البنية الاجتماعية إلى أي مدى تساهم في الحد من حرية المبدع

تم نشره في الجمعة 11 شباط / فبراير 2005. 10:00 صباحاً

 


      عمان- منذ فترة ليست قصيرة وجدلية المبدع وعلاقته بمحيطه الاجتماعي، تطرح نفسها بوصفها واحدة من القضايا النقدية الهامة التي اضطلع الناقدون ببحثها، ذلك ان البنية الاجتماعية تلعب الدور الاكبر في خلق الحالة الابداعية والثقافية لدى المبدعين بشكل خاص والمثقفين بشكل عام .


       ويرى عدد من المبدعين انه من أجل ان يقوم المبدع بدوره تجاه محيطه ومجتمعه، يجب ان يبقى على تواصل مع هذا المحيط  متفاعلا وفاعلا في الحراك الاجتماعي ويؤكد القاص فخري قعوار على "أن ثمة تأثيرا واضحا للمنظومة القيمية والاجتماعية في الحد من  حرية الإبداع، لافتا الى ما أسماه باستفحال العقليات المتخلفة" التي تمارس ضغوطاتها التي تؤدي إلى تدمير بعض المواهب أو الإمكانات الإبداعية. مضيفا ان هناك شريحة من الذكور الأزواج، يعتبرون ممارسة زوجاتهم للإبداع الأدبي أو الفني أو الثقافي بشكل عام، مسألة مهينة لهم، ومعبرة عن قلة التصرف الأخلاقي. وقد أدى هذا الفهم السلبي إلى جعل إحدى النساء تمارس الكتابة في الصحف، دون علم زوجها، حيث تقوم بالكتابة في أثناء غيابه عن المنزل، وتنشر ما تكتب باسم مستعار، وإذا تصادف أن علم أن امرأته تفعل ذلك، فسوف يعتبر عملها عبارة عن خيانة له!" ويضيف قعوار مؤكدا على "أن القسم الأكبر من الرجال، سواء أكانوا أشقاء أم آباء أم ازواجا، يرفضون أن تتحول شقيقاتهم أو بناتهم أو زوجاتهم إلى مطربات".


    يرى الروائي سليمان القوابعة "إن الظروف الاجتماعية تتفاعل مع غيرها وتواجه المبدع من قريب أو بعيد وتتراوح بين البساطة والشدة وهي بالضرورة كوابح مزعجة لكنها في نهاية المطاف تمثل المحرك الطبيعي للمبدع كي يكتب، فمن رحم الواقع الاجتماعي جاء هذا الإنسان ومن خلاله يمضي". ويضيف "التفاعل مع الظروف الاجتماعية أمر في غاية التشعب والتنوع حين نتذكر العصر ثم البيئة وهي أجواء المبدع بواقعها الجغرافي والاقتصادي وتقاليد المجتمع وأعرافه" موضحا ان علاقة المبدع بالمحيط مسألة نسبية يختلف تأثيرها من مبدع لآخر، لأن الأمر يعتمد في التأثير والتأثر على تميز الأديب أو الفنان ودرجة نقائه وانتمائه ومدى الجرأة التي يتصف بها وقدرته على التحمل"" ويؤكد على "أن المبدع كغيره من البشر يواجه أوقاتا صعبه قد تجهز على ما لديه من إحساس وشفافية فيقف قلمه عن الحركة زمنا قد يطول أو يقصر".


      يقول القاص نازك ضمرة "إن الاختلاف في المضامين تنبني حسب مصاب الفكر ومنابعه" مضيفا  "حين تتوالد الفكرة في أعماق الفرد الكاتب، تتمحور اتجاهاتها حول هدف أو أهداف فردية أو انفعالية، أو هي انعكاس لكبت وحرمان يحيق بالفرد أو بمحيطه، لكن المسؤولية تتكثف وتنتظم بشمول أوسع أو أضيق حيث تجد نفسك معبرا عن رؤية الآخر وبحيادية، لافتا الى انه وبسبب انحرافات أساليب الاعتراض والاحتجاج، وغياب سلم التحرر الاجتماعي أو انحرافه، أصبحنا نتردد في وصف تلك المفردات بتسميتها قنابل موقوتة، لأن المفكر والأديب لا يقف في صفوف العنف والانحراف" .


