" طيارة من ورق" تفاصيل انسانية صغيرة في خضم السياسة

تم نشره في الأحد 27 شباط / فبراير 2005. 10:00 صباحاً

تعرضه شومان ضمن " مختارات سينمائية "

   تجري أحداث فيلم " طيارة من ورق " في قرية حدودية مفترضة تقع على الحدود اللبنانية الإسرائيلية وتضم سكانا عربا من الطائفة الدرزية ، وهي قرية تم تقسيمها مع سكانها إلى قسمين بفعل الاحتلال الإسرائيلي ، قسم يعيش في لبنان والقسم الآخر يضم أقاربهم الذين يعيشون ضمن دولة إسرائيل ( والوضع برمته مستعار للفيلم من وضع سكان هضبة الجولان الدروز ) .

 من المعلوم ان الدروز في كلا الجانبين ، المفصولين عن بعضهما بالأسلاك الشائكة وحقول الألغام وبالعسكر ، يسعون جهدهم للحفاظ على أواصر القربى ويقيمون صلات مباشرة فيما بينهم عبر مكبرات الصوت .

 سينمائيا ، هذا الوضع بحد ذاته ، يحتوي على إمكانات درامية متنوعة ومؤثرة ، كما انه يتيح المجال لتقديم مادة سياسية عميقة المضمون من داخل هذا الموضوع العام يروي الفيلم حكاية الصبية لمياء ذات الخمسة عشر ربيعا ، والتي تلهو قرب الشريط الحدودي باللعب بالطيارة الورقية مع أخيها الأصغر ، المقيمة في الجانب اللبناني ، التي يقرر أهلها تزويجها من قريب لها يقيم في الجانب الإسرائيلي وهي تذعن عن غير رغبة منها وتعبر الحدود وحيدة في ثياب العروس .

 وحين تلتقي بزوجها تتمنع عليه و تعلن له أنها لا تحبه ولا تريده ولا يعترض الزوج على ذلك بل يعلن لها تفهمه وانه مثلها تماما لا يحب ولا يريد .


   عند نقطة الحدود ثمة برج مراقبة ودائما يجلس فيه نفس الجندي الإسرائيلي يراقب الجانب الآخر، يستمع للأحاديث من خلال مكبرات الصوت ويدون التقارير حول ما يرى ويسمع للقيادة العسكرية وهذا الجندي الذي كان يراقب لمياء وهي تلهو بالطائرة الورقية ، بل صرخ محذرا إياها من الألغام عندما غامرت واخترقت السياج الحاجز لاستعادة طائرتها ، والذي شاهدته لمياء  بدورها أثناء عبروها عروسا أولا داخل إسرائيل ، و خروجها عائدة إلى لبنان بعد تطليقها ، هو الذي ستحبه لمياء وسيحبها ، وهي ستعيش علاقة الحب ضمن أحداث متخيلة ( او أحداث يختلط فيها الخيال مع الواقع ) ستفضي بها الى العودة من وطنها وعبور الحدود إلى إسرائيل  والرجوع مجددا للقاء الجندي الإسرائيلي في الجانب المحتل لتلاقي حتفها في انفجار لغم حدودي يتلوه مشهد متخيل أيضا تلتقي فيه مع المجند وتعريه من ملابسه العسكرية في لحظة توافق وانسجام متبادلين ، لحظة تحيلنا إلى صيغة النهايات السعيدة في أفلام الميلودراما .


   يبدأ فيلم " طيارة من ورق " بقضية كبرى ترتبط بالاحتلال الصهيوني الذي فرٌق بين أبناء الوطن جغرافيا وعجز عن التفريق بينهم روحيا ، لكن الفيلم سرعان ما ينحرف تدريجيا عن هذه القضية الكبرى ليعالج قضية صغرى بالمقارنة مع القضية الأساس فتتراجع قضية الوطن والشعب لصالح قضية فرد .

وحسب البنية السردية للفيلم تنحرف القضية السياسية عن مسارها لتصبح قضية عاطفية ، وبدلا من مشكلة شعب يريد التحرر ، تطفو على السطح مشكلة فتاة تريد التحرر من التقاليد التي تمنعها من حب من تريد وتفرض عليها الزواج ممن لا تريد ، وهي مشكلة كان يمكن معالجتها بعمق وشمولية أكبر فيما لو جرى ذلك ضمن موضوع ملائم .


   كتب الكثيرون في محاولة لتبرير العلاقة بين لمياء اللبنانية الدرزية والجندي الإسرائيلي وإبعاد أي شائبة تطبيعية عنها ، يقولون أن الجندي درزي أيضا وأن الدروز في إسرائيل يساقون للتجنيد مثل اليهود ، فهو " جندي " في الجيش الإسرائيلي رغما عن انفه .

لكن هذا التبرير ( غير المقنع واقعيا ) ، لا يجد سندا حقيقيا له من داخل بنية الفيلم ذلك ان واقع هذا الجندي درزي يتم التعريف عنه في الفيلم بخطاب مباشر لجمهور المشاهدين وحدهم ، ولمياء ليست من هذا الجمهور ، بل هي واحدة من شخصيات الفيلم وهي بالتالي لا تعرف أنه درزي ولم يذكر لها أحد من داخل الفيلم انه كذلك .

هو " منطقيا " و " عمليا " مجرد جندي إسرائيلي يتمركز فوق برج مراقبة ، أي أنه جندي عدو بالضرورة ، وهي بدأت تميل إليه عاطفيا قبل أن تعرف أي شيء عنه سوى أنه جندي .

هذا وان حقيقة أن الدروز العرب في إسرائيل يخضعون للتجنيد مثل اليهود ( في حين يستثنى المسلمون والمسيحيون العرب ) هي حقيقة من خارج الفيلم وليس من داخله أي أنها غير متضمنة في بنية الفيلم ، وبالتالي لا يعلم بها إلا جزء من المشاهدين المعنيين مباشرة بالموضوع في حياتهم اليومية لأنه يرتبط بمشكلتهم السياسية ( خاصة العرب واليهود ) في حين أنها حقيقة مجهولة بالنسبة لباقي المشاهدين في العالم  ( ومنهم الأوروبيون ) والذين قد لا تعني لهم شيئا حتى ولو علموا بها مسبقا ، وبالتالي فإن هذا الجزء من محاولة تبرير العلاقة في وسائل الإعلام العربية يفتقر إلى المصداقية أيضا .


فاز فيلم " طيارة من ورق " بجائزة لجنة التحكيم من مهرجان البندقية السينمائي لعام 2004 .

التعليق