ترميم منطقة الدوار الأول يعيد الحياة الى قلب عمان القديمة

تم نشره في الأربعاء 16 شباط / فبراير 2005. 10:00 صباحاً
  • ترميم منطقة الدوار الأول يعيد الحياة الى قلب عمان القديمة

 

    عمان – " لم تكن حدود البلدة، كما يراها الأطفال، تتعدى الأحياء التي يسكنون فيها، فإذا تجاوزوها فإلى أمكنة قريبة، وبصحبة الكبار".

 "والحياة قبل هذا اليوم، عادية، بطيئة، كأن العالم يبدأ وينتهي داخل كل حي أو عند تخومه". 

هذا ما جاء في كتاب "سيرة مدينة: عمان في الأربعينيات" للكاتب الروائي عبد الرحمن منيف وهو يتكلم عن جبل عمان ومنطقة الدوار الأول التي تعد إحدى أقدم وأرقى مناطق عمان القديمة. لقد عاشت في هذه المنطقة عائلات عمان العريقة قبل أن تهجرها للانتقال والعيش في مناطق أخرى.

 ومنهم من بقي فيها إلى يومنا هذا متمسكا بماضيه وفخورا به. ومن هذه العائلات عائلة عصفور،الطباع ،منكو ،التلهوني ،المفتي ورئيس الوزراء الأسبق توفيق أبو الهدى والوزير الأسبق عودة باشا القسوس وعدد من عائلات القسوس إضافة إلى عائلة خرفان وزريقات وبيت الامير زيد بن شاكر واسماعيل باشا البلبيسي والوزير السابق بشارة الغصيب وعائلة المعشر.
 
        اخذت أمانة عمان على عاتقها إعادة ترميم الأبنية والحفاظ على الأحياء القديمة، لإعادة الحياة لها وإنعاشها سياحياً واقتصادياً كما ازداد اهتمام الناشطين من اجل الحفاظ على التراث وبدأوا العمل على جعل منطقة الدوار الأول منطقة ثقافية وسياحية يتخللها مزيج من الأبنية التجارية والسكنية ذو الطابع التراثي.


       تقول أديبة منغو التي كانت تقطن في المنطقة: " الناس في تلك الأيام كانوا يتصفون بالألفة والمحبة والتواضع والتعاون في كل المناسبات وخاصةً عندما يمرض احدهم. وكان يقام كل أسبوع "يوم استقبال" لنساء الحي في أحد البيوت حيث يقدمون القهوة والليمون والبسكويت وكانت الضيافة تتسم بالبساطة وعدم المبالغة".
 
       تصف هند ناصر، صاحبة متجر" للحرف اليدوية" سكنت منطقة الدوار الأول في الأربعينات والخمسينات وكان مكتظاً بالسكان حتى أواخر الستينات، وبعدها بدأوا بالانتقال التدريجي نحو مناطق أخرى بعد أن بدأت مدينة عمان بالاتساع في بداية الخمسينات. وتضيف ناصر "كان أهل الحي والجيران يعرفون بعضهم بعض، وكانت تجمعهم المودة والألفة.

 وكانت مناسبات الناس واحدة يتشاركون فيها في السراء والضراء. كما ويتعاونون في الأعراس والمناسبات، وعادة ما تتواجد هذه الصفات في المجتمعات الصغيرة".
 
        وتستذكر ناصر بائع الحلويات الذي كان يأتي بعد الظهر ليبيع "الكيك مع الكريما" وقد كانت تعد ظاهرة جديدة في عمان "وأبو عبدو" الذي كان يجر عربة عليها سكاكر وأقلام وكأنها بقالة متنقلة، بالإضافة إلى ظاهرة صندوق العجائب الذي كان يحكي للأطفال القصص عوضاً عن أفلام الكرتون التي تعرض الآن.
 
          وتؤيد ناصر فكرة ترميم بيوت المنطقة وإعادة إحيائها ليتعرف الناس على قيمتها وإثارة اهتمام الشباب بالمناطق والأحياء القديمة لمدينتهم لأنها تعيدهم إلى قلب العاصمة عمان التي بدأت تكبر وتتسع في بداية الخمسينيات. وتقول إن "التطور والتغيير هما سنة الحياة ولكن الحداثة لا تصلح دون التواصل مع الماضي والتقرب من الأصول، مشيرة إلى إن من المهم التطوير والحفاظ على المدن، على ألا نعيش مثل أيام الخمسينات بل نطور المدينة ونستفيد من الموجود فيها ".
 
          وللحفاظ على طابع وتاريخ المنطقة، ولدت فكرة إنشاء جمعية "سكان حي جبل عمان القديم" برئاسة المهندس زيد القسوس، من أهم أهدافها الحفاظ على الأحياء التراثية وإعادة تأهيلها.

 وعن ذلك يقول القسوس: " وجدت الجمعية من اجل مساعدة أمانة عمان على المحافظة على تاريخ وجمال ونظافة الأحياء في المدينة". كما تهدف إلى المساعدة في تصنيف وترميم الأبنية القديمة والعمل على إحياء المنطقة وزراعتها بالإضافة إلى المساعدة في عملية تنظيم حركة المرور ودعم الأندية والجمعيات في المنطقة عن طريق أحياء النشاطات الثقافية والسياحية والرياضية.

 كما تسعى هذه الجمعية للعمل على إعداد مخططات تجميلية لكافة المواقع في الحي بما فيها الأشجار والنوافير والتركيز على الأعمال الفنية كوضع المقاعد والإنارة والحاويات في الشوارع وأمام المنازل.
 
