بدو فلسطين: المنسيون في الاودية والشعاب والمناخ القاسي

تم نشره في الأحد 13 شباط / فبراير 2005. 10:00 صباحاً
  • بدو فلسطين: المنسيون في الاودية والشعاب والمناخ القاسي

UNDP صوت صارخ في البرية


    القدس المحتلة - كان صوتا صارخا في البرية. هو ذاك.. صوت برنامج الامم المتحدة الانمائي (UNDP)، برنامج مساعدة الشعب الفلسطيني (PAPP)، لايقاظ مكامن الفعل والتفاعل الابداعي الذي يكتنزه بدو فلسطين الذين عاشوا مهمشين بعيدا في قلب الصحراء وعلى اطرافها وفي مضارب الوبر والصفيح والواح "الزينكو" في اودية وشعاب البرية الفلسطينية الممتدة بمحاذاة الغور الغربي وعلى طول الشريط الحدودي وترابه القاحل المائل الى الصفرة من لفحات الشمس الحارقة في صيف الاغوار الحار.


    اعتاد اهل بادية فلسطين التنقل والترحال في براريهم الواسعة منذ فجر الزمان والمكان، متنقلين مع مواشيهم و"حلالهم" سعيا وراء العشب والماء، فنالوا نصيبهم من غدر الزمان وتقلباته وسياسات الاحتلال القائمة على القمع والبطش والتهجير والترحيل.
 
في الطريق الى.. العوجا


    في رحلتنا الى "العوجا" شمال مدينة اريحا.. خطر في بالي انه في البدء، كانت البداوة. كما دارت في ذهني عبارة ابن خلدون ان البدو اصل الحضارة.
وتداعت الى ذهني اشياء كثيرة. فقد ذكرتنا العوجا أن اسمها يشبه تماما اسم بلدة في تكريت، مسقط رأس صلاح الدين الايوبي، تدعى العوجا ايضا وهي مسقط رأس الرئيس العراقي صدام حسين. وكنت ونحن هابطون الى "اوطى" نقطة في العالم اراقب مضارب بعض التجمعات البدوية المتناثرة على جانبي الطريق الى مدينة اريحا، فشعرت بالأسى لأن بيوت الصفيح والزينكو باتت تحتل رويدا رويدا مكان بيت الشعر البدوي المصنوع من صوف الاغنام والماعز او وبر الجمال، وهو يشكل تراثا عزيزا وميزة مهمة يمتاز بها البدو في كل مكان وزمان.


    شعرت ان اليد الحانية التي ستمتد الى البدو في هذه الظروف القاسية ربما تنقذ ما يمكن انقاذه من هذا التراث البدوي الجميل كما اخبرني د. عبد الحميد موسى البرغوثي الذي يسعى جاهدا الى تطوير البنية التحتية للتجمعات البدوية الفلسطينية من خلال المحافظة على الاصالة والتراث. وهو ما يدعمه بقوة برنامج مساعدة الشعب الفلسطيني والقائمين عليه، بدءا بتيموثي روذرميل الممثل الخاص لبرنامج الامم المتحدة الانمائي، ومرورا بجورج خوري المسؤول عن برنامج تنمية التجمعات البدوية، وعبد الله اللحام وسفيان مشعشع وايهاب شنطي واخرين.
 
حياة التقشف


    قبل ان يخوض برنامج مساعدة الشعب الفلسطيني في رمال الصحراء البدوية، وقبل ان يتعرض لاية كثبان رملية متحركة قد تعيق برنامجه، فإنه رسم صورة واضحة المعالم للحياة البدوية القاسية. فأشار الى أن البدو يعيشون منسيين بقصد أو من دون قصد من العالم المتحضر، يعانون بين شقّي رحى الاحتلال والظروف المناخية القاسية. او كما وصفت نبذة المقتطفات الصادرة عن البرنامج هذا الامر بالقول "بين سندان الظروف المناخية القاسية ومطرقة الاحتلال"، وما تمثله من عقبات واغلاق ومضايقات.


    وعلى رغم ذلك، فإن حياة البداوة تشكل جزءا وتنوعا في الريف الفلسطيني، واوضحت النبذة: "ان اغلبية البدو سبق وسكنوا في النقب وبئر السبع ولكنهم الان يقطنون في ما يطلق عليه (الشريط البدوي) الذي يمتد من جنوب الخليل على طول السفوح الشرقية لمحافظات الخليل وبيت لحم والقدس ورام الله. ويعيشون في تجمعات صغيرة متباعدة تقتصر على البدو. ويسكنون بيوت الاسمنت وغالبيتهم في اكواخ الصفيح والخيم البسيطة نظرا لارتفاع تكاليف بيوت الشعر التقليدية وعدم توفرها. يجترح البدو في شريطهم قوت يومهم من تربية الاغنام والماعز والجمال وبيع منتجاتها. وتعلموا من الصحراء عدم المخاطرة وقلة الميل للاستثمار، فهم لا يراهنون على المستقبل الغامض غير المؤكد ويؤمنون بتأمين غذاء يومهم فقط".


