محمد المحتسب.. المذيع حين يعشق المايكروفون

تم نشره في الأحد 27 شباط / فبراير 2005. 10:00 صباحاً
  • محمد المحتسب.. المذيع حين يعشق المايكروفون

   عمان - رسم شتاء عام 1967 الاطار العام لحياته الشخصية. ففيما عمان ترتدي حلة بيضاء اثقلت حركة الناس الذين رابطوا في بيوتهم، كان يحمل في راسه طموح سنين امضاها يحلم بالاضواء التي تحيط باولئك الرهط من الناس الذين يحلون ضيوفا على الناس بصوتهم.


..قبل التلفاز كان المجد للاذاعة. وقبل ان تحل ظهيرة ذلك اليوم، كان محمد انيس المحتسب ابن الثمانية عشر ربيعا (ولد في 20- 5- 1947) وصل راجلا بعدما غاصت قدماه في ثلوج منطقة الشرق الاوسط الى مبنى الاذاعة في العاشرة صباحا. وبعد ثلاث ساعات من المشي، وصل.. ربما ليقول للناس (هنا عمان، والقدس قبل اغتصابها) او ربما ليؤدي الطقوس التي حلم بها، والتي من اجلها رفض دراسة الطب بالازهر الشريف او الرياضيات في الجامعة الاردنية. فقدماه كانتا تغوصان في الثلج لتتقدما نحو قدَر توّج عقودا من حياته بالعز والفخار.


   زميله منير جدعون، المناوب المسائي، قفل عائدا الى بيته بسيارة جيب عسكري ليترك للقدر رسم بقية المعالم. فقد سلّمه المايكروفون منذ علم بوصوله "الهستييري" لاربعة ايام غاص الناس فيها في بيات شتوي قصري.. وارتقى هو فيها لذرى المجد الشخصي.


وبدلا من اقتصار القول على عبارة "هنا عمان"، اتاح الثلج الذي اعاق وصول بقية الزملاء له فرصة التحدث بما يشاء لاربعة ايام، أبرم فيها عقد صداقة مع المايكروفون، فلم يفترق عنه لاكثر من عقدين من الزمان.


    كلاهما انصهر في الآخر حتى أحس (المتخندقون) داخل بيوتهم ان المايكروفون صنع خصيصا له، أو على الاقل ان مايكرفون الاذاعة الاردنية قد وجد نفسه فيه ومعه. إمتص دفء صوته وحنان مشاعره، واعادت ذبذباته توزيعها على الاثير لتنظف آذان المستمعين من كثير من الاصوات النشاز التي تسمع هنا وهناك.
   هذه الخطوات التي ارتسمت في الثلج، اثرت في نفس المسوؤلين الذين اقتنعوا بادائه، فحوّلوه من شاب مبتدئ، ونقلوه الى مصاف الكبار إسوة بنجوم الرعيل الاول من كبار المذيعين (ابراهيم الذهبي صاحب الفضل عليه، محمود الشاهد، موسى نغوي، نقولا حنا، والشاعر حيدر محمود) ليتحقق الحلم - عى الاقل بمحاكاة نجمه المصري الكبير جلال معوض.


من لا يعرفك.. يجهلك


   كان أصغرهم سنا، لكنه أكثرهم تاثيرا، بدليل اتصال وزير الخارجية انذاك عبد الله صلاح الذي كان احضر رسالة هامة من الملك الراحل الحسين بن طلال كانت موجهة الى ملوك ورؤساء العرب الى العين مروان دودين، وكان مديرا للاذاعة وقتها، وطلب اذاعيا قديرا لقرائتها. استدعي المحتسب لهذه المهمة، ولما دخل على وزير الخارجية استصغره. ولما قدمه دودين تراجع صلاح معتذرا: "الذي لا يعرفك يا محتسب يجهلك، كنت احسبك لا تدخل من هذا الباب" - على اعتبار ان المذيعين ذوي صوت جهوري، لا بد ان يكون جسدهم ضخما ضخامة صوتهم.

 
    وبالفعل قرأ الرسالة، وما ان انها تلاوتها على الملأ، حتى كان رئيس الديوان الملكي أحمد الطراونة يتصل بمدير الاذاعة ليطلب من دودين ان يجعله يتوجه الى مبنى التلفزيون لتلاوتها على الهواء مباشرة لاعجابهم بالعرض والالقاء الذي سمعوه.