       ويضيف قائلاً: تتلخص غايات الجمعية بخلق "تكتل ومرجعية لسكان منطقة الدوار الأول الذي كان يدعى "حي جبل عمان الجديد" في فترة الثلاثينات والأربعينات. كما تعمل على إعادة إحياء روح التعاون بين سكانها من اجل تطوير وإحياء النسيج الحضاري فيها من كافة النواحي: التراثية، والمعمارية، والتاريخية، إضافة إلى التطوير والاعتناء بالأبنية القديمة لرفع قيمتها التراثية والاقتصادية".
 
       ويشير قائلاً " يتطلب هذا العمل دراسة تخطيطية شاملة للمنطقة تشمل كافة العناصر. كما يستلزم جمع المعلومات الكاملة عنها ووضع قائمة بالبيوت والأبنية لحمايتها تحت مظلة القانون المؤقت الجديد: قانون الحفاظ على التراث العمراني والحضري الذي صدر عام 2003 "قانون مؤقت رقم (49) 2003 ".

ومن أحكام هذا القانون منع هدم أو إتلاف أو تخريب أو إلحاق الضرر بأي موقع تراثي أو فصل أي جزء منه أو إلصاق الإعلانات عليه. وعدم تغيير المعالم التراثية أو الإضافة عليها دون موافقة مسبقة من اللجنة ووفق المعايير والأسس المعتمدة.

 ويعاقب بغرامة كل من يقوم بإلصاق أي إعلان على أي موقع تراثي أو يقوم بإتلاف أي موقع تراثي أو جزء منه أو يلحق ضرراً به أو يستخدمه بشكل مخالف لأي استخدام تم تحديده من قبل اللجنة. كما يمنع ترخيص أي بناء جديد على موقع البناء التراثي بعد هدمه إنما يستخدم الموضع ليصبح حديقة عامة".
 
        ويضيف القسوس بأن هناك فكرة لوضع يافطات على الشوارع لها تصاميم مختلفة تعنى بالأماكن الأثرية كتلك الموجودة في شارع "مونو" وغيره من إحياء مدينة بيروت القديمة. كما توجد فكرة لإنشاء مسالك وطرق للمشاة Tourist Trail” " يسلكها الزوار سيراً على الأقدام برفقة أدلاء سياحيين من اجل تعريفهم بأهمية المنطقة وتاريخها والعائلات التي كانت تسكن البيوت القديمة المتناثرة، مروراً بالمنزل الذي عاش فيه المغفور له الملك حسين بن طلال في طفولته، والذي تخطط الجمعية بالتعاون مع أمانة عمان لتنفيذ فكرة تحويله إلى متحف، ومنزل الأمير زيد بن شاكر، وغيره من البيوت العريقة الموجودة في المنطقة.
 
        ويضيف القسوس ان الجمعية بصدد جلب مساعدات من الدول المانحة تزود الجمعية بأفكار لمشاريع تنموية واجتماعية واقتصادية وتخصص مبالغ مالية للجمعيات السكانية وبخاصة المشاريع التي تفيد المجتمع المحلي على أن تأتي الجمعية بفكرة مشروع يقام في الحي توفر من خلاله فرص العمل لأهل المنطقة ولتمويل الرابطة لتقوم بدورها الاجتماعي، مع إفادة سكان المنطقة منها عن طريق إدارة تلك المشاريع".

 كما تتضمن المخططات عمل إطلالة vantage point في الحي تطل على عمان الشرقية، ويكون فيها مقاعد وطاولات وتكون لاستعمال أهل الحي والسواح بحيث يستمتعون بمناظر المدينة ولعب الشطرنج وطاولة الزهر.
 
      ويشدد القسوس على ضرورة التعاون بين وزارة السياحة وقسم العمارة في الجامعات، والجهات المعنية، من اجل إعداد مسحاً كاملاً للدوار الأول وتسمية كافة الأبنية والمواقع ذات القيمة التاريخية والتراثية والمعمارية بغية توثيقها وإدراج هذه المواقع على قائمة لتصبح تحت حماية القانون المؤقت.

 وتعنى الجمعية بإعداد سجل كامل يحتوي على مخطوطات ووثائق وصور لكافة الأبنية من اجل تخزينها في موقع الجمعية بغية بناء بنك للمعلومات لتاريخ وحضارة الحي الذي يعود إلى العشرينات والذي تميزت بيوته ببساطة التصميم واستخدام الحجر في البناء.

ويضيف "هناك وعي كامل بالنسبة لأهمية البيوت التراثية من قبل أصحابها مما زاد من الحرص والامتناع عن هدمها". وعلى الجمعية تشجيع وجود المقاهي والمطاعم ومعارض اللوحات الفنية Galleries على أن يتم تنظيمها بشكل لا تزعج فيه المنازل والسكان وبحيث تتماشى مع طابع المنطقة.

 تقول ساريا رضا (23 عاماً)، إحدى سكان منطقة الدوار الأول: "تسعدني وعائلتي ظاهرة وجود المحلات والمقاهي والمطاعم في المنطقة، لأنها تعيد الحياة لها، ولكن نأمل بأن تأتي تلك التطورات بشكل منتظم دون أن تؤدي إلى حاله من الازعاج والضجيج خاصة ان المنطقة هادئة جداً".
 
        وعبر عدد من السكان عن سعادتهم بالاهتمام المتزايد بمنطقتهم خاصة بعد الجهود التي بذلت للاعتناء بمظهر ونظافة الحي بالإضافة إلى ارتفاع قيمة العقارات فيها، فيما اظهر البعض تخوفاً من أن يتحول الحي إلى منطقة تجارية يمكن أن تؤثر على هدوئها ومجرى الحياة فيها. 

التعليق