في مسرحية الستارة: الراوي غربي والأحداث عربية

تم نشره في الأربعاء 23 شباط / فبراير 2005. 10:00 صباحاً
  • في مسرحية الستارة: الراوي غربي والأحداث عربية


هل تساءل أحدنا يوما عن سبب استخدامه للستائر, لا بد أن الإجابة التي كان يستنتجها على الفور هي: أضع الستارة لأجعلها حاجبا بيني وبين الآخرين، أي لأحصل على شيء من الخصوصية.


  لكن .. إذا كانت هذه أسبابك لاستخدام الستارة، فماذا عن الآخر.. الآخر الذي تحجبه ستائرك عنك؟

ألا تعتقد أن ستارتك في هذه الحالة تثير لديه فضولا أكثر مما تدفعه إلى غض البصر أو الالتزام؟ حول هذه الإشكالية تدور مسرحية (الستارة) التي عرضت خلال شهر شباط/ فبراير الحالي، على مسرح مكتبة الإسكندرية وفي ساقية الصاوي بالقاهرة، عن قصة للكاتب المصري يوسف إدريس، وهي من إنتاج سويسري- مصري مشترك.


  العرض بدأ بزواج بهجت (خالد رأفت) بالفتاة سن سن(ناريمان بركات) ضمن حفل تدخل فيه الأهل والأصدقاء بالنصح والإرشاد لكلا العروسين، كل حسب معرفته، وقناعاته، ورؤيته للعلاقة بين الرجل والمرأة، الزوج والزوجة، وحقوق كل منهما على الآخر، مع غض البصر المتعمد عن حقوق كل منهما تجاه الآخر..

الحماة، الصديق، زوج الخالة، والخالة، وأصوات أخرى تصدر تعليمات ونصائح كثيرة تستحضرها الفتاة خلال رحلة حياتها الزوجية شديدة الحداثة.


  كل هذه الأحداث دارت وفق نطاقها الدرامي المتوقع والروتيني، إلا أن وجود أندرياس (الفنان السويسري أندرياس شتورم)، الراوي لتفاصيل القصة، والذي أسندت إليه مهمة تعريف الجمهور بخلفيات كل شخصية، والمستجدات الطارئة، أعطى للمسرحية بعدا آخر، استفاد منه العرض لصالح إيجاد قراءات مختلفة لما بين السطور، ووضع الجمهور المشاهد في حالة انتباه قصوى، لسببين:

الأول أن أندرياس يروي الحكاية باللغة الإنجليزية، وبطريقة كوميدية بسيطة مليئة بالحرفية والطرافة، والثانية أن الشخصيات، لا تتورع خلال أدائها عن استدعاء أندرياس لمساءلته عما يحدث ولماذا يحدث، والهدف من حدوثه، الأمر الذي حمّل الجمل البسيطة المستخدمة معاني غنية، واستفز المشاهد لمحاولة القراءة فيما بين السطور.  

 فبهجت العريس المحب، يلتقي أندرياس كل يوم، وهو في طريقه لعمله (في إشارة لاحتكاك الشباب الدائم مع الثقافة الغربية)، وأندرياس يعرف من بهجت أبعاد علاقته بزوجته سن سن، ولا يكتفي بذلك، بل يذهب أيضا للجلوس في المقاهي مع الأهل المنتقدين، ليستشف منهم بعدا آخر لعلاقة بهجت بسن سن، فيما سن سن نفسها مشغولة في روتين الحياة الزوجية اليومي، وبالسباحة في الأحلام الوردية التي تنسجها الفتاة مع كل خيط من خيوط فستان الزفاف، وللدلالة على ذلك تبقى "سن سن" تردد لحن أغنية سعاد حسني "بمبي بمبي الحياة بقى لونها بمبي".


  الراوي يخشى على متتبعي روايته من الوقوع في الملل، فيخلق حدثا جديدا استطاع من خلاله أن يستثير فضول الجميع، الجمهور والشخصيات، فبعد خلو الشقة المقابلة لسكن بهجت وزوجته من ساكنيها، يتدخل أندرياس ويساعد في تأجيرها لشاب وسيم (شبه عمر الشريف) على رأي "سن سن" والجيران الذين فتنوا بملامح الشاب.