    وحتى يواجه البدو هذا التحدي الحضاري، كان عليهم البحث عن تمويل كاف بعد ان جمعوا ما باستطاعتهم جمعه من اموال ذاتية. ولاسباب عديدة تواصل النبذة المقتطفة الصادرة عن UNDP استعراض الواقع البدوي: "لا يستطيع البدو تأمين التمويل اللازم من بيوت التمويل التقليدية. ومن ناحية اخرى هم لا يؤمنون بالتوفير في البنوك ويظهرون ثروتهم في حجم قطعان الماشية لديهم (اغنام، ماعز، ابل). وهي ممتلكات لا تجد قبولا كضمان للقروض لدى البنوك التجارية. ثم إنه حتى لو سمح للبدو الحصول على قروض من البنوك التجارية، فمن المتوقع انهم لن يجنحوا الى ذلك لاسباب دينية. فالفائدة البنكية تشكل بالنسبة لهم "ربا" وهو حرام في الاسلام. كما واجه البدو مشكلة المياه والكهرباء بسبب الخلافات المتعلقة بحقوق الماء. ونظرا لاستخدام اسرائيل المياه للضغط على المواطنين، فقد حرم البدو من الوصول الى مصادر الماء للشرب وسقاية الماشية، وقلة من التجمعات البدوية تحظى بالماء القليل او تتصل بشبكة الكهرباء، حيث تعتمد غالبيتهم على مولدات الكهرباء باهظة التكاليف. اما اوضاعهم الصحية فهي متردية للغاية، وكذلك الوضع الاقتصادي فهو متدهور ويواجه عددا من المعوقات من حيث التنقل واغلاق المناطق او من حيث تصحر المراعي وتدني انتاجيتها او بسبب ارتفاع اسعار الشعير وتدني الانتاجية نتيجة لتخلف ادارة المزرعة البدوية والعناية الصحية بالقطيع او من حيث تدني اسعار منتجات البدو من لحوم وحليب ومشتقاتهما، ما يؤدي الى جفاف مصادر دخولهم ومعيشتهم اليومية".


حنين الى الماضي


    مرت كل هذه الافكار في رأسي ونحن في الطريق الى العوجا. عنّت لي المزيد من الخواطر وحكايات الماضي البعيد وانا اراقب عن يميني بقايا اطلال مضارب ابائي واجدادي من بدو عرب السواحرة، حيث لاحت لي تلك الشواهد المندرسة وكأنها تنبئ بميلاد جديد!


هناك على هاتيك التلال والبطاح لطالما جريت ولعبت وقطفت ورود الحنون والازهار البرية لجميلة، ولاحقت بـ "نقّيفتي" ومقلاعي البالي العصافير والشنانير، واذا ما عجزت عن اصطيادها بحثت عن اعشاش صغارها، فسطوت على بيضها او على صغارها وشويتها على نار الحطب والتهمتها برعونة الصبي الصغير الذي يكتشف العالم المحير من حوله، ولا يعرف سوى اشباع حاجاته وخاصة بطنه..

    استحضرت كثيرا من مظاهر حياة البرية من ابار الماء العذبة في "الزراعة" و"شعب دافي" و"واد شخ الضبع". ومرت في ذهني تلك الصور ضبابية عائمة عن حيوانات البرية، وفي مقدمتها "الضبع" الذي كنا نسخر منه لانه لا يتربص لفريسته الا في الليل مثل خفافيش الظلام. كنا أيضا نطلق عليه "ابو الفطايس" لانه يقتات على جيف الحمير او الجمال او المواشي النافقة. وكانت قصص الضباع في وهاد البرية تملأنا بالخوف، وكذلك الوحش، وهو الذئب، الذي اعتاد على افتراس الخراف والضأن. اما ابن آوى او الحصيني، ذلك الحيوان الذكي، فقد كنا نعجب بحكاياته التي تدل على الفطنة والذكاء في الايقاع بفرائسه، بخاصة من الدجاج والبط والحمام. وكثيرا ما لاحقنا في الليالي المعتمة قرب مضاربنا ما يسمى بحيوان النيص الذي يطلق سهاما صغيرة على مهاجميه تكون اصابتها خطيرة احيانا، ولكن لحمه لذيذ ومفيد في علاج السخونة، على ذمة المزارعين والبدو. اما سيدنا الغول وستنا الغولة، فهما عالم قائم بذاته.
 
الانطلاق لتحسين الظروف


     يقول جورج خوري ان مشروع تنمية التجمعات البدوية في الضفة الغربية انطلق في تشرين ثاني من العام 2000 بهدف تحسين ظروف حياة البدو من خلال مساعدتهم اقتصاديا وفنيا بوضع وتنفيذ برنامج تنموي متكامل و مستدام. وبدأ المشروع بشراكة بنّاءة بين برنامج مساعدة الشعب الفلسطيني ووزارة الزراعة وبتمويل من الحكومة الايطالية بوساطة مؤسسة التعاون الايطالية. واضاف خوري انه الى جانب التوعية، فان البرنامج يحتوي على مكونين رئيسيين هما: تمكين وتمتين القدرة التفاوضية للبدو من خلال انشاء شركة استثمارية وتنموية للبدو، وتحسين صحة وانتاجية الماشية والعناية بها. حيث يركز المكون الاول على شركة بدوية مساهمة ومنتخبة لعقد صفقات علف شعير للماشية باسعار معقولة من خلال شرائه وبيعه باسعار مناسبة وبشروط تجارية ممكنة وبيع منتجاتهم باسعار مجزية.


