اللّـؤلــؤ صفاء اللون ودموع المحار

تم نشره في الأربعاء 2 آذار / مارس 2005. 10:00 صباحاً
  • اللّـؤلــؤ صفاء اللون ودموع المحار



اللؤلؤ مادّة صَدَفيّةٌ ذات لمعانٍ خاصٍ تنتجُه بعض أنواع المحار، وذلك عندما تتعرّض لظروفٍ معيّنةٍ. ويتكوّن اللّؤلؤ نتيجةً لدخول جسمٍ غريبٍ بين صدفة المحار وغلافها اللّحمي. ولأجل أن تحمي المحارة نفسها من هذا الدّخيل الصّغير، تحيطه بمادّةٍ كلسيّةٍ (كربونات الكالسيوم مع قليل من المواد البروتينيّة)، طبقةً بعد طبقةٍ.


يتألّف اللّؤلؤ من مادّةٍ كلسيّةٍ صَدَفيّةٍ تُشبه السّطح الدّاخلي لغلاف المحار من حيث التّركيب الكيمياويّ. وإذا ما طال العهد بهذه المحارة، فإنّ اللّؤلؤة تلتصق بداخل الصّدفة نفسها، وقد لا تظهر للعَيان لأوّل وهلةٍ، بل تحتاج لإخراجها من الصّدفة، في بعض الأحيان، إلى قَطعِ الصّدفة نفسها.


اللّؤلؤ الطّبيعي داخل المحار لا يكون كرويًا تامًا وإلاّ لما التصق في مكانٍ واحدٍ. والحقيقةُ أنّ اللّؤلؤ يحتاج إلى صقلٍ فنّيٍ بعد إخراجه من المحار، وذلك لإزالة الشّوائب النّاجمة عن التصاقه بصدف المحار، الأمر الذي يجعل اللّؤلؤ على هيئةٍ تقرب من نصف الكرة.


تعدّدت مصادر استخراج اللّؤلؤ من سواحل استراليا وأمريكا الوسطى وبعض الجزر الواقعة جنوب المُحيط الهادي وخليج المكسيك، حيث كان يقوم الهنود الحُمر باستخراجه. أمّا أشهر مناطقه فكانت الهند والخليج العربي؛ وامتاز لؤلؤ البحرين عن غيره بالجودة، وقد عُرِفَ بـ" لؤلؤ بومباي" لأنه يُباع في هذه المدينة.

وكان البحّارة المُسلمون يعرفون مناطق الغوص التي تتوافر فيها اللآلئ بكثرةٍ.

 وقد عَرَف صيّادو اللّؤلؤ، نتيجةً لخبرتهم الطّويلة، أنّ المحار المشوّه الشّكل والقليل النّمو بالنّسبة لأقرانه والذّي يحتوي على خراجات ودمامل أو ثقوب تشبه خلايا النّحل، أكثر احتمالاً لوجود اللّؤلؤ في داخله من غيره السّويّ. وقد تعدّدت أسماء اللؤلؤ في اللّغة العربية، فاشتهر منها: اللّؤلؤة والمرجانة والنّطفة والتّوأمة والنّوامية واللّطيميّة والصّدفية والسّفانة والجمانة، إلخ... أمّا عند الجوهرييّن فقد اختلفت المُسمّيات وفق أشكالها المُختلفة. فيذكر البيروني في كتابه "الجماهر": ("نْ كان كُرويًا رائعًا، سمّوه نجمًا؛ أمّا المُستطيل المُتشابه الطّرفين بالإستدارة فيُشبَّه بِبَعر الغنم أو بِبَعر الظّبي؛ وقد يُشبّه بالزّيتونة، فيُقال زيتونيّ؛ ومنه البيضيّ نسبةً إلى البيضة؛ والغُلامي هو المخروطيّ الذي تكون قاعدته جزءًا من الكرة؛ وقد يُقال عن اللّؤلؤ لوزيّ وشعيريّ ومضرس. فاللّوزي شبيه باللّوزة، والشّعيري ما شابه شكله حبة الشّعير، والمضرس ما التحم بعضه ببعض).