  بهجت أمام شعوره بالاستهداف بسبب وسامة الساكن الجديد يقرر وضع ستارة تحجب بين الزوجة وكل ما يمكن أن يفضي إلى رؤية الجار الوسيم، الذي لم تحظ "سن سن" بأي فرصة لرؤيته أو معرفة شكله، أو مقدار وسامته، لذلك تجد نفسها مدفوعة بالفضول لمعرفة ما وراء الستارة، لكنها تتجنب ذلك خشية إغضاب بهجت، الزوج الذي بدأت التجربة بجعله يتشكك في مقدار رجولته ووسامته في عينيّ زوجته، وتطور الأمر، ليصبح مبررا للمشاحنة اليومية، والاتهامات المعلنة والمبطنة للزوجة الغارقة في الروتين ومحاولات تبرير عدم تمكنها من الحمل رغم مرور بضعة أشهر على الزواج، ومحاولات الاستماتة في إرضاء الزوج الغاضب، الأمر الذي يجعلها غائبة كل الغياب عن الافتتان بالساكن الجار الوسيم (سعيد).


  وسعيد هذا شاب وسيم هو فعلا (شبه عمر الشريف) يدخل العرض ببساطة وعفوية متناهية، وفي انقطاع تام عن تسلسل القصة دراميا، ويتوجه دائما لسؤال الجمهور، ما الذي يحدث، ومتى سيسمح له بالذهاب.


  إن وجود الستارة هدد بيت بهجت الزوجي أكثر من حمايته، وهو مغزى جاء على لسان شخصية زوج الخالة الذي قال "الذي يريد حماية مدينته لا يبني حولها أسوارا، الأسوار لا تحمي المدن، وإنما قناعات أهلها" وهو استنتاج وصلت إليه "سن سن" التي يبدو أنها الواعية الوحيدة لخطورة ما يحدث، حيث استدعت اندرياس لمساءلته حول الأمر:  "ما الذي قصدته من إسكان هذا الشاب الوسيم في الشقة المقابلة، ولماذا شجعت زوجي على وضع الستارة؟ هل لكي تجد قصة عن اضطهاد المرأة في الشرق، تحكيها هنا وهناك وتكتبها عنا في بلادك؟"

 وأمام صمت أندرياس الذي يدينه أكثر مما يبرئه تؤكد الزوجة: "تأكد أنا لا أشتكي، وأنا امرأة أعيش جيدا في كنف زوجي، وضمن قوانين بلادي وتقاليد أهلي لست بحاجة لأي من ألاعيبك لأشعر بالتحرر أو الحياة".

 وهنا يجيء رد أندرياس مواربا بعض الشيء لكنه يحمله بعدا سياسيا حين يقول: "انتبهي سيدتي أنا أوروبي ولست أميركيا"، إضافة إلى البعد الفكري الذي حمله وجوده راويا للأحداث (التاريخ نصنعه نحن، ويرويه المستشرقون كل حسب وجهة نظره مما يعرضه للتزييف والتشويه).


  ولم يتضمن العرض دلالات أخرى باستثناء الفصل الأخير الذي تعمدت المخرجة السويسرية تيا دومش تركه مفتوحا على كل الاحتمالات، فبعد أن ظن الزوج أنه ضبط زوجته متلبسة بمغازلة الجار الوسيم، من خلال تخطيها لحدود الستارة، استطاعت الزوجة الحصول على البراءة بأدلة كثيرة ساقتها لتثبت أن ما حدث كان عرضيا، وانتبه الزوج إلى أن الستارة دمرت حياته أكثر مما ساعدت على بنائها، فأزالها، لكن الجمهور فوجئ مع زوال الستارة أن بهجت/الزوج و سن سن/ الزوجة يقفان على خط متواز(وكأنه لا مجال للالتقاء)، يستعرضان ما حدث في حياتيهما من أخطاء، بلهجة تقريرية جعلت المتلقي في حيرة من احتمالية كونه أخطأ في استخلاص مغزى النهاية الفعلي..


  العرض كان تلقائيا خفيف الظل، لولا بعض المشاهد التي وقع فيها الإخراج في شرك الإطالة، واكسسوارات العرض على بساطتها كانت غنية بالمدلولات، وعفوية أندرياس وحرفيته جعلت الحضور حتى أشدهم جهلا باللغة الانجليزية يستمتعون ويستخلصون المغزى..أما الأداء فكان مفعما بالعفوية واللياقة الدرامية، وهو أمر غير مستغرب إذا علمنا أن الشخصيات تم انتقاؤها من ورشة تدريب وإعداد ممثل تحت عنوان (بروهلفتسيا) أقيمت بالتعاون مع المؤسسة الثقافية السويسرية، ومكتبة الإسكندرية، ومؤسسة (أي أكت).


  والنص جاء مليئا بالترميز (مع وضد العولمة) وبعيدا كل البعد عن النص الأصلي، وذلك لاستخدام تقنية الكتابة على خشبة المسرح، وهي تقنية جديدة يتم تدريسها وتبنيها حاليا في مصر بالتعاون مع محاضرين من مسرح "بكا" السويدي.

التعليق