    اما المكون الثاني فيركز على انشاء العيادات الصحية وهو ما تم فعلا، حيث بات هناك عيادتان بيطريتان - واحدة للخليل وبيت لحم، والاخرى للقدس ورام الله واريحا يعمل في كل منها طبيب بيطري، وهي مجهزة بمختبر صغير وجهاز فحص الحمل ومعدات وادوات وادوية تضمن تقديم خدمة بيطرية متميزة تعفي البدوي مشقة الانتظار او الانتقال. واوضح خوري انه يجري تحديث البنية التحتية في حوالي 30 مزرعة ريادية في التجمعات البدوية من خلال تمكين المزارعين البدو من الاطلاع على التقنيات الحديثة في ادارة المزارع وزيادة قدرتهم على تبني تلك التقنيات وخاصة في مجال العمليات الزراعية الحقلية وصحة الحيوان. كما سيستفيد اخرون من خلال ادخال سلالات جديدة ومحسنة من الماعز والاغنام تكون عالية الانتاجية من الحليب والمواليد.


    ومن المفارقات التي صادفتنا ما ان وصلنا الى مضارب عرب الكعابنة وابو داهوك والمليحات وغيرهم في العوجا وتحديدا في منطقة تدعى "المتعرجات"، على طريق رام الله – اريحا صعودا الى جبال رام الله العالية، واذ بقوة من الجيش الاسرائيلي تقوم بتدريبات ومناورات عسكرية قرب تلك المضارب. وهو الامر الذي يمنعني من تنفيذ تهديداتي بالعودة الى احضان برية عرب السواحرة الخالية بعد ان هجرها عربها تقريبا، واستقروا في بيوت من الاسمنت واصبحوا من سكان الحواضر المحيطة بالقدس، وذلك بعد ان يئست من وصول الدعم، ولم يبق امامي سوى الدعس! فقد قررت ان اعود الى مرابع البادية حيث الصفاء وراحة البال مقيما في بيت شعر، ارعى قطيع اغنامي واهشّ عليه.. وازدرد ما شاء الله لي الازدراد من "المناسف" الشهية، واصدح على "شبّابتي" المخرومة بعيدا من ضجيج المدن ودخانها الاسود العادم للصحة والعافية. ولكن خوفي من رصاصة طائشة او قنبلة منحرفة نتيجة لمناورات ما جعلتني اتريث في تنفيذ هذا القرار الخطير.


    المهم اننا عاينّا ما يجري من ادخال تحسينات على مجتمع البادية بحضور د. صائب عريقات وابراهيم ابو النجا وزير الزراعة الفلسطيني، ثم انطلقنا الى الواحة لتناول "الزرب" وهو الخروف المحشي الشهي المطبوخ في جوف الارض، حيث يتم وضع برميل من الحديد مفتوح من الاسفل كما اخبرنا الخبير في عوالم الزرب حسن شبيب من اللجان الفلاحية الفلسطينية، ثم "يكمر"، اي يدفن، بالتراب لعدة ساعات بعد ان توقد النار بداخله وتصبح مثل الجمر.. وبعدها انقضّ على الأكل اللذيذ! فهنا منه الكثير ليملأ المعدة الخاوية، ويرد الروح المرهقة التعبة.


    أما مسك الختام، فيتمثل باحصائية ارقام اوردتها نشرة UNDP المقتضبة حول العشائر البدوية المنتشرة في الشريط البدوي وهي الجهالين والصرايعة والكعابنة والعزازمة والرشايدة والرماضين، وبقايا قليلة من عرب السواحرة. ويقدر عدد هؤلاء البدو بنحو 30 الف نسمة يمتلكون حوالي مئتي الف رأس من الاغنام. اما البدو الرحّل الذين استقروا فيشكلون 5.2%، وتشكل تربية الاغنام والماعز مصدر دخل وحيد لنحو 20% منهم، ويتم تسويق حليب مواشيهم على شكل حليب طازج، وما نسبته 45.4% على شكل جميد و25.8% على شكل زبدة، و10.4% سمنة، و1.7% لبنة وفقط 0.5% على شكل جبنة. وفقط ثلث التجمعات البدوية لديها اتصال بشبكة كهرباء دائمة اما البقية فتعتمد على مولدات الكهرباء مرتفعة التكاليف. وحصة الفرد البدوي من المياه لا تتعدى 15 لترا يوميا بينما تصل في الريف الى35 لتر يوميا وفي المدينة بين 65 -70 لترا.

التعليق