يتناسب ثمن اللّؤلؤ مع لونه وحجمه وشكله ومدى صلاحه لصنع الحُلي. فمن ألوان اللّؤلؤ الأبيض وهو أغلبه، ومنه الأصفر والورديّ والأزرق الفاتح. فيذكر البيروني: "أنّ الذي فيه صَفرة يسيرة يُفضّل على الأبيض كفضل الذّهب على الفضّة؛ ولأن الدّرة النّفيسة النّاصعة البياض القريبة العهد بالبحر، فما يلحقها كدرٌ وتغيّرٌ، ما يزال فيها ويزداد إلى أن تسود كالبعرة. فإذا بدت فيها الصّفرة اليسيرة المعروفة، أمن منها ذلك الدّاء واستيقن أنّها لا تتغيّر على الزمان". ثم يستدرك على قوله في مكانٍ آخر من الكتاب: "إنّ الصفرة في اللؤلؤ تغيّرٌ فاسدٌ يتولّد لأسبابٍ كثيرةٍ منها: الدّهن والعروق وروائح الطّيب من الزّعفران".


والّلؤلؤ من الحجارة الثّمينة، ومنه تُصنع بعض الحُلي التي تتزيّن بها النّساء.
كيف يتكوّن الّلؤلؤ؟


قد يصادف أن تدخل حبّة رملٍ مثلاً، أو حصًى صغيرةً جدًا داخل صَدَفَةٍ، فتزعج حيوان المحار الذي يعيش في داخلها، ويحاول هذا الحيوان الدّفاع عن نفسه. وحتّى يسهل فهم هذه العملية، فكّر بما تفعله العين عندما يدخلها جسمٌ غريبٌ.


إنّ العين إذا دخل فيها جسمٌ غريبٌ تفرز من الدّمع الذي يحمل هذا الجسم ويطرده خارجًا. يقوم المحار بعمليةٍ تشبه ما تفعله العين في هذه الحالة، لكنّه لا يستطيع أن يطرد الجسم الصّغير الغريب، وإنّما يفرز مادةً تصبح صلبةً حول هذا الجسم، وتغطّيه بطبقةٍ بيضاء اللّون. ومع الأيام تتراكم أعداد طبقات هذه المادة فتُعطينا حبّة لؤلؤ.


 كيف نحصل على اللؤلؤ؟


 الحصول على اللؤلؤ الطّبيعي ليس بالأمر السّهل.. فوراء صيده قصّةٌ من التّعب والشّقاء والجهد والصّبر. في ما يلي بعض المعلومات المتعلّقة باللؤلؤ وصيده وعملية الغوص عليه.


 إنّ أجمل اللآلئ هي التّي تُستَخرج من سواحل الخليج العربي كسواحل الكويت والبحرين ومسقط وعمان وقطر وأبوظبي.


ومن الأسباب التي جعلت من الخليج أشهر مغاصات اللّؤلؤ في العالم: تكوين الخليج، وطبيعة أرضه، وضحالة مياهه ودفؤها في الصّيف.


وقد مارس عرب السّاحل الغوص على اللّؤلؤ قبل ظهور الإسلام، وما يزالون. وكانوا يُصدّرون اللّؤلؤ إلى الهند والعراق وحلب ومصر وتركيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا.


بلغت هذه المهنة أوج ازدهارها في أوائل القرن العشرين، إلاّ أنّها تراجعت بسبب الأزمة الإقتصاديّة التي أعقبت الحرب العالميّة الأولى، وزاد في تدهور أسواقه وأسعاره ظهور اللّؤلؤ الصّناعي في اليابان، الذي كاد يقضي تمامًا على الّلؤلؤ الطّبيعي. وكان مهراجات الهند في طليعة مَن يشترون اللّؤلؤ. وبسقوطهم زادت عوامل كساد تجارة اللّؤلؤ.


