأي السياسية والاجتماعية السائدة في البلاد في مرحلة التأسيس الأولى.


أما الآن..


    في العام الأخير من القرن العشرين وفي نفس المكان، معان، امتدت مسيرة الحرف العربي فوق هذه الأرض، ليصدر العدد السادس من صحيفة الحق يعلو، لتكمل نقشه جامعة الحسين بن طلال فوق الجغرافيا العتيقة ونبض الكلمة الأولى التي ما زالت، حيث أصدر منها أربعة أعداد في مقر الدفاع الوطني، قصر الملك المؤسس في معان عام 1920، وصدر منها في عمان عدد واحد، وكان يحررها المرحومان محمود الأنسي وعبد اللطيف شاكر، وتبنت جامعة الحسين بن طلال التي أنشئت بإرادة ملكية عام 1999، إصدار الصحيفة لابنائها أحفاد النهضة، لتكون صحيفة طلابية إخبارية ثقافية منوعة، تقدم الدلالات الواضحة على استمرارية التواصل مع الذات الوطنية في أحد تجلياتها الكبرى.

التعليق