      ويرى القاص أحمد النعيمي "ان المبدع الذي يخشى الثالوث المقدس ليس مبدعا، وليس أنا من يقول ذلك... التاريخ يقول ذلك، والحاضر والمستقبل يقولانه أيضا... إذ ما دامت البشرية غير متفقة على صيغة تجنبها الدمار والموت وأشكال الصراع الأزلية، فإن الأفق ينبغي أن يظل مفتوحا على الاحتمالات كلها في البحث عن صياغة ما للعلاقة ما بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان ومحيطه الاجتماعي، وبين الإنسان ونفسه". مضيفا ان العلاقة بين ما هو إبداعي وما هو اجتماعي تكتسب أهميتها من كونها تحمل مؤشرات مستقبلية أكثر مما تتصالح مع اللحظة الراهنة؛ ولذلك فإن هذه العلاقة غالبا ما تكون متوترة، قلقة، وذات أبعاد صدامية.. صحيح أن المبدع إنسان يعيش في مجتمع، لكنه كثيرا ما يكون مغتربا في مجتمعه"  مشيرا الى ان "المبدع الحقيقي هو الذي ينظر إلى الأشياء بحس إنساني شامل... ويتعاطف مع المسحوقين، والمقهورين، والمغلوب على أمرهم.. هو الذي يشعر بألم في أمعائه كلما رأى خللا اجتماعيا أو إنسانيا وشعر بعجزه عن التأثير فيه أو تغييره".


    ويضيف " هناك نمط من المبدعين هم أقرب ما يكونون إلى كونهم ممثلي دعايات تجارية... إنهم أولئك الذين يكتبون ما يتوافق وأمزجة مجتمعاتهم، ويسكتون عن أخطائها رغبة منهم في أن تصفق لهم هذه المجتمعات، على الرغم من علمهم أن المبدع الحقيقي هو الذي ينظر إلى مجتمعه وعينه على تغييره نحو الأفضل وليس على حيازة التصفيق" ويوضح النعيمي قائلا "أفهم أن يقوم سياسي ما بدغدغة عواطف العامة؛ لأن السياسي في الغالب يعمل من أجل اللحظة الراهنة، ومن أجل مصلحته الشخصية في الوقت نفسه. ولكن لا أفهم أن يقوم مبدع ما بالدور ذاته؛ لأن المبدع ليس ابن اللحظة الراهنة ولكنه ابن المستقبل، لذلك ليس شرطا أن يتصالح المبدع مع مجتمعه لأن المبدع الأصيل غالبا ما يكون ابن الأزمنة القادمة أكثر مما هو ابن زمانه، وهذا ما يفسر اختفاء مبدعين عن الساحة الإنسانية وبقاء آخرين مع البشرية إلى ما شاء الله".


      ويعتبر الكاتب والقاص رأفت عزام ان هناك علاقة جدلية وثيقة تنشأ بين المبدع والناس" مضيفا انه بقدر ما يعبر الكاتب والشاعر والفنان عن طموحات الشعب وامانيه بقدر ما يحظى بالاحترام. والمجتمعات الحية المتحركة التي تسعى لتغيير حياتها دائما نحو الحرية والتقدم هي التي تخلق المبدعين وتستمتع بإبداعاتهم وتتعلم أيضا". ويشرح قائلا "الإنسان هو أرقى كائن على هذه الأرض والمبدع الذي ينحاز إلى قيم الحرية والتقدم ووقف الانتهاكات والعذابات التي تنغص الحياة وتلطخها بالوحل هو الذي يبقى في النهاية" ويرى ان"المجتمعات الراكدة المشبعة بالخرافات والخزعبلات والبؤس والتي ترزح تحت نير القمع والأوهام والأكاذيب والتسلط هي مجتمعات محكوم عليها بالموت سلفا.. هذه المجتمعات لن تنجب كتابا ومبدعين حقيقيين لأن الحرية غائبة وكذلك الحوار والفكر الإنساني الخلاق وما ينطبق على الأدب والفكر والفن والثقافة عموما ينطبق على العلم".


    الشاعرة د. مها العتوم تؤكد على "إن المبدع جزء لا يتجزأ من مجتمعه، فإنه يتأثر بالضرورة بما يحصل فيه من تغيرات بشكل أوضح من سواه، وتظهر فيه أكثر من خلال ما ينجزه من إبداع. وإذا كنا نتفق الآن على أن الفن ليس انعكاسا مرآويا للواقع والمجتمع، إلا أنه لا يمكن الاختلاف على أن الفن يتأثر بالواقع والمجتمع ويعكسه بشكل ما، لابد أن يكون فنيا، وخاضعا لشروط الفن بالدرجة الأولى".


     موضحة انه لا يمكن ان ينفصل الفن عن المجتمع مهما كان تجريديا، ولا يمكن لفنان حقيقي مهما كان مبدعا أن ينجز فنا منفصلا عن الظرف والشرط الاجتماعي الذي يحياه، وإن كانت تختلف درجة ظهوره في الإبداع، تبدأ للفنان، وزاوية رؤيا للعالم من حوله، والحراك الاجتماعي ينج بالضرورة حراكا فنيا، بل إنه الشرط الذي ينهض عليه الفن، ويؤسس مدارسه وتياراته".
 

التعليق