مهنة الغوص ومشاقها


تُعتبر مهنة الغوص من أصعب المِهَن التي مارسها الإنسان وأخطرها. وهي تحتاج إلى صبرٍ شديدٍ. أمّا موسم الغوص فيبدأ في شهر حزيران وينتهي في أواخر شهر أيلول.


 مهنة الغوّاصين


تتقيّد مهنة الغوص بنصوصٍ غير مكتوبةٍ، إذ يحكم السّفينة أثناء الموسم نظامٌ دقيقٌ صارم: يُعطى الرّبان سُلطَةٌ مُطلقةٌ لا تحدّها حدود، كما تحكمها تقاليد بحريّةٌ عريقةٌ وعادات مُتّبعة، أهمّها الطّاعة المُطلقة والنّظام الدّقيق. ومن صفات الغوّاصين الأمانة التّامة، والثّقة التي يوليها البحّارة ربّانهم.


ينقسم الغوّاصون إلى عدّة درجاتٍ، ولكلٍّ منهم مهمّةً يقوم بها. وهذه هي فئاتهم:


1- فريق أصحاب السّفن.


2- فريق الغوّاصين، وهم الذّين يستخرجون اللّؤلؤ من قاع البحر.


3- فريق السّيوب (جمع سيب)، وهم الذي يسحبون الغوّاصين من قاع البحر إلى السّفينة.


4- فريق الصّبية الصغار الذين يُرافقون السّفن لأداء الخدمة والتّدرب على المهنة.


وعندما يُوَزّع المحصول آخر الموسم، يأخذ صاحب السّفينة والغواص حصّتين متساويتين، ويأخذُ السيب حصّةً أقل؛ أمّا الصّبية الصّغار فلا يحصلون على شيء.


ومن عادة أهل الغوص في اصطياد اللّؤلؤ أنّهم ينهضون في الصّباح الباكر، ويتناولون القهوة العربيّة والتّمر بقدرٍٍ قليلٍ، خاصّةً الغوّاصين، حتّى يتمكّنوا من أداء عملهم براحةٍ، ومن دون أيّ تعبٍ من الأكل والشّرب، ويعملون طوال النّهار من دون أن يتناولوا الطّعام حتّى المساء، حين يتناولون عشاءهم. وهذه هي الوجبة التي يعتمدون عليها في تغذية الجسم ومقاومة التّعب.


وفي اليوم التّالي يقومون بفتح المحار بطريقةٍ فنّيةٍ تتطلّب مهارةً وحذرًا حتّى لا يُصاب اللؤلؤ بخدوشٍ تُقلّل من قيمته.


 طريقة الغوص


عندما ينزل الغوّاص إلى الماء يلفّ على خاصرته قطعة قماشٍ تتدلّى على ركبتيه، ويضع على أنفه مشبكًا (ملقطًا) يمنع دخول الماء، ويعلّق في رقبته كيسًا من الشّبك القطني، يضع فيه ما يصطاده من اللّؤلؤ. ويربط في إحدى رجليه ثقلاً من الرّصاص يزن نحو 6 كيلوغرامًا أو أكثر، ليُعينه على النّزول إلى قاع البحر. كما يربط رقبته والكيس حبلٌ طويلٌ يمسك بطرفه السيب.


وفي قاع البحر، يمشي الغوّاص على يديه، ورجلاه مرفوعتان إلى فوق في الماء، وحبل الإستغاثة مربوط بقدمه. ويبدأ البحث عن المحار. وعندما يمتلئ الكيس، يشدّ حبل الإستغاثة، فيحسّ به السّيب ويسحبه إلى سطح السّفينة.


يتعرّض الغوّاص لمخاطر كثيرةٍ، منها: السّمك ووحوش البحر، والسّيب الذي يتولى سحبه من الماء. والخطر أن يغفل عن استغاثة الغوّاص وإغاثته، فيموت مختنقًا في البحر.