"وعرفت ان الطراونة امر بمكافآتي فناداني دودين ليعطيني عشرة دنانير رفضتها بإباء. فما فعلته أن هذه ليست عطية، وإنما جزء من واجبي".


وللنقود مع المحتسب حكاية، وذكرى. فيضيف: "في تلك الفترة كان راتبي 18دينارا. لم يكن راتبي الأول. كان أول راتب أتقاضاه 15دينارا. أما  آخر راتب فكان 28، قبل الرحيل للعمل في اذاعة دبي (بين 1972- 1975) وبعدها في اذاعة الامارات حتى عام 1982 ".


ومن الامارات عاد بعد عشر سنوات من العمل ليشترى لاولاده قطعة أرض بنى عليها بيتا قبل ان يبدا بالالتفات الى نفسه والانفاق عليها لدراسة الماجستير في جامعة انديانا الأميركية.


كما عاد بالكثير من المحبين العاشقين لصوته الدافىء "او كما وصفه سعيد السويدي مدير اذاعة ابو ظبي أجمل صوت في الاذاعات الخليجية. اما سعيد عمارة مدير اذاعة الشارقة فقد همس في أذن مديري بانني اتغزل بالمايكرفون وانا انقل حدثا خارجيا. اما المرحوم ضياء الدين الرفاعي فقد وصفه بانه صاحب الصوت الذهب".


    وفي تاريخ المحتسب الكثير من الانجازات. فناهيك عن انه أول من تلى بيان معركة الكرامة عام 68 (بعد مصادرها بالقاهرة) وكذلك نقل خبر وصول نيل ارمسترونغ لسطح القمر عام 1969، وعبور القناة باتجاه خط بارليف في حرب 73، كان المحتسب اول من عمل فكرة لبرنامج الشهير البث المباشر حيث قدم برنامجا اسمه "الاذاعة في خدمتك" وكان يذاع إسبوعيا وتسجل فيه الشكاوى وتنقل اسبوعيا وتبلور البرنامج ليصبح فيما بعد.. "البث المباشر"، البرنامج الوحيد الذي صمد على جدول برامج الإذاعة الأردنية على مر هذه السنوات.


    كما قدم برنامج "حدث في مثل هذا اليوم" الذي كان يعده رشيد خصاونه، قبل أن تنتشر فكرته وتتنوع فيما بعد.


أب متنقل


    والمحتسب في المجال الانساني "أب متنقل" لكل الطلاب الذين يدرسهم منذ عام 1985 وحتى هذا اليوم في جامة اليرموك، يعطيهم من خبرته في مجالات التحرير الصحفي والاذاعي. وبرز من "أبنائه" رسام الكاريكاتير عماد حجاج، وايمان السائح، راكان السعايده، فيصل ملكاوي، باسل رفايعة، محمد حسن التل، ومذيع محطة الجزيرة نديم الملاح وغيرهم. وهو اب لكل من يطلب مشورة او يحتاج "لوجوه الخير" في الاعراس والعطوات وغيرها. وهو يستمتع بهذا الدور الذي بدا معه مطلع شبابه حيث عمل بالاذاعة، ومن ثم قام بالتدريس. ولهذا فعل عكس ما يفعله الاخرون الذين سبقهم بالتجربة فطلبوا خبرته.. واحتاجوا لمشورته حين يتعلق الامر بالتعلم، ولدفء حنانه حين ينتابهم خطب ما.


ولا يزال الود موصولا بين المحتسب والمايكرفون. فهو قدم أخيرا برنامجا اسمه "يحكى أن" و"لطائف القران الكريم"، فاعاد للجيل الذي كبر معه ذكريات اثيرة.. ورسم في مخيلة الجيل الحالي فكرة عن "المذيع الصح" في زمن امتلىء فيه "أهل الرويبضة" فعاثو فسادا بذائقتنا التي تحتاج لصوت "محتسبيّ" رخيم بين الفينة والاخرى لتنظيفها ولإعادتها الى "الطريق القويم"!. 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مدح (قصي الرواشده)

    الثلاثاء 19 كانون الثاني / يناير 2016.
    كل الاحترام والتقدير لدكتورنا الكبير محمد المحتسب فعلا اب وامبراطور الاذاعه الاردنيه والعربيه