القهوة مشروب رجالي يناسب النساء

تم نشره في الخميس 3 آذار / مارس 2005. 09:00 صباحاً
  • القهوة مشروب رجالي يناسب النساء

    عمان - لم تعد القهوة مشروبا رجاليا فقط، بل تحولت إلى مشروب نسائي أيضا. وعادة ما تجتمع النسوة في البيوت أو الحارات أو المقاهي الحديثة لتناول القهوة التي غالبا ما يرافقها عادة قراءة الفنجان، والتي يمكن أن تتكرر أكثر من مرة في اليوم الواحد، حتى صار هناك نساء متخصصات بقراءة الفنجان الذي صار له رموزه الخاصة أيضا، كالرسائل والسفر وأنواع الرزق وغيرها من الرموز التي تدغدغ عواطف النسوة اللواتي يحرصن باستمرار على معرفة اسرار أزواجهن خارج البيوت، بخاصة فيما يتعلق بعلاقاتهم النسوية. وعندما تدرك المرأة المتخصصة بقراءة الفنجان، وجود مثل هذه الرغبة، فإنها تدغدغها بمعلومات تغطي غرور ورغبات النساء الجالسات حولها، وغالبا ما تتحول مثل هذه الافتراضات إلى حقائق في عقولهن تنعكس في الغالب سلبا على حياتهن الزوجية.


والقهوة اليوم هي "المشروب الرسمي" الذي يقدم في جاهات الأعراس والجاهات العشائرية وكذلك في بيوت العزاء، ولا يجوز مطلقا تقديم أي مشروب قبلها ولا بديلا عنها، لأن ذلك سينعكس سلبا على أصحاب البيت أو الديوان الذي يفتح أبوابه للمناسبة.


    وارتبطت القهوة في التقاليد الشعبية مع زواج الفتيات، فالفتاة التي تصبح قادرة على صناعة القهوة، يقال لها إنها صارت قادرة على الزواج أيضا، وهي نفسها التي تصنع القهوة وتقدمها لخطيبها، ويجب أن تكون قهوة متقنة الصنع، وإلا تغير رأي خطيبها وذويه.


والقهوة التي تحظى بكل هذه الأجواء الاحتفالية، تنقسم حسب رأي الخبراء من متذوقيها إلى ثلاثة أقسام.. فهناك القهوة العربية، وهي القهوة المرة أو السادة أي الخالية من السكر، وهناك القهوة الحلوة أو "العصملية"، وهي ما يطلق عليها التركية ويضاف لها شيء من السكر تعتمد كميته على ذائقة متذوقه، ثم هناك القهوة الأميركية وهي التي تصنع بآلات أوتوماتيكية خاصة.


    وتختلف طريقة صناعة كل نوع من هذه الأنواع، وطريقة تقديمها أيضا.

ويسجل للقهوة كمشروب له كل هذا التقدير والاحترام أنها كانت محط اهتمام الشعراء والمطربين وصائغي الأمثال الشعبية، الذين اعتقدوا أن تناول فنجان من القهوة من مهمته أن "يعدل الراس"، حيث يشير المثل الشعبي العربي أن تناول القهوة يكون على شكل "فنجان للضيف وفنجان للكيف وفنجان للسيف".

وعندما يرفض الضيف شرب القهوة في بيت مضيفه، فإنما يوجه له إهانة ترفضها العادات والتقاليد، أو يكون ذا حاجة يجعل من شربه للقهوة شرطا لتحقيق هذه الحاجة وإجابة طلبه، وعندها يكون صاحب البيت أو المضيف مجبرا على تحقيق طلبه، وإلا صار مادة للحديث في المجالس كلها.


    وإذا كانت مضارب البدو عامرة باستمرار بالنيران المشتعلة تحت أباريق القهوة العربية المرة، فإن بيوت المدنيين ومكاتبهم ومقاهيهم، عامرة هي الأخرى بما يطلق عليه القهوة التركية أي الحلوة، التي باتت تسمية شائعة في مختلف دول العالم. وصار تناول القهوة هذه الأيام عادة متعارفا عليها في أوساط الشعراء والكتاب والصحفيين والفنانين، حيث ارتبطت بعملهم وكتاباتهم وإبداعهم، وتناول القهوة صار من العادات المشتركة للرجال والنساء.