هذا، ما عدا عواصف الجوّ والرّياح التي قد تهبّ على السّفينة فتقلبها في البحر، وتضيع السّفينة ورجالها في قاع البحر.


مراحل الحصول على اللؤلؤ ثلاث:


1- مرحلة جمع المحار.
2- مرحلة فرز المحار، الفارغ منه والحامل.
3- مرحلة تصنيف اللّؤلؤ.


 أنواع اللؤلؤ وقيمته


بعد جمع المحار (المرحلة الأولى) وفرزه (المرحلة الثانية) تأتي المرحلة الثالثة وهي مرحلة تصنيفه.


فالّلؤلؤ ألوان، منه الأبيض والزّهري والأزرق السّماوي والرّمادي المسوَد.

ويُعتبر اللّؤلؤ الأبيض أغلى هذه الأنواع، يليه الزّهري فالأزرق فالرّمادي. ويرجع التّفاوت في قيمته إلى جمع اللّؤلؤة ودرجة نقاوتها وصفاء لونها.


بقي أن نذكر أنّ انعكاس مهنة الغوص على مجتمع الخليج، قبل ظهور النّفط فيه، كان كبيرًا. فتزدهر التّجارة، بحسب موسم اللّؤلؤ، وينشط البحّارة بتزويد أسرهم ما تحتاجه من غذاء وكساء، ويدب النّشاط في البلد. ومَن لم يفرح من النّساء والأطفال بما كسبه ربّ الأسرة الغواص، فإنّه يفرح بعودته سالمًا بعد غيبةٍ طويلةٍ شاقّةٍ.


وكان في الكويت مثلاً أكثر من 1500 سفينةٍ، يُقدّر عدد بحّارتها بـ30.000 رجلٍ. ولم يعد في الكويت، عام 1961، سوى سفن لا يزيد عددها على ست، تعمل في الغوص، وأصحابها هواة أكثر منهم محترفين.


اللّؤلؤ الصّناعي أو زراعة اللّؤلؤ


لمّا كانت عملية دخول جسمٍ غريبٍ داخل الصّدَفة قد تحصل مصادفةً، وقد لا تحصل، فإنّ اللّؤلؤ الطبيعي نادر وغالي الثّمن. لكنّ الإنسان استطاع بما وهبه الله من عقلٍ، أن يكتشف طريقةً لصنع اللّؤلؤ الطّبيعي. فتتمّ تربية المحار في مناطق مناسبةٍ، ثم استخدامه لصنع الّلؤلؤ. وهذا ما يطلق عليه إسم "مزارع اللّؤلؤ".


يقوم الغطّاسون بجمع المحار الذّي بلغ عمرًا مناسبًا، وفي الغالب يجمعون المحار الذي بلغ سنتين من العُمر أو أكثر، ويحملونه خارج البحر إلى أماكن خاصّةٍ، حيث يتمّ تحضيره لإنتاج اللّؤلؤ. وهذه المرحلة هي الأخطر لأنّها يمكن أن تقتل المحار إذا لم تتمّ بدقةٍ وانتباهٍ.. يقوم العُمّال بفتح الأصداف وبإدخال جسمٍ صغيرٍ داخل المحار في مكانٍ محدّدٍ.


بعد ذلك، تُحمَل الأصداف في أقفاصٍ مصنوعةٍ من شباكٍ حديديّةٍ، وتُعاد إلى قاع البحر، حيث يمكنها أن تتابع حياتها. ويقوم الغطّاسون برعاية هذه المزرعة والإهتمام بها، وتأمين الغذاء للمحار لمدّة ثلاث سنواتٍ أو أربع.. حتّى يحين موعد جمع الأصداف من جديدٍ والحصول على اللّؤلؤ الموجود فيها.


إنّها عمليّة زراعة.. يزرعُ العمّال حبّة الرّمل التّي تدفع المحار إلى صنع اللّؤلؤ، ثم ينتظرون حتّى ينمو اللّؤلؤ ويكبر، وبعد ذلك يقطفونه.

التعليق