في مجالس النساء


     تقول السيدة عايدة أحمد: "أحب تناول القهوة وبخاصة مع صديقاتي. ويصبح الموضوع ضروريا، إذا ما شاع أن بين الجالسات من تستطيع قراءة الفنجان، وفي بعض الأحيان ألتقي مع صديقاتي لنذهب إلى بيت من تستطيع أن تقرأ لنا حظوظنا في خطوط الفنجان. أعرف جيدا أن الموضوع لا يخرج عن كونه خزعبلات، لكنني لا أستطيع مواجهة إغراء تلك اللحظة، ويصبح الموضوع مثيرا إذا كانت قارئة الفنجان هذه لا تعرفني ولا تعرف عني شيئا. ببساطة صار تناول القهوة وقراءة الفنجان طقسا اجتماعيا محببا لنا جميعا، وأعتقد أن كثيرا من النساء يشاركنني هذا الرأي، ولذلك ليس غريبا أن يتكرر المشهد يوميا، وأن نسمع اليوم الكلام نفسه الذي سمعناه بالأمس، فهذه عادة صارت لنا وصارت مرتبطة بتكويننا النفسي والاجتماعي".


    وحول الموضوع نفسه تقول الآنسة سهير عبد الفتاح: "أذهب مع بعض صديقاتي إلى "الكوفي شوب" وهناك نشرب القهوة. ونحاول معا قراءة خطوط فناجيننا. صار "قلب" الفنجان عادة ضرورية من عادات لقاءاتنا. صحيح أننا لسنا خبيرات في هذا الموضوع، لكن بعضنا يصدق ما يقال، بخاصة إذا اقترب من أمنياتها، وعادة ما نجعل الفنجان يتحدث عن عريس المستقبل وصفاته وملامحه إلى جانب شيء عن النجاح والعمل.


    وإذا كانت بعض الأغنيات العربية انحازت إلى مشروبات أخرى منافسة مثل الأغنية ذائعة الصيت التي تقول "يا صبابيين الشاي زيدو حلاتو"، فإن ذلك لم يقلل من الطلب على القهوة التي يطلقون عليها للتحبب في كثير من الأحيان "المحبوبة السمراء".


إدمان وضرر للقلب


    ويعرف مدمنو تناول القهوة أن الطب الحديث يحذر من الاستعمال المفرط لها على اعتبار أنها تؤثر على نبض القلب ودقاته وعمله الطبيعي، ومع ذلك فهم يسدّون آذانهم عن كل نداءات الأطباء، ويواصلون احتساء القهوة حتى "تنعدل رؤوسهم" ويشعرون بنوع من النشوة والراحة النفسية.


وبالنسبة لكثير من الرجال، ارتبط  فنجان القهوة الصباحي بالسيجارة والجريدة، باعتبارهم ثالوثا أحكم سيطرته على نوع من الرجال الذين يبدأون يومهم بمثل هذه العادة التي أصبح من العسير عليهم الفكاك منها.


وعن علاقته بالقهوة يقول السيد رياض ناصر: "كانت القهوة فيما مضى مشروبا للسادة وعلية القوم، أما الآن فهي مشروب الجميع، يتناولونها في البيوت والمقاهي والشوارع والمكاتب والمطاعم وغيرها من الأماكن العامة، وهي تقدم ساخنة في العادة، ولا تعترف بجنس أو عمر شاربها، لأن مهمتها هي الإنعاش فقط. لا أبالغ إذا قلت أنني أشرب أكثر من عشر فناجين يوميا، واليوم الذي لا أشرب فيه القهوة أحس بارتعاش في جسدي.

 ربما هو الإدمان على هذا المشروب المحبب، لكنني لا أذكر مطلقا أنني طلبت من أحد أن يقرأ لي خطوط فنجاني، فهذه أكاذيب لا أصدقها ولا أتعامل معها، وأعتقد أن الكثيرين ممن يتعاملون بهذه الطريقة، إنما يريدون المزاح والتسلية فقط، وهذه العادة منتشرة في أوساط النساء أكثر منها في أوساط الرجال، واعتقد أن جانبا من سر اهتمام المرأة بقراءة الفنجان، هو رغبتها في معرفة أسرار زوجها، لأنني أعرف أن بعض النساء يأخذن فناجين أزواجهن إلى بعض القارئات لهذه المهمة فقط، ولك أن تتصور طبيعة حياتها فيما بعد نتيجة خطوط تفسرها امرأة لن تكون بريئة في هذا المجال".


    فنجان القهوة عالم غريب بحد ذاته، يحمل معه أسراره ورموزه، ويحمل تشابك علاقاتك الاجتماعية. ولكن هل تكتمل القهوة بدون نار مشتعلة في مضارب البدو، وبدون مهباش يحمصها ويطحنها، وبدون "هيل" يمنحها طعما لذيذا. إنها الصورة الأولى للقهوة كما حملتها لنا الذاكرة.


وإذا كانت اليمن هي موطن القهوة الأول، وهي الدولة العربية الأولى في زراعتها وإنتاجها"، فإن البرازيل هي الدولة الأولى في العالم في زراعة القهوة وإنتاجها، وتشكل في الوقت نفسه عماد اقتصادها الوطني، وكثيرا ما التهم البحر آلاف الأطنان من القهوة البرازيلية حفاظا على استقرار سعرها في السوق العالمية.

التعليق